الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / الأركان الموضوعية للثورة الشعبية العربية

الأركان الموضوعية للثورة الشعبية العربية

مظاهرات ميدان التحرير 19 آذار وكالة فرانس برس

الأركان الموضوعية للثورة الشعبية العربية

أحمد حسين

لا معنى لآية ثورة إذا لم تكن ضد النظام الطبقي. لأن الطبقية هي مصدر كل الشرور الإجتماعية في علاقات البشر. ولكن إرادة التغيير الثوري ومداها مرتبطة بمستوى محدد من الضرورة التراكمية والوعي النوعي. وكثير من الثورات في التاريخ المبكر، كانت تعبيرا عن ثورة على أوضاع جزئية من الظلم العام، وصلت تراكماتها معدلات تتناقض مع الحد الأدنى لوعي المرحلة، مثل ثورة العبيد في روما، أو ثورة طبقة الأقنان على نبلاء الإقطاع في أوروبا. ولم يبدأ وعي الثورة الشاملة، في كتابات الفلاسفة والمصلحين والمفكرين الإجتماعيين، إلا عند نهاية القرون الوسطى، وسيطرة نظام النقد والسلعة والعمل على حياة الكثير من الناس وتجاوز الثروة الطبقية اعتمادها على ملكيةالأرض إلى ملكية البشر. ولم تخرج هذه الأفكار من غموض الوعي المثالي، ورومانسيات الغنى والفقر والعدالة والظلم، من إطار المسلمات السببية، إلى علاقة هذه الأشياء بمسبباتها الطبقية، إلا بعد ظهور المادية التاريخية، التي أوضحتها الماركسية. وهي الخلفية التي طرحت على أساسها كل مفاهيم علم الإجتماع الحديث، مثل الطبقية والملكية الخاصة والإشتراكية وصولا إلى الشيوعية.

هذه المقدمة في ألفبائية الثورة وتطور مفاهيمها، قد تفيد في وعي الإلتباس الموضوعي، بين أية ثورة شعبية وأخرى. وهي التباسات مصدرها مستويات الوعي المرحلى المختلف، أو الثقافة الملتبسة، أو احتجاز حركة الشعب في الهيمنة الإمبريالية على حركته الإجتماعية. وهي كلها ظروف عميقة الحضور على الساحة العربية إلى درجة التباين مع التاريخ وعقل المعاصرة. وهي تشكل واقعا متداخلا يجعل مهمة أية ثورة شعبية عربية أصعب من غيرها لدى الشعوب الأخرى، باعتبار أن الثورة هي ضرورة وعي مرحلي.

لقد احتجز العقل العربي قرونا طويلة في حالة غياب شبه تام عن حركة مواعاة التجربة. كان التسليم الغيبي هو الشكل الجدلي الغالب لقراءة إشكالات الوجود ودور الأنسان فيها. ومع أن قدرية الحركة كانت اقتراحا فلسفيا دائم الحضور في العمق الزمني للتاريخ، إلا أنها في الإسلام أصبحت نظاما إيمانيا اجتماعيا تحميه الدولة الطبقية بكل وسائل القمع. ومنذ بداية نظام الخلافة الأولى أصبح الدين هو جهاز الأمن السياسي المكلف بحماية النظام، وبالتالي فإن النظام مصلحيا، أصبح في منتهى الحرص على حماية النصوص وتعميمها ” إيمانيا “. وحينما نقول إيمانيا نقصد منع تداول التجربة عقليا، تحت طائلة أقسى مستويات القمع الوجودي المادي والمعنوي، وتحويل الإيمان إلى ثقافة إلزام عامة. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن ينسلخ العقل مرغما عن حيويته الوعيوية، ويتوقف عن طرح أسئلة الوجود المحرمة. ولم يعد أمامه أي العقل، سوى الإنخراط في معاداة الذات، والتحول إلى أداة تكريسية في يد حركة الثقافة الفقهية المستغنية عن الوعي، بتعقل النصوص المقدسة، بما يلائم أهداف النظام. وقد أبدع العقل العربي، الممنوع من طرق أبواب الإبداع بآفاقه المتعددة، في طحن الماء، الذي أصبح مضمونا لآسخف ثقافات العقم في التاريخ البشري. اصبح النص بالكلمة والحرف مصدرا لتوليد ذاته بالإنشطار اللغوي، بحيث أن نواقض الوضوء وحدها تحولت بالعقل الفقهي، إلى ملحمة شعبية بدأت منذ اكثر من خمسة عشر قرنا، وتواصلت إلى اليوم، مخلفة وراءها، آلاف الأطنان من الورق، وملايين المختصين، وشعبا كاملا ينفق من وجوديته على الخلاف بين الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي حول هذه القضية وأمثلها. وأصبحت الثقافة الهجرية عبارة عن حضانة ثقافية لمضغ الكلام المكرر، ينتسب إليها الأطفال من سن الرضاع حتى سن الشيخوخة المتأخرة. هذا الشعب المسكين هو المكلف اليوم بالقيام بثورة اجتماعية، تغير نظام المجتمع والعلاقة بالنظام، بدون المساس بالثقافة الدينية. وبما أن هذا غير وارد في عقل التاريخ، فإن هذا الشعب مطالب بمعجزة لم يسبق لها مثيل في التجربة.

على هذا الشعب، أن يحقق العدالة الإجتماعية والحرية والتقدم والمساواة، بدستور مرجعيته التشريعية هي الدين. أي عليه أن يمشي على الماء، أو أن يعيد النظر في تكوينه الثقافي. وعندما تكون الثقافة العامة ذات مصدر إيماني، أي غيبي بالكامل، تتحول إلى نظام شعبي يقوم على القمع الإجتماعي والمعنوي المتبادل بين الأفراد والفئات المتنافسة. أي يصبح الرياء الديني سلاحا بيد المظلومين كما بيد الظالمين، يقارعون به بعضهم، فرديا وفئويا دفاعا عن مصالحهم الذاتية. لذلك فإن عقل الثورات العربية الأخيرة كان أميل إلى المشي على الماء من التغيير الثوري، وفضل تجاهل السبب الجوهري للتناقض الاجتماعي، لتستغله الثورة المضادة في إفراغ حركاته الثورية من أي مضمون تحرري، كما حدث في مصر حينما منحت الوصاية الدستورية للدين على الحركة الاجتماعية. أي حينما جعلت الثعلب حارسا دستوريا للدجاج، والإخوان حراساً للتحرر.

هذا العبث السوريالي المثير للعقل، لم يـأت للمحافظة على الزنا الشرعي من خلال تعدد الزوجات فقط، بل لتأكيد زواج الدين من الدولة، وطمأنة الإخوان على مشروعهم السياسي، من جانب حلفائهم الليبراليين الذين سيحكمون مصر بعد الثورة. أي أن حماة الثورة من العسكر، استطاعوا، بالنيابة عن أمريكا، منع أهم ما كان منطقيا يجب أن يحدث ثوريا وهو فصل الدين عن الدولة، فحتى عهر الديموقراطية الأمريكية لا يستطيع أن يدعم علنا، دولة دينية مع مندوب سامي ديموقراطي.

لا يوجد شر في العالم يتناقض مع الديموقراطية الأمريكية، بل على العكس، هي أعنف وأرقى آليات الجريمة الدولية والإستبداد الإمبريالي. ولكن الإعتراف بذلك علنا أمر غير وارد، سوف يقلل من جدواها كإيديولوجية للغزو وثقافة للعولمة في آن واحد. فإذا لم تكن الثورة الشعبية لا تعي أن أعداءها الطبيعيين والفعليين والمنطقيين والواقعيين والحتميين هم أمريكا الإمبريالية، وحلفائها التلقائيين من عجول الدين المسمنة على مذاود الدجل الدين سياسي، الذين هم أعداء كل حرية في الوجود الإجتماعي للبشر، فمن هم أعداؤها إذن؟

معاذ الله أن يكون هذا انتقاصا لوعي النخب الثورية الشبابية في مصر. ولكنه انتقاص للثقافة الهجرية القاتلة التي تقطع الطريق على أية ثورة تحررية بمقاييس التحرر المرحلي، وتطالب الشعب بحل إشكالات وجودية مزمنة، ودفع الحساب عن التلف الأجتماعي والوعيوي المتراكم خلال العصر الهجري المختطف. إن الواقع الهجري يتطلب ثورة غير عادية، تبدأ على مستوي تحرير الذات الشعبية من ثقافتها الاستسلامية للوعي الدين ــ سياسي. وما لم يتم ذلك بتحييد الطبقة الدينية سياسيا بفصل الدين عن الدولة، فسوف تظل الثقافة الجماهيرية ملكا سياسيا لهم، يدعمون بها كل أشكال الإستبداد الاجتماعي، ويسوقون بها مشروعهم اللاجتماعي الطفيلي واللاأخلاقي والعبثي الذي يجعل منهم سياسيا، حلفاء طبيعيين للظلم الإجتماعي والتراتب الطبقي والإمبريالية العالمية، بوصفهم طبقة طفيلية وانتهازية توظف الدين كمشروع اقتصادي واجتماعي خاص بها. وحتى أولئك المسلمين من غير المنحازين سياسيا إلى الدين، فإنهم على كثرتهم الغالبة، يظلون محتجزين داخل ثقافة تعطيل الوعي، التي لا تدرك أن اجتماع أمريكا والغرب والحرية بالنسبة لهم هي مستحيل منطقي. وربما كان على الثورة أن تطرح لهؤلاء منذ اللحظة الأولى، مشروعا سياسيا بديلا يرفع شعارات العداء المباشر لأمريكا، بوصفها دولة معادية سياسيا واجتماعيا. ومع أن وكر الجزيرة كان انتقائيا في إعلامه المقروء والمصور، إلا أنه كان هناك غياب واضح للشعار المعادي لأمريكا، وللشعار القومي الذي على ضعفه أمام التيار الدين ـــ سياسي، كان يمكن أن يستقطب بعضا ممن لم يجدوا بديلا واضحا للثورة عن مجرد رحيل مبارك، العدو السياسي للإخوان. ولقد سهل هذا على الإخوان طرح أنفسهم كبديل ثوري، عن الأنظمة العربية القائمة. وها هم، كما خططت لهم أمريكا، يغزون ليبيا بالنيابة كطليعة للثورة المضادة، ويتحالفون مع ثورة الليبراليين والعسكر في مصر، ويقفزون إلى أحضان الثورة الليبرالية في اليمن. ويعيثون فسادا في البحرين كرأس حربة طائفي في التصدي للثورة الشعبية.

لو رفع الثوار في مصر منذ البداية شعار فصل الدين عن الدولة، فمن المشكوك فيه أن يطرح دستور العسكر وطارق البشري للإستفتاء. ولو طرح رغم ذلك، فإنه لن يحظى بهذا التأييد الذي حسم مصير الثورة المصرية، حتى قيام ثورة جديدة. إن ما أحدثته الثورة المصرية كان فتح باب الوعي على مصراعيه، ليصبح ساحة للصراع الممتد مع ثقافة الوعي الدين ـــ سياسي، وإخراج الشعب المصري من ورطته الوعيوية المزمنة، والصراع ضد أي تطبيع سياسي مع أمريكا والغرب في إطار أية علاقة خاصة. إن هذين العدوين الطبيعيين للتحرر، يجمع بينهما العداء للتحرر القومي للشعوب العربية بشكل خاص، لأنه السم الإجتماعي للتبعية، وترياق التنمية النهضوية على أسس ذاتية، لها نتائجها التصفوية لهيمنتهم. هذه الأشياء هي الأركان الموضوعية لأية ثورة عربية شعبية على أي مدى محتمل. وإهمال أي ركن من هذه الأركان الثلاثة، سيعيد تكرار ذات النتائج.

باختصار، ما يزال باب الثورة في مصر وتونس مفتوحا على مصراعيه، خاصة بعد افتضاح الأدوار والأطراف والأساليب داخل الثورة المضادة. ومن المستحيل العملي أن تنجح أمريكا والغرب الآن، في حال تجدد الثورة، في تنفيذ أي مخطط مضاد، إذا تحقق الإلتزام الشعبي الميداني، بالأركان الموضوعية للتحرر:

إفشال مشروع ألغرب والإخوان والصهيونية = مشروع تحرر قومي عربي

عن نشرة كنعان الألكترونية

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

بالمنطق لا بالرغبات …القدس والجولان في صراع الأديان وخطط ضرب المسيحية بعد الاسلام

بقلم/سامي كليب لعل مزحة النجم السوري دريد لحّام بإهداء ولاية كاليفورنيا الأميركية الى المكسيك ردّا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *