الرئيسية / ضد التطبيع / مرثية السلام !!

مرثية السلام !!

مرثية للسلام !!

إلى سميح القاسم

سميح محسن *

هناكَ ما هو أكثر من مشتركٍ بيننا يُحَفِّزني للكتابةِ إليكَ قبل ساعاتٍ من التئامِ مؤتمرِ الأدباءِ الدولي الذي يُعقد في مدينة حيفا (التي أشتهي رؤيتها من بعيد) بين الأول والرابع من شهر كانون الأول في إطار احتفالات “عيد الأعياد” الذي تنظمه مدينة حيفا بالتعاون مع منظمة القلم الدولية “بن” والسفارة الفرنسية وبدعم وزارة الثقافة الإسرائيلية بقيادة ليمور ليفنات، ووزارة الخارجية الإسرائيلية بقيادة الموغلِ في عنصريته وفاشيته، أفيغدور ليبرمان، ذلك المؤتمر الذي ورد اسمك ضمن المشاركين فيه (ولم أسمع عن اعتذارك، بل ورفضك المبرر للمشاركة). كما وردت أسماء كُتّاب عرب من المغرب والجزائر ومصر والعراق (نشر عن أصولهم في بيانات المنظمين الصحفية) ويبدو أنهم يعيشون خارج أوطانهم.

واسمح لي أن أبدأ بالمشترك بيننا، وأبدأ بأننا نحمل الاسم نفسه، ولو كانت تفصل بين عُمرَينا سنواتٌ أطولُ (أطال الله في عمرك) لقلتُ بأن والديَّ منحاني اسمي تيمّناً باسمك. وأما المشترك الثاني بيننا أننا فلسطينيان، أنتَ أنجبتك النكبة شاعراً، وأنا أنجبتني النكسة شاعراً، والاثنتان، النكبة والنكسة، بآثارهما الساحقة الماحقة لا تزالان تقتلاننا معاً، أنتَ وأنا. والمشترك الثالث بيننا أننا كاتبان (شاعران) والفرق بيننا هنا أنني وأبناء جيلي اللاحق على جيلك تتلمذنا على أياديكم، ورضعنا شعر المقاومة من قصائد جيل الروِّاد، جيلكم. وأما المشترك الرابع وليس الأخير هو أننا انتمينا في يوم من الأيام لحزبين شقيقين، فحملنا الشعلة نفسها، والايدولوجيا نفسها، والفكر السياسي نفسه، بغض النظر عن أين أصبح يقف كل منا الآن على حافة الحزبية، لأن الأهمّ من ذلك كله أننا ما نزال نحمل همَّ شعبنا، ومعاناته، ومآسيه، ونقلق سوياً على مصيره ومستقبله على هذه الأرض التي هي له.

وإن كان لا يجوز لي، وأنت معلمي بالسياسة والكتابة والكياسة، أن أُنبهكَ، وأنتَ العارف بالسياسة، إلى أن مؤتمرَ الأدباءِ الدولي الذي سيبدأ فعالياته اليوم في مدينة حيفا هو مؤتمر تطبيعي بامتياز. ويُعقدُ في وقت تحكم فيه إسرائيلَ، دولة الاحتلال، حكومةٌ هي الأشد يمينيّةً وقسوةً في تاريخها، شعارها الكبير هو اقتلاعك من الرامة، واقتلاعي من رام الله، على حدٍّ سواء. وتنكّرها للنزر اليسير من حقنا في هذه الأرض التي يدعي ليبرمان القادم من الشرق البعيد أن الله ورَّثها لشعبه، ولكن المؤكد أن أجدادك، وهم أجدادي أيضاً، قد ورّثونا إياها، رغم أن ادعاءاته هو، وحقائقنا نحن، حاول قرار التقسيم الدولي الظالم، الذي مرت ذكراه الثالثة والستون بالأمس القريب، أن يوفق بينهما، إلا أنه ما يزال يُمنى بفشل ذريع في التطبيق، مع العلم أن الضحية قبلت بما هو أقل من الغلب الفادح.

عندما أشرتُ إلى الجذور، كان ذلك عن عمد. فأنا لا أعيد هنا نقاشات سنوات سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما كنتَ ورفاقنا الآخرون يشاركون في المؤتمرات التي تُعْقَدُ في دول المعسكر الاشتراكي آنذاك، وتُواجَهُون بمواقف وممارسات غبية من قبل زملاء عرب لكم في الكتابة والسياسة، ومن بينهم فلسطينيون أيضاً، لأن الأمر مختلف الآن، في الزمان والمكان.

وأنا أيضاً مؤمن بالسلام القائم على العدل، السلام الذي يلبي أدنى الحقوق المشروعة لشعبنا الفلسطيني. لقد دافعت عن هذا الخيار، كما فعلت أنتَ، في سنواتِ القبضِ على الجمر، وسبحنا ضد التيار الجارف، رغم إدراكنا بأن ظلماً فادحاً قد أُلحِقَ بشعبنا، ولكن كان لا بدَّ من الانحياز للخيار الأقل مذاقه مرارة. هذا الخيار الذي يواجَه اليوم بالرفضِ داخل إسرائيل، وحكومتها اليمينية المتطرفة، أكثر من أي وقت مضى.

إن مشاركة شاعر بحجم سميح القاسم، حمّلَه شعبُه ونُخَبُه الثقافيةُ والفكريةُ والسياسيةُ من الصفات ما يثقل كاهله، يعطي مؤتمر الأدباء الدولي شرعية يبحث منظموه عنها، وأظنُّ أنه من واجبنا، وأنت في مقدمتنا دائماً، سحبَ الشرعية عنه، لا إضفاءها عليه.

قُيِّضَ لي أن أكون حاضراً مساء الاثنين الفائت في قصر الثقافة في رام الله، وأن استمعَ إليك ضمن المئات من أبناءِ شعبك. استمعت إليك وأنت تُخَلِّد ذكرى الرئيس الراحل ياسر عرفات. وعلى بعد أمتار من شقته في رام الله (كما وصفت) رثيت توأم روحك محمود درويش حياً. ومجَّدت أريحا، مدينة القمر المسكونة بالبشر منذ عشرة آلاف عام، وسخرت من يهوشع بن نون، ومن نبوخذ نصر، وكسرى وقيصر، وأعلنت، كما أعلن الشاعر الخالد فينا، توفيقنا زيّاد، أنا باقون على الأرض، إنا باقون على العهد. في ذلك المشهد، لم يكتفِ الحضور بالتصفيق الحار لك، ولقولك، بل وقفوا، وكانوا بالمئات لتحيتك، وتحية قولك الشعري.

من بين الباقين من جيل الروّاد الذين أسسوا لمقولة فلسطين الشعرية الحديثة أنت (أطال الله في عمرك). وعندما نسمع مقولتك كأننا نسمع مقولة جيلك التي حملت فلسطين بآلامها، بدموعها ودمائها، بقلقها، وبلحظات فرحها القصيرة إلى العالم. لذا فإن شاعراً في قامتك ومقامك يجب أن لا يعطي شرعية لأي فعل تطبيعي مع محتل أرضك وشعبك، حتى يقر المحتل بحق هذا الشعب في إقامة دولته المستقلة والسيدة على جزء من أرضه. وبحقه في أن تكون القدس، منارة الأرض إلى السماء وبهجتها الطاغية، عاصمتَها. وبحق أبناء شعبنا الذين شردهم الغزاة بالعودة إلى الأماكن التي اقتلعوهم منها، وبدون ذلك كيف نصالحهم، أو نضفي شرعية على أفعالهم في قتلنا، وتشريدنا، وامتصاص عرقنا ودمنا ؟!!

Sa-muhsen@hotmail.com

* عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين/ مسؤول لجنة الحريات العامة ومقاومة التطبيع

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

التطبيع في تونس من السرية الى العلانية

إن لم تستح فافعل ما شئت.. التطبيع في تونس من السرية الى العلانية بيان من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *