الرئيسية / القانون الدولي وحقوق الإنسان / قراءة في تقرير “بالمر” من منظور القانون الدولي والإنساني

قراءة في تقرير “بالمر” من منظور القانون الدولي والإنساني

اقتياد سفينة مرمرة التركية لميناء أسدود 31 مايو 2010

قراءة في تقرير “بالمر” من منظور القانون الدولي والإنساني

معتصم عوض

هاجمت القوات البحرية الإسرائيلية بتاريخ 31/05/2010 قافلة الحرية المكونة من ست سفن تركية كانت متجهه إلى قطاع غزة محملة بمواد غذائية وطبية لأهالي القطاع المحاصر. وسقط خلال هذا الاعتداء تسعة شهداء ( ثمانية أتراك ومواطن أمريكي) و24 جريحاً معظمهم من الأتراك، ما أدى إلى حدوث موجه غضب رسمية وشعبية في تركيا تجاه ما اقترفته قوات الاحتلال الإسرائيلي، ونتيجة لذلك توترت العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية، حيث طالبت الحكومة التركية من الحكومة الإسرائيلية الاعتذار وتعويض الضحايا وفك الحصار عن قطاع غزة المحتل، فيما تصر الحكومة الإسرائيلية على عدم الاعتذار والاكتفاء بالأسف نتيجة مقتل هذا العدد من الضحايا، فقابلت الحكومة التركية هذا العناد الإسرائيلي بقطع العلاقات العسكرية والتجارية مع إسرائيل في السابع من أيلول من العام 2011.

وفي الثاني من شهر آب من العام الماضي شكل الأمين العام للأمم المتحدة لجنة تحقيق في الحادث، وأوكلت إليها مهام تلقي التقارير المرحلية والنهائية للتحقيقات الوطنية في الحادث التي أجراها الطرفان التركي والإسرائيلي ومراجعتها، وطلب التوضيحات والمعلومات اللازمة من السلطات المعنية ذات الصلة، ودراسة وتحديد الوقائع والظروف وسياق وقوع الحادث، ودراسة واقتراح سبل تفادي وقوع حوادث مماثلة في المستقبل.

وبعد عام تقريباً سلمت اللجنة المكلفة تقريرها للأمين العام للأمم المتحدة، وعرف بتقرير “بالمر” الذي يتكون من ستة فصول شملت 105 صفحات تحتوي بالإضافة إلى الملخص التنفيذي والمقدمة تلخيصاً لتقرير لجنتي التحقيق التركية والإسرائيلية، وعرضاً لما توصلت إليه لجنة التحقيق الدولية. ويعد الجزء الخامس من التقرير، حسب اعتقادي، أهم جزء في التقرير، وقد جاء تحت عنوان: “الوقائع والظروف وسياق الحادث”، وعرض مواضيع عدة هي:

1. مدى قانونية الحصار البحري الإسرائيلي على قطاع غزة من منظور القانوني الدولي،

2. نشاطات وأعمال القافلة ومنظميها، والجهود الدبلوماسية قبل إبحار القافلة متجه إلى قطاع

غزة،

3. عملية الإنزال الإسرائيلية والاستيلاء على القافلة،

4. استخدام القوة على متن سفينة مرمرة،

5. معاملة ركاب القافلة بعد الاستيلاء عليها.

وسيتم التركيز في هذه المقالة على الموضوعين الأول والرابع لما فيهما من مغالطات قانونية من منظور القانون الدولي الإنساني، وعدم الموضوعية في الطرح، والانحياز الكامل للرواية الإسرائيلية بشأن الحصار المفروض على قطاع غزة والهجوم على أسطول الحرية.

المغالطات القانونية في تقرير بالمر:

1. أكد التقرير على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها نتيجة ما تتعرض إليه من عدوان حسب زعمه من قبل المقاومة الفلسطينية. ويستند التقرير إلى المادة رقم 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تبيح للدول الدفاع عن نفسها تجاه أي عدوان خارجي. وهنا يوجد مغالطة قانونية فمن ناحية لا يمكن اعتبار العدوان عدوانا إلا إذا كان من فعل دولة. وعليه لا يمكن اعتبار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة من قبيل الدفاع عن النفس لأن الاحتلال نفسه هو استمرار لحالة العدوان، ولأن المحاصرين هم سكان مدنيون وحركات تحرر وطني تناضل من أجل إنهاء الاحتلال، وليس جيوش دول تقاتل إسرائيل في حرب معلنة، وقد أقر ميثاق الأمم المتحدة حق الشعوب في الدفاع عن النفس ومقاومة الاحتلال والاستعمار الأجنبي. ولكون قطاع غزة أرض محتله حسب القانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة المختلفة فلا بد من تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 لتحكم سلوك القوة المحتلة في الإقليم الخاضع لسلطتها. لقد كان لزاماً على تقرير بالمر الإشارة إلى قراري الأمم المتحدة 242 و338 اللذان دعيا إسرائيل إلى إنهاء احتلالها للأراضي التي احتلتها عام 1967 بدلاً من شرعنه عدوانها المستمر منذ عدة عقود.

2. أكد التقرير على قانونية الحصار البحري المفروض على قطاع غزة استناداً إلى القانون الدولي الإنساني الذي يجيز ذلك. صحيح أن القانون الدولي الإنساني يجيز الحصار البحري أو البري في حالات النزاعات المسلحة لكنه وضع شروطاً لذلك، ومن أهمها اقتصار الحصار على منع دخول الأسلحة والمواد القتالية، ولم يسمح القانون الدولي الإنساني الحصار الشامل على السكان المدنيين ومنع دخول المواد الأساسية اللازمة للبقاء، كما تفعل إسرائيل، بل واعتبر مثل هذه الممارسات مخالفة قانونية لاعتبارها عقوبة جماعية حرمتها المادة رقم 33 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وقد أكدت تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وبيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على عدم مشروعية الحصار المفروض على القطاع واعتبرته عقوبة جماعية مخالفة لقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني.

من ناحية أخرى يخالف الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة مبدأ التناسبية في استخدام القوة أثناء النزاعات المسلحة، حيث لا يمكن مقارنة الخسائر والمعاناة البشرية الكبيرة في صفوف المدنيين وممتلكاتهم الناتجة عن الحصار على قطاع غزة بما تحققه إسرائيل من ميزة عسكرية نتيجة الحصار، والدليل أنه أثناء الحصار استمر دخول السلاح إلى فصائل المقاومة في القطاع وزادت من قدرتها الدفاعية والهجومية. كذلك يوجد العديد من الأدلة على أن الحصار الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي على القطاع هو حصار انتقامي وليس أمني كما تدعي إسرائيل، فقد صرح العديد من السياسيين والمسؤولين الإسرائيليين أن هدف الحصار هو القضاء على حكم حماس في القطاع، وهذا هدف سياسي وليس أمني أو عسكري تقتضيه الضرورات العسكرية الملحة لفرض حصار شامل على القطاع وسكانه المدنيين.

3. لم يتطرق التقرير إلى الوضع القانوني لقطاع غزة بوصفه أراض محتله تنطبق عليه قانوناً أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني المتمثلة في لائحة لاهاي الرابعة لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية المدنين وقت الحرب، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، كما فعلت التقارير السابقة مثل تقرير غولدستون أو فتوى محكمة العدل الدولية بشأن جدار الضم والتوسع. بل صور التقرير النزاع على أنه بين كيانين متكافئين، عندما أكد في فقرته رقم 73 على أن غزة وإسرائيل كيانين جغرافيين وسياسيين مستقلين، وليس بين قوة محتله وشعب محتل يناضل من اجل تحرير أرضه وتقرير مصيره. وعلى العكس من ذلك شكك “تقرير بالمر” في وضعية قطاع غزة القانونية في الصفحة 40 الفقرة 72 من التقرير، بل وزاد الطينة بله قيام التقرير بوضع النزاع الإسرائيلي –الفلسطيني كنزاع ذي طابع دولي موضع الشك في الصفحة 41 الفقرة 73.

إن موقف القانون الدولي من قطاع غزة ما زال ثابتاً، وهو أن القطاع جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، والذي لا يزال محتلاً حتى بعد الانسحاب أحادى الجانب من قبل إسرائيل في العام 2005. ويعتبر خروج الجيش الإسرائيلي من داخل قطاع غزة إعادة انتشار للجيش وليس إنهاءً لاحتلاله كما تروج له إسرائيل للتنصل من مسؤوليتها تجاه الإقليم المحتل. فإسرائيل كدولة احتلال ما تزال تسيطر على أجوائه ومياهه الإقليمية ومنافذه البرية باستثناء معبر رفح على الحدود المصرية. من ناحية أخرى لا يوجد أدنى شك لدى خبراء القانون الدولي أن النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي هو نزاع ذو طابع دولي وليس نزاع داخلياً، حيث وضع البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 في مادته الأولى الفقرة رقم 4 المنازعات المسلحة التي تناضل بها الشعوب ضد التسلط الاستعماري، والاحتلال الأجنبي، وذلك في ممارستها لقحها في تقرير المصير، ضمن المنازعات المسلحة ذات الطابع الدولي. وعليه لا داعي لتقرير بالمر التشكيك أو حتى فتح باب الجدل في هذه المسألة.

4. صور التقرير الركاب على متن أسطول الحرية بالمتهورين لمحاولتهم كسر الحصار المفروض على القطاع، وشكك في مقصدهم في الصفحة 48 الفقرة 95. إن جميع من كان على متن سفن أسطول الحرية هم من المدنيين العزّل، ولم يكن بحوزتهم سوى المواد الطبية والغذائية والإنسانية للتخفيف من معاناة السكان المدنيين المحاصرين في قطاع غزة، وعليه لا يجوز بأي شكل من الأشكال تعريض أي مدني للخطر، وهذا ما أكدت عليه إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. من ناحية أخرى وقع الحادث في المياه الدولية، حيث السيادة للعلم الذي ترفعه السفينة، ولا يجوز الاعتداء عليها من قبل أي طرف آخر، وهذه قاعدة عرفية أكدتها محكمة العدل الدولية في قضية اللوتس عام 1929، والمادة 11 من اتفاقية جنيف للملاحة في أعالي البحار لعام 1958. ولو افترضنا جدلاً أن الحادث وقع في المياه الإقليمية فالسيادة عليها ليست لإسرائيل كونها جزءاً من المناطق المحتلة الفلسطينية، وبالتالي لا سيادة لإسرائيل على أي شبر منها.

5. لم يشر التقرير إلى المسؤولية المدنية والجنائية لإسرائيل على الحادث، واكتفى بالقول أنه لا يوجد مبرر كاف من قبل الطرف الإسرائيلي لمقتل تسعة أشخاص وجرح عشرات آخرين، وانه قد يكون هناك إستخدام مفرط للقوة من قبل القوات الإسرائيلية في تعاملها مع الركاب على متن سفينة مرمرة. إن في هذا التبرير مغالطة قانونية، ففي البداية لا يمكن إعتبار الإعتداء على أنه إستخدام مفرط للقوة، لعدة أسباب اهمها: أن الإعتداء في الأصل ما كان يجب أن يحدث لوقوعه في المياه الدولية، وأن الركاب مدنيون وبالتالي محميّون ولا يجوز الإعتداء عليهم أو تعريضهم لأي هجوم، كذلك لا يمكن أن يستخدم مصطلح استخدام مفرط للقوة إلا إذا كان هناك حالة نزاع مسلح، وهنا الطرفان الإسرائيلي والتركي لم يكونا في حالة حرب، أو مواجهه عسكرية حتى يتم استخدام هذا المصطلح. إن الاعتداء الإسرائيلي على سفينة مرمره هو جريمة، وعليه تتحمل إسرائيل مسؤولية مدنية وجنائية عن ما اقترفته قواتها المسلحة.

انحياز التقرير للرواية الإسرائيلية:

1. ذكر تقرير بالمر أن أكثر من 5000 صاروخ قد تم إطلاقه من قطاع غزة باتجاه الأراضي الإسرائيلية خلال الأعوام 2005 و2009، وان 25 إسرائيلياً قد قتلوا وأصيب المئات بجروح وحالات هلع نتيجة لذلك، وعليه تستنتج لجنة التحقيق أن الحصار البحري الإسرائيلي مبرر وقانوني من منطلق حق إسرائيل في الدفاع عن النفس. في المقابل لم يذكر التقرير النتائج الكارثية للحصار الإسرائيلي على السكان المدنيين في قطاع غزة، والتي راح ضحيتها المئات من الأطفال والنساء والشيوخ والجرحى لعدم تمكنهم من الخروج من القطاع لتلقي العلاج، ناهيك عن تعطل عملية التنمية الشاملة بسبب منع المواد الخام من الدخول وتردي الوضع الصحي والتعليمي والبيئي في القطاع. كذلك لم يذكر التقرير ولا كلمة واحدة عن العملية العسكرية الإسرائيلية في أواخر العام 2008، والتي هزّت العالم لبشاعتها وفظاعتها، وما زال سكان القطاع يعانون من نتائجها حتى اللحظة، وهذا دليل على عدم موضوعية اللجنة وانحيازها بالكامل للرواية الإسرائيلية.

2. أسهب التقرير في الحديث عن الأخطار الأمنية التي تهدد إسرائيل، وبالتالي تبرير الاعتداء الإسرائيلي، ولم يتطرق إلى الأخطار الصحية والإنسانية والبيئية والاجتماعية الآنية والمستقبلية التي يعاني وسيعاني منها السكان المدنيون في قطاع غزة. ولم يتطرق التقرير إلى منع سلطات الاحتلال دخول الكثير من المواد الأساسية، ومعظم المواد الخام اللازمة لعملية التطوير. ولم يذكر التقرير عدد المستشفيات والعيادات والمدارس اللازم تأهيلها وبنائها في القطاع لمواكبة حجم الزيادة في عدد السكان، ولم يطرق إلى وضع المياه والمياه العادمة والمخلفات الصلبة في القطاع والتي بدأت تنذر بكارثة صحية وبيئية فيه. فعلى ما يبدو أن بالمر لا يقرأ تقارير مؤسسات الأمم المتحدة العاملة في قطاع غزة.

3. لم يتطرق التقرير إلى مسألة الحق في المساعدة الإنسانية، بل مال إلى تعظيم حق سيادة الدولة على أي حساب إنساني أو أخلاقي آخر. ويعتبر الحق في المساعدة الإنسانية من الجيل الثالث لحقوق الإنسان، كالحق في التنمية والحق في العيش بسلام والحق في الانتفاع من التراث المشترك الإنساني. وينطلق أصحاب الحق في المساعدة الإنسانية من مبدأ أن حق الإنسان يسمو فوق مبدأ سيادة الدولة. ويميل أصحاب هذا المبدأ إلى اعتبار أن الحق في المساعدة الإنسانية هو جزء لا يتجزأ من الحق في التضامن الدولي الذي تقتضيه الفطرة البشرية، وقد ورد هذا المبدأ في إعلان هلسينكي عام 1992، وإعلان طهران 1968، وفي قرار الجمعية العامة رقم 2037 عام 1965 والذي أكد على ضرورة تربية الشباب بروح من التضامن الدولي.

ويستند أصحاب الحق في المساعدة الإنسانية إلى العديد من القواعد والأحكام القانونية التي تعزز هذا الحق. فالمادة الأولى فقرة 3 من ميثاق الأمم المتحدة دعت إلى تحقيق التعاون الدولي في المسائل ذات الصبغة الإنسانية، كما أكدت على أهمية وضرورة تعزيز احترام حقوق الإنسان. كذلك أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان بطريقة غبر مباشرة إلى الحق في المساعدة الإنسانية عندما تحدثوا عن الحق في الحياة والحق في الغذاء والتمتع بمستوى معيشي لائق والحق في المأوى…الخ، ويرى أنصار الحق في المساعدة الإنسانية أن أنه امتداد طبيعي للحق في الحياة. كذلك أكد قرار الجمعية العامة رقم 43/131، على حرية الوصول إلى الضحايا وأن على الدولة تقديم المساعدة للمنظمات الدولية وغير الدولية في تنفيذ تقديم المساعدة الإنسانية. كما قضى القرار بأن ترك الضحايا بلا مساعدة إنسانية هو خطر على الحياة الإنسانية، وإهانة للكرامة الإنسانية. كما أكدت اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية على ضرورة السماح للمنظمات الإنسانية في الوصول إلى ضحايا النزاعات المسلحة وتقديم الخدمات اللازمة لهم.

لم يهدف المتضامنون على متن أسطول الحرية سوى التضامن مع إخوانهم البشر في قطاع غزة، كجزء من فطرتهم الإنسانية، وإيمانهم بالحق في التضامن الدولي والمساعدة الإنسانية لتخفيف المعاناة الإنسانية عن 1.5 مليون محاصر في قطاع غزة وحفظ الكرامة الإنسانية لهم، وما كان جزاؤهم إلا الاعتداء عليهم وانتهاك كرامتهم خلال عملية الاقتحام، وأثناء الاحتجاز في إسرائيل.

لقد انتظر ملايين الأتراك والعرب والفلسطينيين تقرير بالمر لكي ينصف الضحايا على متن سفينة مرمره ومليون ونصف محاصر في القطاع، فما كان منه إلا أن أنصف الجلاد وأدان الضحية.

عن gazett_admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *