الرئيسية / أبحاث وثائق ومؤتمرات / كتاب لإبراهيم علوش: بطلان معاهدة وادى عربة أساس التغيير فى الأردن

كتاب لإبراهيم علوش: بطلان معاهدة وادى عربة أساس التغيير فى الأردن

بطلان معاهدة وادى عربة أساس التغيير فى الأردن

حقوق النشر محفوظة

اسم الكتاب : بطلان معاهدة وادى عربة أساس التغيير فى الأردن

إعداد وتأليف : د. إبراهيم علوش

الطبعة : الأولى

سنة النشر : 2012 م – 1433هـ

الناشر: مركز يافا للدراسات والابحاث

أولاً: ثورة ياسمين “ديموقراطية” أم انتفاضة شعبية؟

لقد فاجأتنا الانتفاضة الشعبية في تونس أجمل مفاجأة، لعل أجمل ما فيها أنها أعادت الحراك الشعبي العربي إلى مركز الفعل في صنع الأحداث، بعدما راح كثيرون ينعون الشارع العربي والجماهير العربية التي اتهموها بأنها نائمة، بينما كانت النخب والقوى السياسية هي النائمة.

لكن الخطر على الانتفاضة الشعبية التونسية، والمصرية بعدها، أتى من محاولة إعادة طلائها بلون الثورات الملونة في اوروبا الشرقية، البرتقالية والأرجوانية وأخواتها، كثورة الزنبق في قيرغيزيا، التي تتبنى “الإصلاح السياسي” على النمط الأمريكي، أي تأسيس “ديموقراطية” تابعة للخارج ومرتبطة بمراكز العولمة، يختار فيها الناخب بين مرشحين (من جيبي الأيمن إلى جيبي الأيسر) يصبون كلهم في نفس المشروع في النهاية.

كلنا يحب الياسمين، وعلى الأرجح قصد خيراً ذلك المدون التونسي الذي أطلق تعبير “ثورة الياسمين” على الانتفاضة الشعبية في مدونته على الإنترنت… لكن ذلك المصطلح قدح فكرة جهنمية في ذهن صناع الرأي العام العالميين على ما يبدو، إذ تذكروا زنبق قيرغيزستان، فراحت بعض أهم وكالات الأنباء العالمية تتناقل مقالته المدفونة في مدونة غير معروفة لتعممها على أوسع نطاق، لتُنشر بعد ذلك في مواقع بارزة في الصحف العربية، وما هي إلا محاولة لإعادة تأويل الهبة الشعبية التونسية أمريكياً وتقديمها إعلامياً وتوجيهها سياسياً بعيداً عن سياقها الثوري نحو مسارات تقضي عليها في المهد.

فهنالك فرق كبير جداً بين “ثورة ملونة”، في تونس أو مصر، تستبدل حكم الفرد بحكم طبقة لا تقل تبعيةً عن ذلك الفرد لقوى الهيمنة الخارجية، وبين انتفاضة شعبية تعصف بالفرد والطبقة الذين تقوم التبعية للخارج على أكتافهما.

وهنالك بون شاسع بين “ديموقراطية” الكمبرادور، أي تأسيس قواعد مستقرة ومتعارف عليها لتداول السلطة سلمياً بين أفراد الشريحة الاجتماعية الوسيطة بيننا وبين قوى الهيمنة الخارجية، وبين حكم الشعب لنفسه بنفسه، من خلال لجان الأحياء والمناطق التي ابتدعها الشعب التونسي مثلاً، وهي من أرقى أشكال الديموقراطية… بعيداً عن شريحة الوسطاء والمتعهدين الاقتصاديين والسياسيين والثقافيين للهيمنة الأجنبية المباشرة أو غير المباشرة، وهي الشريحة المقصودة في الاقتصاد السياسي بتعبير “الكمبرادور”.

وهنالك فرق كبير بين احتفاليات وطقوس تداول السلطة، دون المساس بالخيارات الأساسية للدولة، وبين تغيير التوجهات الأساسية للدولة لمصلحة أوسع فئات الشعب. باختصار، هنالك فرق رهيب بين نظام الديموقراطية الأمريكية في الدول التابعة وشبه المستعمرة، الذي لا يمس بنية التبعية للخارج، ولا يمس مصالح وامتيازات الشريحة الاجتماعية المهيمنة، وبين تحرر الوطن والمواطن من التبعية للخارج ومن العبودية لأدوات الخارج.

وهذا الفرق لا يكمن أبداً بتغيير الوجوه، لا في تونس أو مصر، ولا في الأردن، ولا في أي مكان في الوطن العربي أو العالم الثالث! بل يكمن في الإجابة على السؤال التالي: من يملك زمام الثروة والسلطة؟ الكمبرادور، أم أوسع فئات الشعب من العاملين والعاطلين عن العمل؟ وإذا نسينا هذا الفرق، فإننا قد نحصل على “ديموقراطية” المتعهدين الأمنيين في السلطة الفلسطينية مثلاً، أو على أي ديموقراطية في ظل احتلال أو شبه احتلال، ولا يمكن أن تنتج الديموقراطية الأمريكية كقاعدة عامةً إلا مثل تلك النتيجة لأن قوانين لعبتها فصلت لهذا الغرض.

لا بل أن حكم الفرد، بما يحويه عادة من فساد وبيروقراطية ومزاجية واعتباط قانوني، يصبح عائقاً أمام التبادل الحر للتجارة وتدفق الاستثمار على هوى الشركات متعدية الحدود، أي أنه بالتعبير الاقتصادي يرفع “كلفة المقايضات”، ومن هنا تصبح الديموقراطية والشفافية وحكم القانون مطلباً لقوى الهيمنة الخارجية نفسها، وللكمبرادور الذي يجد نفسه مضطراً لدفع الأتاوات أو الخضوع للقرارات الاعتباطية للفرد وحاشيته.

وعندما يقدم أفراد من عائلة الطرابلسي على مصادرة يخت فاخر لمليونير فرنسي، فإن ذلك لا يرضى حتى الكمبرادور ولا فرنسا ولا بقية قوى الهيمنة الخارجية ولا الشركات العالمية الكبرى، وعندما يطغى مبارك وحاشيته على الشركات متعدية الحدود متقاضين منها الأتاوات، فإن ذلك يجعلهم مشكلة للعولمة نفسها. وعندما يفرض الفرد نفسه على كل الاستثمارات الكبيرة في دولته، فإنه يصبح مشكلة دولية توازي مشكلة “بلطجي الحارة” في الأفلام المصرية، ويصبح مفهوماً ركوب الجميع صهوة الاحتجاج الشعبي المشروع لتحويله باتجاه ثورة ملونة تنتج ديموقراطية التبعية، ويمكن رؤية البرادعي وعمرو موسى وغيرهم في مصر كبديل كمبرادوري “ديموقراطي” لنظام حكم الفرد المتعسف والبيروقراطي والفاسد وثقيل اليد.

لقد كان التفاعل مع شرارة تونس شأناً عربياً عاماً، لا شأناً محلياً فحسب، لأن أنظمة التجزئة جزء من بنية واحدة وسلسلة واحدة، وتونس – ومصر – ليست معلقة في فراغ، بل هي جزء من وعاء إقليمي وجغرافيا سياسية متشابكة، وعروبة واحدة… كما أن النهج الاقتصادي لا يمكن فصله عن النهج السياسي لأنه يعبر عن مصالح نفس الشريحة الاجتماعية، وفاسدو السلطة الفلسطينية مثلاً، كما أظهرت تسريبات موقع ويكيليكس، هم أنفسهم المفرطون والمطبعون. ومن يبع الوطن سياسياً، يسرقه اقتصادياً.

لكننا نقول أن لا مشروع تغيير حقيقي في قطر عربي واحد، فإما أن تمتد ثورته عبر حدود التجزئة، وإما أن تختنق. لهذا، فإن التفاعل مع انتفاضة تونس ومصر في الأردن أو غيره لا يجوز مسخه أيضاً باتجاه إنتاج “إصلاح سياسي” على المقاس الأمريكي سواء بالتغيير السطحي للوجوه، أو من خلال مشروع “الملكية الدستورية” لتعزيز حكم الكمبرادور المحلي. فإما المطالبة بتغيير جذري للنهج وخيارات الدولة، بالحد الأدنى، وإما المطالبة بإسقاط حكم الكمبرادور… والمطالبة بإسقاط حكم الكمبرادور تعني إسقاط النهج والبنية، لا استبدال الحكم الفردي بغلاف إسلامي-ليبرالي، كما يجري الآن، يقوم على “تداول السلطة” و”احترام الالتزامات الدولية” وإعطاء المشروعية للمعاهدات مع العدو الصهيوني وللتبعية للخارج.

فثمة ألم في مشهد استئناف ضخ الغاز المصري – بعد الثورة – للكيان الصهيوني، وثمة خلل في حراكٍ سياسيٍ يقوم في هذا الجزء من العالم، بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي، لا يشخص عدوه الرئيسي باعتباره الطرف الأمريكي-الصهيوني ومن يتحالف معه. وثمة مشكلة في برنامج سياسي لا ينطلق من أن التناقض الرئيسي في وطننا العربي هو بين الإمبريالية والشرائح الاجتماعية والقوى السياسية والنخب الثقافية المرتبطة به من جهة، وبين أوسع جماهير الشعب العربي من جهة أخرى. وعندما يغيب مثل هذا التشخيص عن حراك وخطاب ومسار العمل السياسي، فإنه يصبح مفتوحاً لكافة احتمالات الانحراف والاختراق والاحتواء بأثر رجعي، حتى لو بدأنا من فرضية النقاء السياسي المقترن بنقص الوعي وقلة التنظيم.

وخلال الشهور التي مرت على ما يسمى “الربيع العربي” لاحظنا أن المطالب الرئيسية للحراك السياسي في الشارع في دول عربية مختلفة تركزت إما على فئة الإصلاح الدستوري والديموقراطي، أو على فئة القضايا الاقتصادية والمطلبية، وأن ملف العلاقة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني اتخذ موقعاً خلفياً عندما تم التطرق إليه أصلاً، وأن الإمبريالية ممثلة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باتت تتبنى علناً مثل هذا التوجه في “الربيع العربي” وتدعمه، ولن نتطرق للحالات التي ظهر فيها التحالف علنياً ومكشوفاً مع حلف الناتو والإمبريالية الأمريكية أو الأوروبية، أي أننا في هذا الكراس تجنبنا التركيز على سوريا وليبيا من أجل التركيز على المقارنة مع حالتي تونس ومصر لاقتراب الحال في الأردن منهما، أكثر منها في سوريا وليبيا، على صعيد الظروف الداخلية والسياسة الخارجية للدولة.

ولو أخذنا مصر نموذجاً، لوجدنا أن معاهدة كامب ديفيد لم تنل حظها من الاهتمام من قبل قيادات التحرك الشعبي والشبابي، وكان من المستغرب خلال الأسابيع التي فقدت فيها الأجهزة الأمنية السيطرة على الشارع، وألقى الشعب بملايينه المظفرة في الميدان، أن لا يتم العمل على اقتلاع السفارة الصهيونية في القاهرة اقتلاعاً، وأن لا يتم تسيير التظاهرات المليونية باتجاهها على الأقل..! وعندما تم ذلك بعد أشهر، فقد أتى خارج السياق العام للحراك، وبالرغم من المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين.

وفي مصر، بقي وزير الدفاع الذي عينه الرئيس “المتنحي” هو من يحكم البلاد فعلياً، حتى تكرست الصفقة الأمريكية-الإخوانية بالحفاظ على بنية نظام مبارك دون مبارك! وكان المرشحون الأكثر ترجيحاً لخلافة مبارك كلهم من نفس الطينة، وجزءاً من نفس الشريحة التي رسخت تبعية مصر للإمبريالية الأمريكية! وقيادات الجيش كانت على علاقة وطيدة بالجيش الأمريكي، على مدى عقود، وقد أكدت قيادات الجيش على التزامها بمعاهدة كامب ديفيد المشؤومة، ولا يزال الغاز المصري يضخ للكيان الصهيوني، ولا تزال السفارة الصهيونية قائمة في القاهرة، ولا تزال السفن الحربية الصهيونية التي تطارد شحنات الأسلحة إلى حماس تمخر عباب قناة السويس، أما علاقة النظام المصري بعد الثورة مع المؤسسات الاقتصادية الدولية فهي أكثر حميمية، خاصة بعد تقديم المزيد من القروض… مما بات يتداوله الحريصون على الثورة الشعبية في مصر… وهو صحيح للأسف… ويثير الهواجس بالفعل. ولا تختلف حال تونس فيه كثيراً عن مصر. والمرشحون للحلول في الحكم بعد “الفترة الانتقالية” لا يقدمون برامجاً ولا رؤى تقوم على تغيير مثل ذلك النهج، لا في تونس ولا في مصر، ونخشى أن لا تختلف الحال في أي بلد عربي تقوم فيه ثورة لا تتحلى بقيادة ثورية تمتلك برنامجاً ثورياً بكل معنى الكلمة تتبناه الجماهير.

ما يصح على مصر ينطبق طبعاً على الحراك السياسي في تونس، وعلى بقية الدول العربية التي قام فيها حراك مثل الأردن واليمن والبحرين وغيره. فلو قامت مثل هذه التظاهرات في الخمسينات والستينات، لتوجه بعضها على الأقل نحو السفارات الغربية التي تدعم دولها أنظمة التجزئة والحكام الذين يثور الشعب عن وجه حق ضدهم، وهو ما لم يحدث إلا نادراً، وقلما سمعنا هتافاً للوحدة، مع أن الثورة هي في الواقع ضد أنظمة التجزئة، ومع أن الفشل والفساد والاستبداد هو لأنظمة التجزئة القطرية، ومع أن تفاعل الشعب العربي مع ما جرى في تونس ومصر وقف شاهداً على وحدة الوجدان العربي، ولو أن ذلك لم يرتقِ لطرح شعار أو برنامج وحدوي أو مناهض علناً لارتباط الحكام والأنظمة بالطرف الأمريكي-الصهيوني وقوى الهيمنة الخارجية.

ولمن يحب التصيد بين ثنايا الكلمات نقول أن هذه الثغرة لا تعني أن الشعب العربي نسي التناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني وأذنابه، لا بل أن الحراك الشعبي في العراق اتخذ لوناً مناهضاً للاحتلال بالتعريف لأن حراكه في الجنوب والوسط والشمال جاء ضد قوى ترتبط مباشرة بالاحتلال وتستمد قوتها منه، كما أن الشعب العربي لا يمتلك رفاهية تغييب هوية عدوه الرئيسي الذي يحتله بشكل مباشر أو غير مباشر. ونذكر أن احتلال العراق والعدوان على غزة وقبله على جنوب لبنان ومجمل السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، وغير ذلك كثير، خلق عداء شعبياً عربياً مستحكماً للطرف الأمريكي-الصهيوني دفع الولايات المتحدة، كما هو معروف، لوضع خطط متشعبة للتصدي لسؤال: “لماذا يكرهوننا؟!”.

أليس من الطبيعي إذن، بعد كل هذا، أن يُطرح المطلب الجزئي والمحدود الدستوري أو الاقتصادي في سياقه الوطني والقومي؟! فإذا لم يطرح هذا المطلب الديموقراطي والاقتصادي ضمن سياق التناقض مع الإمبريالية والصهيونية، يصبح من السهل تحويل الحراك الشعبي نحو مسارات آمنة، قابلة للاستيعاب، إن لم نقل قابلة للإجهاض، لا تهدد منظومة التبعية للإمبريالية.

***

ثانياً: الحراك الشعبي العربي، إلى أين؟

الناس يعرفون بوصلتهم جيداً عن ظهر قلب، لكن النقد هنا على مسار الحراك ومآله، حرصاً على إيصاله إلى نتيجة مفيدة، لكي لا يشعر من بذلوا التضحيات بعد أشهرٍ أو أعوامٍ أنهم نالوا أقل مما يستحقون، ولكي لا يسود الإحباط بعدما تضع ثوراتنا أوزارها. ولذلك يجب أن نركز أن التغيير الحقيقي في مصر عنوانه إسقاط معاهدة كامب ديفيد، وان التغيير الحقيقي في الأردن عنوانه إسقاط معاهدة وادي عربة، وأن التغيير الحقيقي في فلسطين عنوانه إسقاط اتفاقية أوسلو وأخواتها (وليس شعار إنهاء الانقسام)، وأن تلك المعاهدات نهج داخلي وخارجي ينبع من رحم الأنظمة، وأن التغيير الحقيقي في الوطن العربي عنوانه إسقاط التبعية لقوى الهيمنة الخارجية، وان كل المطالب الديموقراطية والمعيشية يجب أن تقاس بمسطرة التناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، وأن ذلك التناقض هو الأساس، وأن الباقي مهم، ولكنه يبقى إما نوافل أو مداخل للتناقض الأساس.

أما خارج سياق التناقض الأساسي، فإن حراكنا الديموقراطي قد يصبح ثورة ملونة، على نمط ثورات أوروبا الشرقية، يسر حكومات حلف الناتو أن تتبناها، وحقوقنا المعيشية قد تصبح ملهاة تنسينا التناقض الرئيسي. ويصبح من السهل الاستنتاج أن التغيير يجري بدعم وتمويل من الخارج، عبر منظمات التمويل الأجنبي وبرامجها “الديموقراطية” أو عبر الدعم الاستخباري، أو عبر التحالف العسكري والأمني المباشر مع الإمبريالية وأداتها العسكرية حلف الناتو، وملحقها مجلس التعاون الخليجي، كما جرى في ليبيا ويجري حالياً في سوريا. فالثورة إن لم تكن مناهضة للإمبريالية والصهيونية، فهي على الأرجح من صنعهما.

كما أننا إذا نسينا التناقض الرئيسي لا نعود قادرين على التفريق بين ثورة وثورة مضادة. فالأولى تحقق سيادة الشعب على أرضه وفي وطنه، ولا يمكن أن تهادن أعداء الوطن، أما الثانية فتعمق التبعية للخارج خلف لعبة تغيير الوجوه، وترتبط بالخارج تحت عناوين براقة مثل “الديموقراطية” و”حقوق الإنسان”، وهو الأمر الذي ما برح ينبه إليه الكتاب الروس والصينيون والأمريكيون اللاتينيون في تناولهم للحراك الشعبي العربي، وهو أيضاً ما يدفع تلك القوى الدولية الممانعة أو المعادية للهيمنة الإمبريالية للتصدي للتدخل الأجنبي في سوريا مثلاً.

ونحن لا نستطيع أن نفصل المطلب الديموقراطي والاقتصادي عن مطلب التحرر الوطني،ولا أن نفصل وعي الحرية في الداخل عن وعي الحرية في الخارج، لأننا لا نستطيع فصل الفساد والاستبداد عن التبعية والتجزئة. فهل كان من الممكن لسلطة تنسق أمنياً مع العدو الصهيوني أن تكون غير فاسدة مثلاً؟ وهل يمكن لسلطة تقوم في ظل الاحتلال في العراق أن تكون غير فاسدة؟وهل يمكن أن تستند أنظمة تقوم في ظل الحدود التي رسمها الاستعمار،مهمتها الحفاظ على تلك الحدود المصطنعة، أن لا تكون مستبدة وفاسدة؟ وهل يمكن أن ننسى مثلاً أن فرض قانون الصوت الواحد، لإنتاج مجلس نواب أردني موالٍ بالكامل،كان ضرورة قانونية لتمرير معاهدة وادي عربة،وأن ننسى أن بيع الثروات العامة للشركات الأجنبية في الأردن يمثل استمراراً لنهج وادي عربة والتطبيع مع العدو الصهيوني؟! الناس يرون ما هو ماثل أمامهم. فلا نملك أن نلومهم إن ثاروا ضد الفساد والاستبداد، أو ربطوا ما بين هاتين الظاهرتين وما بين أشخاص معينين، لا نظام بأكمله، لأن ربط العوارض بالجذور، وتفسير شبكة العلاقات بين الظاهر والباطن، بين هذا الحاكم والطبقة الاجتماعية التي يمثلها، وبين الفساد والاستبداد من جهة والتبعية للخارج والتجزئة العربية والعلاقة مع العدو الصهيوني والإمبريالية الأمريكية من جهة أخرى، هو مهمة الطليعة السياسية والمثقفين الثوريين. فإن عجزت الطليعة عن القيام بدورها، سواء بسبب قصور منها، بسبب انخفاض سقفها أو عزلتها عن الناس، أو بسبب قدرة الأنظمة والقوى المضادة على تعطيل دورها وتأثيرها، فإن ما يبقى أمام الناس هو ما يرونه مباشرةً، أي الفساد والاستبداد، وهو القصور الذي يهدد بإعادة إنتاج الأنظمة السابقة تحت عناوين جديدة، لأن الثورة لم تذهب إلى أقصى مداها في تفكيك بنى التبعية والتجزئة ومؤسساتها. فتغيير واجهات النظام لا يعني كثيراً، ولا يسقِط منظومة التبعية ولا الفساد ولا الاستبداد، خاصة أن الحكام بالنسبة للغرب مجرد أذناب. وكما قال الشاعر:

لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها إن كنت شهماً ألحِق رأسها الذنبا

***

ثالثاً: الحراك الشعبي العربي أردنياً

شهد الشارع الأردني حراكاً متصاعداً خلال شتاء عام 2011، ما لبث أن خفت، ثم عاد للاشتداد. وقد كان ذلك الحراك صدىً مباشراً للحراك الشعبي والشبابي التونسي والمصري من جهة، كما كان نتاجاً للعملية التراكمية التي أحدثها حراك المعلمين وعمال المياومة والكهرباء والموانئ وغيرهم على المستوى المحلي. ولعل التحركات المطلبية، الأولى، ويمكن أن نضيف إليها اعتصام الكالوتي الأسبوعي أمام السفارة الصهيونية المستمر منذ سنتين ونصف تقريباً، تؤكد بحد ذاتها أن الظروف الموضوعية التي فجرت انتفاضتي تونس ومصر الشعبيتين تشبه إلى حد بعيد الظروف الموضوعية في الأردن، ومنها: 1 – ذلك المزيج المتفجر من بطالة الشباب وارتفاع مستواهم التعليمي في آنٍ معاً، 2 – إفقار الشعب بالترابط مع استشراء الفساد وتمتعه بالحماية السياسية على أعلى المستويات، 3 – التفريط بالثروات العامة وإخضاع البلاد لنهج اقتصادي ليبرالي متطرف لا يطبق حتى في الولايات المتحدة نفسها، 4 – التبعية للخارج ورهن القرار السيادي بقوى الهيمنة الخارجية وممارسة التطبيع مع العدو الصهيوني، 5 – مصادرة القرار السياسي للمواطن وحقه في تقرير شؤونه العامة إما بشكل قمعي مباشر أو من خلال واجهات شكلية مثل مجلس النواب الأردني لا تغني ولا تسمن وتم تفصيلها على مقاسات الأجهزة الأمنية والسلطة التنفيذية…

والقائمة تطول… لكن مغزاها هو أن نقاط التشابه الأردنية مع ظروف تونس ومصر أكثر بكثير من نقاط الاختلاف من وجهة نظر المواطن العادي، على عكس ما يصر عليه البعض من أن الظروف الأردنية مختلفة جذرياً عنها في تونس ومصر.

ونحن نتشابه مع تونس ومصر، فوق ذلك، في وجود قوى وشخصيات انتهازية ما فتئت تحاول امتطاء ظهر الحراك الشعبي إما لتحقيق أجندات شخصية أو ضيقة، وإما لحرفه عن هدف التغيير الجذري، وإما لتحويله إلى “ثورة ملونة” على نمط الثورات الملونة الموالية للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية. كما أننا نتشابه مع تونس ومصر في غياب حركة ثورية منظمة تقود الحراك على هدي برنامج واضح للتغيير الحقيقي إلى بر الأمان، وهو ما عرضها للاختراق والانحراف ولامتطاء ظهرها من قبل التحالف الإخواني-الليبرالي بالتنسيق مع الإمبريالية العالمية.

صحيح أن الحراك الشعبي الأردني لم يصلْ أبداً في اتساعه وحجمه وديناميكيته إلى مستوى الحراك التونسي والمصري، وهنا يعود السبب لظروف تتعلق بالشارع نفسه، وانقساماته العامودية على نفسه على حساب الأفقية إزاء ناهبيه ومضطهدِيه، وليس لأن ظروف حياتنا أفضل بكثير من ظروف حياة التونسيين أو المصريين، على ما زعموا، لكن الصحيح أيضاً هو أن الحراك الشعبي التونسي والمصري كان محفِزاً حقيقياً للحراك الشعبي الأردني الذي كان سيكون أقل بكثير مما هو عليه اليوم، وكان سيبقى على طابعه الجزئي والمتخصص قطاعياً، لولا تونس ومصر.

والحراك الشعبي الأردني الذي تميز عن غيره برفع صور عبد الناصر أمام السفارة المصرية أبان حراك الشارع المصري، والذي لهج بهتافات الوحدة العربية وإسقاط معاهدة وادي عربة وإغلاق سفارة الكيان الصهيوني، أي ذلك الحراك المسييس غير المقتصر على الشأن المطلبي فحسب، الحراك المدرك لعمق العلاقة العضوية غير القابلة للانفصام بين الدار البيضاء والمنامة وما بينهما، هو وحده القادر أن يعبئ الشارع الأردني نفسه في حراك سياسي حقيقي يتسامى على الفتن والفروق بين الشمال والجنوب والوسط، والفروق بين الأردني والفلسطيني، وبين المسيحي والمسلم، الخ…

أي أن التأكيد على القاسم المشترك العروبي في الأردن بالذات، أكثر من أي قطر عربي أخر، هو شرط الحراك السياسي الفاعل، وشرط احتواء الفتن، على الصعيد المحلي، فالحديث عن الوحدة العربية يوحد الشارع الأردني حتى لتحقيق أهداف مطلبية جزئية، أما الاقتصار على الجزئيات والشأن المطلبي المحض فحسب، بذريعة المطالبة بشيء “ملموس”، بدلاً من الشعارات “الفضفاضة”، على ما زعموا، فكثيراً ما يدخِل الأردنيين في متاهات وفتن خبيثة من نوع “أردني-فلسطيني” لا تحقق تغييراً ولا إصلاحاً، كما رأينا في بعض البيانات المشبوهة التي تسعى لإدخال البلاد في النفق الدموي الأحمر الذي يريده له العدو الصهيوني ودعاة التفكيك الذين نشطوا في التحريض السافر في لحظة تصاعد الحراك الشعبي الأردني.

وعلينا أن نقف بوضوح هنا، وبنفس القدر: 1) ضد دعاة الحقوق المنقوصة، بغض النظر عن الغلاف، ولو ادعى أنه قوميٌ، لأن ذلك المشروع نوعٌ من التوطين السياسي الذي يخدم العدو الصهيوني، و2) ضد دعاة نزع الجنسيات وفك الارتباط بالضفة دستورياً، لأن إثارة مخاوف الاستيلاء المتبادل يحول الصراع مع العدو الصهيوني إلى صراع داخلي.. وهو ما يخدم العدو الصهيوني بنفس المقدار.

بالمقابل، إذا أردنا حراكاً شعبياً حقيقياً في الأردن، فإن ذلك سيأتي فقط عبر: 1 – طرح نقاط التناقض مع النظام بوضوح، وليس تمييعها، 2 – التركيز على السياسات لا الشخصيات، 3 – ربط السياسات الداخلية والاقتصادية بالتبعية للخارجية والتطبيع مع العدو الصهيوني، وبالأخص، معاهدة وادي عربة، 4 – ربط المطالب الجزئية، على أهميتها، بمجمل مشروع التغيير، 5 – التركيز على البعد العروبي للحراك والهوية والرؤى السياسية التغييرية، 6 – الالتزام الكامل بمشروع تحرير فلسطين، 7 – كشف القوى والبرامج التي تسعى لإعادة إنتاج التبعية تحت غلاف “الإصلاح الدستوري والديموقراطي”، وإعادة إنتاج الخريطة الإقليمية للتبعية تحت يافطات إسلامية أو ليبرالية.

النقطتان الخامسة والسادسة بالتحديد حول البعد العروبي وتحرير فلسطين لم تتم إضافتهما لهدف إنشائي أو تزويقي. فالبعد العروبي هو شرط الوحدة الوطنية في الأردن، لكنه أساس الرؤى التغييرية أيضاً. لأن الأردن وحده، خارج سياقه الشامي والعربي، لن يجد أمامه إلا محاولة إيجاد الحلول ونقاط الارتكاز في العلاقة مع الإمبريالية والصهيونية، ولو حكمه أفضل المصلحين. والقضية لا تتعلق بالنوايا، بل بالجغرافيا السياسية والموارد الاقتصادية وخط المواجهة الطويل مع العدو الصهيوني. فإما أن يكون الأردن جسراً صهيونياً للعبور باتجاه البعد العربي، وإما أن يكون جسراً للعودة إلى فلسطين. فإن اختار الأولى، تعرض كيانه للتهديد والاندثار عندما يحاول العدو أن يصدر أزماته إليه، وإذا اختار الثانية، فإنه سيدفع ثمناً كبيراً بالتأكيد، لكنه سيكون أقل من ثمن صهينة الأردن. فالمشروع الوطني الأردني هو بالضرورة مشروع تحرير فلسطين، ولا مشروع وطني أردني أو فلسطيني خارج سياق المشروع القومي العربي، وعلى هذه الأرضية يمكن أن نبني القاسم المشترك الذي يجعل المخيم حليفاً للبادية بدلاً من صراعات “الوحدات” و”الفيصلي” التافهة. وكما لا يعتبر اللاجئ الجولاني في سوريا غريباً، لا يجوز أن يعتبر اللاجئ الفلسطيني غريباً في الأردن، ولم تكن يوماً ثمة حدود بين الأردن وفلسطين سوى نهرٍ جففته “إسرائيل” ولوثته، فقللت الحدود بينهما، لكل ذي نظر.

والأردن وحده، مثل أي قطر عربي وحده، لا يمكن له أن يبني مشروعاً تنموياً حقيقياً ينهض بمستوى معيشة المواطن خارج سياق التكامل مع الوطن العربي الكبير، فمشروع التنمية الأردني إما أن يكون مشروعاً عربياً، وإما أن يكون مشروعاً لتكريس التبعية، وهو ما جربناه على مدى عقود لنحصد الفشل الذريع. فالمشروع التنموي الأردني، الذي تستفيد منه كافة شرائح الشعب، لا فئة الكمبرادور فحسب، هو المشروع العربي، ولنا في مثال العلاقة مع النظام الوطني في العراق قبل الاحتلال دليلاً صغيراً على هذا القول. فالأردن إما أن يكون عربياً أو أن يكون أمريكياً-صهيونياً. وفي الحالة الأولى ستستفيد معظم شرائح الشعب، وفي الحالة الثانية ستستفيد قلة قليلة وسيكون هنالك إفقار وبيع للبلاد سياسياً واقتصادياً بالثمن البخس، وقد بات العنوان الأبرز لتلك الصفقة هو معاهدة “وادي عربة”، كما سنرى بعد صفحات.

***

رابعاً: هل المطلوب تغيير الواجهات أم السياسات؟

إذن، لا شك أن جملة العوامل المؤدية للانفجار العفوي في تونس ومصر تتوفر، بمقدار أكثر أو أقل، في كل الدول العربية تقريباً، ومنها الفقر والبطالة والفساد وتكميم الأفواه بوسائل مبدعة، ولهاث المواطن وراء لقمة العيش الزئبقية، وانهيار منظومات الأمان الاجتماعي التقليدية والحديثة، في الوقت الذي تتراكم فيه ثروات بالمليارات لدى قلة مستفيدة من السياسات المتبعة!

ولا نكشف سراً لو قلنا أن الانفجار العفوي في تونس ومصر ترددت أصداؤه في كل أنحاء الشارع العربي. لذلك انطلقت الدعوات لإطلاق احتجاجات مماثلة في الأردن لتلك التي جرت في تونس ومصر، وقد بدأت إرهاصات تلك التحركات بالفعل في الأقاليم، بعيداً عن العواصم المثقلة عموماً بكتلة اجتماعية صماء، من مئات الآلاف أو أكثر، حسب الدولة العربية، يجعلها وعيُها الفردي ونمط معيشتها الاستهلاكي الطامح لمحاكاة الثراء، ولو بالدين، بليدة سياسياً ومرعوبة من أي احتجاج حتى لتحقيق مصالحها، مما يجعلها عنصر “استقرار” بكل ما تحويه الكلمة من معانٍ سلبية.ومن البديهي أن العواصم والمدن الأكبر حجماً هي مركز الثقل في التوزيع السكاني العربي، لأن أكثر من نصف السكان على الأقل يعيشون فيها، وهو قاسم مشترك أخر بين الدول العربية. ومن البديهي أيضاً أن العواصم والمدن الكبرى تحتوي جيوباً كبيرة من الأحياء الشعبية أو الفقيرة التي لا تقل قابليةً للانفجار عن الأقاليم، وهو ما يفترض أن يجعلها مركز الثقل السياسي في أي تحرك حقيقي وجدي. لكن القبضة الأمنية تكون عادةً أشد بكثير في العواصم والمدن الكبرى، بسبب وجود المفاصل الحساسة للدولة فيها. كما أن التماسك الاجتماعي والعائلي في الأقاليم البعيدة يكون عادةً أقوى بكثير مما هو في المدن العربية المعولمة، ولو على “فاشوش”، فنحن لم ينلنا من العولمة إلا شرور “السوق الحرة” و”الانفتاح”، والتبعية الاقتصادية للخارج، والإفقار واتساع الهوة الطبقية بين شرائح المجتمع في الداخل وازدياد معدلات الجريمة والعنف والتوترات الداخلية والأمراض الاجتماعية.

أضف إلى ذلك أن القطاع الشعبي الأكثر تأثراً بسياسات العولمة والتبعية التي تتبناها الأنظمة العربية، خاصة المرتبطة بحكومة الولايات المتحدة، ليس عامةً قطاعاً منظماً في أطر حزبية أو نقابية كما كانت عليه الحال قبل عقود، ومن هنا فإن قانون حراكه السياسي بدا وكأنه العفوية أولاً، على الأقل في البداية، وبارتباطه بلقمة الخبز المباشرة ثانياً، وبعدم تأثره في مرحلته الأولى بحسابات القوى والشخصيات السياسية المعارضة ثالثاً، حتى تم تجيير الحراك من قبل قوى أكثر تنظيماً واستعداداً نقلته نحو مسارات لا تعادي الإمبريالية، حيث لا تخدمها مباشرة، فالحراك العفوي انفجار أعمى، لذلك يجب أن نقول أن الحراك العفوي نادراً ما يؤتي أكله بمعنى حل المشاكل التي سببت الاحتجاج العفوي في المقام الأول.

غير أن انخراط القوى والشخصيات المسييسة في الحراك العفوي لا يقوده إلى النجاح بالضرورة، بمعنى تغيير السياسات التي سببت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المقام الأول، بل قد يسهم في إجهاضه إذا ما نجح في توجيهه نحو أهداف تنفيسية لا قيمة لها فعلياً. وإذا أخذنا حالة الأردن بالتحديد، فقد لاحظنا بعض الأصوات التي راحت ترفع شعار إسقاط حكومة سمير الرفاعي كهدفٍ للاحتجاج… وهي حكومة جاءت في نهاية عام 2009 فحسب! وما أن سقطت حكومة الرفاعي حتى صار إسقاط حكومة معروف البخيت هدف الاحتجاج. وقد سبق أن سمعنا شعار “إسقاط الحكومة” على مر السنين خلال عهود الحكومات الأردنية السابقة التي لم يستمر بعضها في الحكم أكثر من بضعة أشهر. فهل أدى إسقاط حكومة الرفاعي إلى إيقاف مسيرة الخصخصة أو بيع القطاع العام للخارج أو تصاعد الديون العامة أو تفاقم الأزمة المعيشية بشكل عام؟ وهل تشكلت تلك الأزمة فقط خلال العام الماضي؟ وهل كان يملك الرفاعي أو البخيت، أو أي رئيس وزراء قبلهما أو بعدهما، القدرة على تغيير النهج الاقتصادي والسياسي للدولة بشكل جذري؟!!

إن تغيير حكومة الرفاعي أو البخيت أو الخصاونة أو الطراونة غيره، أو تغيير أي حكومة عربية، سهلٌ جداً ويمكن أن يتم بجرة قلم، ولا يعني شيئاً أصلاً، لأن الوزراء في بلادنا لا يحددون سياسات وإستراتيجيات كبرى، بل هم مجرد إداريين مهمتهم تنفيذ ما حدده غيرهم، وأن يلعبوا عند الضرورة دور “مانعة صواعق”. ومن يقنع الناس في احتجاجهم أن تغيير وزير أو وزارة هو الحل للأزمة العامة، وليس تغيير النهج والسياسات الاقتصادية والخارجية بالتحديد، فإنه ينفس التحرك ب”القوة الناعمة” بغض النظر عن حسن نواياه، ويقدم هديةً سياسية قيمة للقائمين على النهج والسياسات التي سببت الأزمة، ويشكل بحد ذاته عامل “استقرار” أخر بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ سلبية، ولن نثير هنا ظاهرة الداعين لإسقاط الحكومات المتتابعة قصيرة العمر لأنهم مستوزرون أو لأنهم ما هو أقل بكثير من مستوزرين، لذا سنبقى في إطار حسن النوايا ومناقشة التقديرات السياسية فحسب.

فإذا افترضنا أننا نريد احتجاجات شعبية حقيقية تؤدي على الأقل إلى كبح جماح مسيرة التفريط بالثروات العامة والحقوق الوطنية، والتجاوز على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن، والتغول على الحقوق السياسية، وإيقاف مسيرة التطبيع مع العدو الصهيوني والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية – لأننا لا نستطيع “فك ارتباط” السياسات الداخلية عن الخارجية وكلها يخدم شريحة واحدة – فإن الاحتجاج يجب أن ينصب على خيارات الدولة وتوجهاتها التي لا تتغير بتغير رؤساء الحكومات أو النواب أو باقي الموظفين. يجب أن ينصب الاحتجاج على القوانين المؤقتة، على العلاقات المشبوهة بين الشركات الكبرى في القطاع الخاص وكبار المسؤولين، على صفقات بيع القطاع العام للشركات الأجنبية، على القانون الضريبي الجائر، على الفساد في المشاريع العامة، على العلاقات مع العدو الصهيوني والتبعية للولايات المتحدة، وعلى القائمة الطويلة التي يعرفها كل مواطن… وليس على تغيير الواجهات.

***

خامساً: معاهدة وادي عربة كمعاهدة تكامل إقليمي

في 26/10/1994 تم توقيع معاهدة وادي عربة، وبعد مرور كل هذه السنوات من توقيعها يصرح الرسميون الأردنيون أحياناً أن العلاقات مع الكيان الصهيوني ما برحت بالحد الأدنى، وأن الأردن الرسمي غير مندفع على الإطلاق لتطويرها. وعلى الرغم من أن تلك التصريحات تتجاهل التزايد النسبي للتبادل التجاري واستقرار التنسيق الأمني مع دولة العدو بالسنوات الماضية عند مستويات مرتفعة نسبياً، فالأهم أن الأردن الرسمي ربط نفسه قانونياً في معاهدة وادي عربة بالتزاماتٍ مفصلة لا تقتصر على التبادل التجاري والتنسيق الأمني فحسب، بل تتعداهما إلى التكامل على مختلف المستويات. فالتكامل الاقتصادي، بكل ما للكلمة من معنى، هو ما يجده المرء في نص وروح معاهدة وادي عربة، ناهيك عن التنسيق الأمني والتناغم السياسي تحت يافطة “السلام”.

… وهو ما يجعل التصريحات عن بقاء العلاقات مع العدو في حدودها الدنيا تصريحات للاستهلاك المحلي فحسب وتهدئة الخواطر المشتعلة محلياً وإقليمياً. فالاتجاه الاستراتيجي للتكامل مع العدو رسمته معاهدة وادي عربة. أما تخفيف وتيرة تنفيذ مشروع التكامل الإقليمي فغيمة صيفٍ عابرة تحملها الرياح الشرقية من العراق تارةً، لتعيدها الرياح الغربية من فلسطين طوراً. ولا بد للتوجه الاستراتيجي أن يعيد فرض نفسه عندما تزول “المعوقات” الإقليمية، مثل المقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية التي تعيق حالياً تقدم المشروع الأمريكي-الصهيوني في عموم المنطقة، وليس التكامل الرسمي الأردني مع العدو الصهيوني فحسب.

على كل حال، تحتوي معاهدة وادي عربة على ثلاثين مادة، غير الملاحق والاتفاقات المتفرعة عنها. وقد أتي نصف هذه المواد بالضبط، أي خمس عشرة مادة، ليضع أسس التعاون “الإسرائيلي”-الأردني في المجالات التالية:

1 – المياه (المادة السادسة)،

2 – العلاقات الاقتصادية (المادة السابعة)،

3 – الأماكن ذات الأهمية التاريخية والدينية (المادة التاسعة)،

4 – أوجه التبادل الثقافي والعلمي (المادة العاشرة)،

5 – النقل والطرق (المادة الثالثة عشر)،

6 – حرية الملاحة والوصول إلى الموانئ (المادة الرابعة عشر)،

7 – الطيران المدني (المادة الخامسة عشر)،

8 – البريد والاتصالات (المادة السادسة عشر)،

9 – السياحة (المادة السابعة عشر)،

10 – البيئة (المادة الثامنة عشر)،

11 – الطاقة (المادة التاسعة عشر)،

12 – تنمية أخدود وادي الأردن (المادة العشرون)،

13 – الصحة (المادة الواحدة والعشرون)،

14 – الزراعة (المادة الثانية والعشرون)،

و15- العقبة وإيلات (المادة الثالثة والعشرون).

وفي اثنتي عشرة حالة من الحالات الخمسة عشر أعلاه، ينص البند المتعلق بها على وضع خطة محددة أو التفاوض للتوصل لاتفاق تفصيلي بين الأردن والكيان للتعاون في المجال الذي يغطيه ذلك البند، ضمن سقف زمني محدد. وفي الحالات التي لا تذكر فيها اتفاقية تفصيلية، كالمياه مثلاً، فإن الاتفاق عليها يكون قد عقد مسبقاً وتم تضمينه في أحد ملاحق الاتفاقية (الملحق الثاني في حالة المياه). أما في حالة الملاحة والموانئ، فقد ربط ذلك البند بالقانون الدولي. وفي حالة الأماكن التاريخية والدينية، ربط الدور الأردني في القدس بمفاوضات الوضع النهائي (مع الفلسطينيين).

ولا يسع المرء أمام ذلك كله إلا أن يلاحظ طغيان هذا البعد، أي بعد التكامل الإقليمي على الأصعدة أعلاه، حتى على الجوانب الأمنية والسياسية والدبلوماسية في المعاهدة. من الواضح إذن أن المطلوب ليس مجرد “سلام” أو “تطبيع” أو “إلغاء لحالة العداء” كما تنص البنود الأخرى في المعاهدة، بل أن السلام والتطبيع وغيرها تهدف كلها لإلحاق الأردن بالمشروع الإقليمي الصهيوني.

فإذا كان التراكم الكمي يولد تحولاً نوعياً، فإن التركيز المكثف على موضوعة التعاون بين الطرفين، وإسناده لعدد كبير من الاتفاقيات الفرعية التي تنظمه، يحولان التعاون بالضرورة إلى شراكة إستراتيجية، وهي شراكة لا يمكن أن تكون متكافئة، ولا يمكن إلا أن تحمل بعداً إقليمياً، وأن تعبر بالتالي عن علاقة ما بين مركز إقليمي صهيوني ومجال حيوي أردني (وفلسطيني). مثلاً، تنص المادة المتعلقة بالعلاقات الاقتصادية بين الطرفين على عقد عدد من الاتفاقيات الفرعية، وليس اتفاقية أو خطة فرعية واحدة فحسب كما تنص المواد الأخرى: “يدخل الطرفان في مفاوضات بهدف التوصل إلى عقد اتفاقيات تتعلق بالتعاون الاقتصادي، بما في ذلك التجارة وإقامة منطقة تجارة حرة، والاستثمار، والعمل المصرفي، والتعاون الصناعي والعمالة، وذلك لأغراض ترويج اقتصادية مفيدة تقوم على مبادئ يتم الاتفاق حولها، كما تقوم على اعتبارات إقليمية خاصة بالتنمية البشرية” (المادة السابعة من معاهدة وادي عربة).وهو ما تم تتويجه بعد عامٍ من توقيع وادي عربة بالبرتوكول الاقتصادي بين الأردن و”إسرائيل”.

***

سادساً: حول الأبعاد السياسية والأمنية لمعاهدة وادي عربة

تمثل معاهدة وادي عربة بالأساس إذن صيغة للتكامل الإقليمي غير المتكافئ بين الأردن الرسمي والكيان الصهيوني. ويشهد على ذلك تخصيص خمس عشرة مادة من أصل ثلاثين للتعاون في مجالاتٍ مختلفة كالبنية التحتية والمياه والعلاقات الاقتصادية والاتصالات والبيئة والطاقة وغور الأردن والصحة والزراعة والعقبة وإيلات. كما يشهد عليه البرتوكول التجاري بين الأردن و”إسرائيل” الذي وقع بعد حوالي عام من وادي عربة، وملاحق المعاهدة وتوابعها. ومع ذلك، فإن المادة الأولى من وادي عربة حملت عنوان: “إقامة السلام” الذي اعتبر قائماً بمجرد تبادل وثائق التصديق على المعاهدة!

وعليه، لا يمكن إغفال الجانب السياسي والأمني من معاهدة وادي عربة، مع أن الأساس فيها يبقى التكامل الاقتصادي والإقليمي، لا بل قل إلحاق الأردن بالمشروع الصهيوني إقليمياً، وهو الإلحاق الذي وضعت أسسه القانونية والمؤسسية في المعاهدة وبناتها. ولا يقلل من شأن ذلك الإلحاق:

1 – أن المقاومات العراقية والفلسطينية واللبنانية عرقلت تقدم المشروع الأمريكي في الإقليم، وبالتالي أخرت ولم تلغِ مشروع التكامل الإقليمي الأردني-“الإسرائيلي”، و2 – أن الأردنيين لم يستفيدوا شيئاً مما يسمى “ثمرات السلام”، إذ لا يمكن أن تستفيد معظم شرائح الشعب بأية حال من مشروع تبعية للطرف الأمريكي-الصهيوني في أي مكان من العالم، وليس في الأردن فحسب.

وقد جاءت المواد السياسية والأمنية في معاهدة وادي عربة لتمهد الطريق للتكامل الإقليمي الأردني-“الإسرائيلي” من إعلان الاعتراف المتبادل وإلغاء حالة العداء (المادة الثانية) إلى التعهد بعدم الدخول في أي حلف أو السماح بأي عمل يقوم به طرف ثالث ضد أحد الطرفين الموقعين على المعاهدة (المادة الرابعة) إلى الاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية وقنصلية متكاملة وعلاقات اقتصادية وثقافية طبيعية (المادة الخامسة)، والنقطة الأخيرة بالتحديد تعادل إقامة علاقات تطبيعية على أساس اتفاق منفرد غير مقتصرة على إزالة حالة العداء أو حتى على إقامة علاقات دبلوماسية باردة.

وإذا كانت “اتفاقية كامب ديفيد” قد أخرجت مصر الرسمية من حلبة الصراع العربي-الصهيوني، فقد تم التعهد في معاهدة وادي عربة بعدم التحالف مع أي طرف ثالث ضد الكيان الصهيوني، وبعدم السماح لأي طرف ثالث باستخدام الأراضي الأردنية لتهديد “إسرائيل”، كما في المادة الرابعة من المعاهدة، وهو ما أخرج الأردن فعلياً من أي التزام تجاه محيطه العربي والإسلامي، خاصة وأن المادة الخامسة والعشرين من “معاهدة وادي عربة” تنص على أولويتها على أية معاهدة أو اتفاقية أخرى تتعارض معها.

وقد ذهب المفاوض الأردني أبعد من ذلك في المادة الرابعة للمعاهدة إلى التنسيق الأمني والتحالف السياسي عندما تعهد بما يلي:

1 – اعتبار التعاون الأمني جزءاً مهماً من العلاقة بين الطرفين، ضمن سياق بناء أطر أمن إقليمية تربط الأمن بالسلام.

2 – منع التحريض ضد “إسرائيل”، واعتبار منع التحريض وحماية أمن “إسرائيل” مسؤولية قانونية للدولة الأردنية.

3 – منع أي طرف معادٍ للكيان الصهيوني، سواء كان تنظيماً أو فرداً أو دولة، من تهديد “إسرائيل” انطلاقاً من الأراضي الأردنية.

4 – منع أية قوة عسكرية أو معدات تعود لطرف ثالث من دخول الأردن إذا كان ذلك يضر ب”إسرائيل”.

5 – الالتزام بالتنسيق الأمني حول التفاصيل بشكل منتظم بناءً على آلية يتم تحديدها في اتفاقية منفصلة.

وهكذا نرى أن الأردن الرسمي لم يكتفِ فقط بإلغاء حالة العداء، بل تعهد بالتعاون الأمني ضد أي طرف ثالث معادٍ للكيان الصهيوني، ليس على صعيد الفعل فحسب، بل أيضاً على صعيد التحريض من فردٍ أو جماعة (المادة الحادية عشرة). وإذا كان أي طرف ثالث ممنوعاً من دخول الأردن إذا كان ذلك يهدد أمن “إسرائيل”، فإن دخول قوات أمريكية إلى الأردن مثلاً لا يعود مشكلة حسب المعاهدة، كما أن كل من يدعو أو يعمل لتحرير فلسطين يصبح فوراً متهماً ب”الإرهاب” حسب الاتفاقية من الواجب مكافحته! إذن، أصبح الأردن ملزماً، حسب المعاهدة، بالتعاون ضد أي شكل من أشكال العداء ل”إسرائيل”. وقد جاء في المادة السابعة ما يلي: “التعاون في مجال إنهاء المقاطعات الاقتصادية المقامة ضد أحدهما من قبل أطراف ثالثة”!

المادة الثامنة من المعاهدة تدعو حرفياً للعمل على توطين اللاجئين، ولكن لماذا، بعد الذي سبق، لا يعود ذلك مفاجئاً؟!

***

سابعاً: بطلان معاهدة وادي عربة أساس التغيير

كرست معاهدة وادي عربة قانونياً صيغتين أساسيتين للعلاقة الأردنية-“الإسرائيلية”:

أولاً: السعي لتحقيق تكامل إقليمي، تبلور في خمس عشرة مادة من أصل ثلاثين تتألف منها المعاهدة، غطت كافة أوجه الحياة المدنية والاقتصادية بين الطرفين،

ثانياً: السعي لتحقيق تنسيق أمني وسياسي رفيع المستوى أصبح الأردن الرسمي عبره ملزماً بالتعاون ضد أي شكل من أشكال العداء ل”إسرائيل”، حتى لو كان ذلك على مستوى التحريض اللفظي فحسب، كما جاء مثلاً في المادة الحادية عشرة من المعاهدة.

ثالثاً: السعي لتوطين اللاجئين سياسياً في الأردن، ولو لم يعني ذلك “دولة فلسطينية” شرق النهر، لأن ذلك يصدر أزمة الكيان الصهيوني، وأحد جوانب أزمة ما يسمى ب”عملية السلام”، إلى الأردن، وهو ما تكرسه المادة الثامنة من المعاهدة.

ونذكّر أن المادتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين من معاهدة وادي عربة نصتا على أنها تسمو على كل ما عداها، ومن هنا، فقد عبرت معاهدة وادي عربة عن اصطفاف إقليمي، وعن حلف سياسي، رسخ التبعية لا للإمبريالية الأمريكية فحسب، بل للكيان الصهيوني نفسه.

وبهذا تحولت معاهدة وادي عربة إلى نهج، إلى مسار أو أنموذج، لا لمجرد اتفاقية هدنة مثلاً يتعهد فيها الطرفان بعدم الاعتداء على بعضيهما. وقد جاءت مؤتمرات دافوس، بعد شهر ونصف من احتلال بغداد، لتعميم نهج وادي عربة إقليمياً، انطلاقاً من الأردن. وقد عبرت مؤتمرات دافوس، المنعقدة دوماً في ذكرى احتلال فلسطين، أي في محيط الخامس عشر من أيار، عن مشروع “الشرق أوسطية” الذي يتضمن إلحاق المنطقة بالعولمة وخط الشركات متعدية الحدود، من جهة، كما يتضمن صهينة المنطقة، من خلال دمج الكيان الصهيوني في نسيجها الاقتصادي والسياسي والثقافي.

منطق العولمة طبعاً هو الذي أدى إلى بيع القطاع العام الأردني للشركات الأجنبية بأبخس الأثمان. وهو المنطق الذي حكم المسيرة الاقتصادية-الاجتماعية الأردنية منذ وضعت البلاد تحت وصاية المؤسسات الاقتصادية الدولية في نهاية الثمانينات. وهو المنطق أدى إلى تسييد شريحة طفيلية في النظام السياسي الأردني، كما أنه المنطق الذي أدى إلى رفع الضرائب والرسوم على أوسع الشرائح الشعبية، وتخفيضها على الشركات الكبرى الأجنبية والبنوك. وهو المنطق، في الأساس، الذي كرس تبعية الأردن الاقتصادية للخارج، وأنتج الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية التي تعانيها البلاد اليوم، على ضفاف الثروات الضخمة التي أنتجها الفساد.

الخلاصة الأولى إذن هي أن نهج التبعية الاقتصادية الذي سوقته الشريحة الاجتماعية المستفيدة منه هو نفسه نهج وادي عربة، فالسياسة الداخلية والخارجية هنا وجهان لعملة واحدة. وبالتالي فإن التخلص من التبعية الاقتصادية يقتضي التخلص من سياسات الشريحة التي فرضت موقفها ورؤيتها في التعاطي مع العدو الصهيوني، فالقضية ليست قضية إصلاحات ديموقراطية أو دستورية فحسب، بل قضية تغيير جذري في النهج.

وقد قيل الكثير في “الشرق أوسطية”، لكنها باختصار: 1) مشروع جغرافي-سياسي، و2) مشروع ثقافي. فهي من الناحية الجغرافية-السياسية مشروع تفكيك الدول العربية إلى أجزاء، على خطوط طائفية وأثنية، وهي ثقافياً مشروع محو الهوية العربية-الإسلامية المشتركة لبلادنا لتحويلها إلى جغرافيا بلا تاريخ.

وقد جاء مشروع تحويل الأردن إلى ثلاثة أقاليم شمالي ووسطي وجنوبي، هي اليرموك ورغدان ومؤتة، ضمن هذا السياق، وبالتوازي مع مشروع تحويل العراق والسودان إلى أقاليم. فالسياق هو مشروع تفكيك الدولة، في العالم الثالث لمصلحة العولمة، وفي الإقليم لمصلحة خلق مجال حيوي للكيان الصهيوني، وفي الأردن من أجل تحويله مع السلطة الفلسطينية إلى موطئ قدم للوثوب نحو الإقليم، وهي المعادلة التي لا يمكن فهم مشروع انضمام الأردن لمجلس التعاون الخليجي خارجها، خاصة بعد إعفاء 2500 سلعة “إسرائيلية” من الرسوم الجمركية في الأردن بموجب البروتوكول الملحق باتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي بين الأردن وإسرائيل الذي دخل مرحلته السادسة بتاريخ 1/1/2010″،حسب بلاغ دائرة الجمارك الأردنية في 3/1/2010،المنبثق من معاهدة وادي عربة.

ويتجاهل كثيرون من دعاة الإصلاح الدستوري والديموقراطي في الأردن (وغيره) البند الثامن من معاهدة وادي عربة الذي ينص حرفياً على توطين اللاجئين. فحتى لو افترضنا جدلاً أن التغيير في الأردن لا علاقة له على الإطلاق بالتناقض الرئيسي مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، ولا علاقة له بأي أبعاد إقليمية، ولو افترضنا أن برنامج التغيير في الأردن يقتصر على المطالبة بإصلاحات محلية، على مقاس الثورات الملونة، تعيد إنتاج التبعية ديموقراطياً ودستورياً، من خلال تغيير قانون الانتخاب (الصوت الواحد) وتحويل بعض صلاحيات الملك لرئيس وزراء يمثل الكتلة النيابية الأكبر في مجلس النواب، كما يطالب البعض، فإن تجاهل مشكلة اللاجئين، وبالتالي تجاهل التناقض الرئيسي مع الكيان الصهيوني، يحول المشروع الإصلاحي الديموقراطي-الدستوري المحض في الأردن فوراً إلى قناة لتصدير أزمة الكيان الصهيوني للأردن، على حساب الأردن وعلى حساب القضية الفلسطينية نفسها، لأن “الديموقراطية” هنا ستصبح تنافساً أردنياً-فلسطينياً على المواقع (حتى لو أصبح الأردن جزءاً من مجلس التعاون الخليجي، ولنا في المشكلة السنية-الشيعية في الكويت مثالاً). والأسوأ أن مثل هذا التوجه يحول مشروع الإصلاح الديموقراطي-الدستوري المفتقد للبعد الوطني والقومي إلى مدخل للفتنة وللحرب الأهلية والتدخل الأجنبي هو المعادل الدموي أردنياً للصراع الطائفي والأثني في محيطنا العربي.

الخلاصة الثانية إذن هي أن وادي عربة هي مشروع للفتنة الأهلية في الأردن. أما البديل المنطقي والبرغماتي لحماية السلم الأهلي في الأردن فهو إعادة توجيه البوصلة باتجاه العدو الصهيوني لحماية الأردن وتحقيق العودة، كأساس لأي مشروع تغيير حقيقي لا يعيد إنتاج التبعية. وبدون مزايدة نقول أن دعاة إسقاط وادي عربة هم دعاة الوحدة الوطنية الفعليون في الأردن، لأنهم وحدهم من يضعون أساساً سليماً للعلاقة الأردنية-الفلسطينية في مواجهة الخطر الصهيوني.

المسألة الأخرى هي أن دعاة الإصلاح الدستوري والديموقراطي في الأردن، ممن يتجاهلون التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني، أو ممن يعطونه أهمية ثانوية، ينسون التاريخ المعاصر للنظام السياسي في الأردن. فلو انطلقنا من اعتبارات ديموقراطية صرف، كأننا نعيش في السويد مثلاً، أو في سويسرا، لما تمكنا من نسيان حقيقة أن قانون الصوت الواحد على سبيل المثال لا الحصر، الذي ينتج مجلس نواب خدماتي، لا مجلس نواب وطن، تم سنه خصيصاً لتمرير معاهدة وادي عربة، مما أدى لإنتاج مجالس نواب هزيلة وسخيفة بعد مجلس نواب عام 89. وبينما عاش الأردن تطوراً ديموقراطياً بين عامي 1989 و1993، على خلفية انتفاضة نيسان، فإن التدهور الديموقراطي، وقوننة الأحكام العرفية، كانا شرطاً لتمرير استحقاقات وادي عربة ولتكريس نهج التبعية.

وقد جاء تغول الجهاز التنفيذي، والأجهزة الأمنية تحديداً، لفرض نهج وادي عربة، كما جاء تمرير القوانين المؤقتة بالمئات في ظل الحكومات المتعاقبة خارج أي رقابة تشريعية ضمن نفس السياق، وكذلك قانون الاجتماعات العامة لمنع الاحتجاج، وقانون الأحزاب لإجهاض القوى المنظمة، وقانون المطبوعات المعدل لعام 98 الذي يحاسب الصحفي على المساس بالشأن الأمني أو الاقتصادي، وقانون مراقبة البريد والهاتف الذي يتيحها بقرار إداري (لا بقرار قضائي فحسب كما نص الدستور)، وقانون محكمة أمن الدولة الذي يوسع صلاحياتها بما يشمل الكثير من صلاحيات القضاء المدني، وغيرها من القوانين والممارسات التي كرست نفس النهج. كما أن تزوير الانتخابات النيابية على نطاق واسع أصبح جزءاً لا يتجزأ من الديكور “الديموقراطي” الأردني في ظل وادي عربة.

الخلاصة الثالثة إذن هي أن المشروع الديموقراطي لا يمكن أن يجد مداه الحيوي في ظل شروط التبعية للإمبريالية والصهيونية، كما أن الاستحقاقات القانونية للمعاهدة، وللعلاقة مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، ستفرغ أي مشروع ديموقراطي من مضمونه، وستحول الديموقراطية إلى ديكور انتخابي لاستعباد الوطن ما دام مكبلاً بقيود المساعدات السياسية والقانونية وبشروطها. فلا حرية ولا ديموقراطية في البلاد المستعبدة للخارج، والتحول الديموقراطي في الأردن يقتضي التخلص من ربقة المعاهدة. ومن الواضح طبعاً أن مشاريع التحول “الديموقراطي” التي تدفع الولايات المتحدة باتجاهها تأتي ضمن هذا السياق لتكريس التبعية على قاعدة “احترام” المعاهدات الدولية وما شابه. والساعون اليوم لنيل حصة أكبر في السلطة على قاعدة إيجاد موطئ قدم في مشروع “الإصلاح” الأمريكي لا يمثلون بديلاً حقيقياً للأردن، ولا رؤيا مختلفة، سواء تلحفوا بعباءة الإسلام السياسي أو الليبرالية أو “الحقوق المنقوصة” أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء الذي لا يعود، بل يمثلون جميعاً تعميقاً للنهج القديم يحظى بالمشروعية القانونية والدستورية والدولية أكثر من الحكم الفردي، وهم لا يمانعون ذلك ما برحوا يحظون بحصة أكبر في السلطة. فمشاريعهم لا وطنية ولا أردنية، ولا فلسطينية ولا إسلامية ولا ديموقراطية، بل أمريكية في النهاية.

أخيراً، ثمة بعد عربي وإقليمي لا يمكن الحديث عن الأردن، أو غيره من الأقطار العربية، خارجه. حتى التساهل الرسمي النسبي – الموشى بالكثير من القمع، كما رأيناه مثلاً في مسيرة 15 أيار في الغور – في التعامل مع الحراك الشعبي في الأردن، جاء على خلفية الحراك الشعبي العربي، وفي تونس ومصر تحديداً. ولم يكن مثل ذلك التساهل وارداً قبل سقوط بن علي ومبارك. ولا يمكن تخيل هبة ديموقراطية أردنية، أو قومية أو يسارية أو إسلامية، في قطر عربي واحد. ونكرر: لا مشروع تغيير حقيقي في قطر عربي بمفرده. فإما أن ينطلق مشروع التغيير نحو آفاقه العربية الواسعة، وإما أن يُحاصر ويتكلس وينتهي. والخلاصة النهائية هي أن أي مشروع تغيير حقيقي في بلادنا لا بد له أن يكون مشروعاً: 1) عربياً، 2) مناهضاً للإمبريالية والصهيونية، وإلا فإنه مشروعٌ جزئيٌ مبتسر لن تكتب له الحياة في أحسن الأحوال، إذا لم يكن مخترقاً. وفي الأردن بالذات، إما أن يكون التوجه السياسي قومياً عروبياً وإما أن يكون أمريكياً، ولا ثالث بعد الاثنين.

***

ثامناً: أي برنامج للحراك الشعبي في الأردن؟

شكل الحراك الشعبي في الأردن، خاصة في المحافظات، علامة فارقة متميزة عن الحراك الشعبي في أي قطر عربي أخر في ربطه بين المطلب الداخلي بمحاربة الفساد والاستبداد ومطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، وهو ما مثل افتراقاً عن برنامج بعض القوى الأردنية والإقليمية اللاهثة وراء السلطة من منصة الإصلاح الدستوري والانتخابي و”الديموقراطي” مما أوصلها كتحصيل حاصل للاستظلال بحلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي، أي إلى أحضان الثورة المضادة. فالثورة المضادة، في عصرنا الراهن، هي تلك التي تحتضنها الإمبريالية الأمريكية، بغض النظر… وهي في البرنامج تلك التي تتبنى برنامج إصلاح “ديموقراطي” لاوطني ولاقومي.

وكنت ومجموعة من الأصدقاء القوميين المناهضين للصهيونية، ممن شاركوا بأول مسيرة في عمان بعد ذيبان، قد انسحبنا من حراك يوم الجمعة الدوري أمام المسجد الحسيني في عمان بعد أن لاحظنا عملية تجييره لأجندة الثورة المضادة، حسب التعريف أعلاه، وبعد أن بدأنا نتلقى ملاحظات من بعض النشطاء الميدانيين أن رفعنا لشعارات تطالب بإغلاق السفارة الصهيونية وإعلان بطلان معاهدة وادي عربة بات “يشوش” على الحراك!

وقد كنا نرى، بالمقابل، أننا في الأردن بالذات لا يمكن أن نطرح حراكاً “إصلاحياً” حقيقياً بشكل منفصل عن مطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، أولاً، لأن إقرار المعاهدة تطلب إقرار قانون الصوت الواحد وتطلب الانقضاض على كل مسيرة التحول الديموقراطي التي بدأت مع انتفاضة نيسان عام 1989، وصولاً لقوننة الأحكام العرفية عن طريق مئات القوانين المؤقتة، ثانياً، لأن الشريحة الاقتصادية-الاجتماعية المستفيدة من المعاهدة والتي تدفع للتمسك بها هي نفسها الشريحة المستفيدة من الفساد ومن بيع القطاع العام فلا يمكن فصل النهج الاقتصادي عن النهج السياسي، ولا التغيير الاجتماعي عن التغيير السياسي، ولا إحقاق حقوق المواطن عن فك التبعية للخارج، ثالثاً، لأن معاهدة وادي عربة ليست مجرد معاهدة سلام مع العدو الصهيوني، بل هي معاهدة تكرس التبعية للكيان الصهيوني، حيث أن خمسة عشر بنداً من بنودها، من أصل ثلاثين، مكرسة للتكامل العضوي مع الكيان الصهيوني، رابعاً، وهنا بين القصيد، لأن البند الثامن من المعاهدة يتحدث عن توطين اللاجئين، وهذا يعني أن الإصلاح الديموقراطي، في ظل غياب مشروع حقيقي لتحرير فلسطين، هو وصفة للتوطين السياسي، أي لتصدير أزمة الكيان الصهيوني للأردن بالتحديد.

ونقول التوطين السياسي، ولا نقول الوطن البديل، لأن الكيان الصهيوني والإمبريالية العالمية غير معنيين بدولة فلسطينية تمتلك شريطاً حدودياً طوله مئات الكيلومترات مع العدو الصهيوني، لكن ذلك لا يمنع على الإطلاق مشروع التوطين السياسي، وهو ما لاحظنا، من خلال وثائق ويكيليكس وغيرها، أن السفارة الأمريكية كانت ناشطة جداً في الترويج له من خلال اتصالات ولقاءات وجهود منسقة مع قوى وشخصيات بعينها في الساحة الأردنية، من الإسلام السياسي إلى جماعة “الحقوق المنقوصة”. مثل هذا المشروع يستهدف القضية الفلسطينية والأردن معاً، لا بل أنه يساعد على صهينة المنطقة برمتها، ومن هنا نقول أن من يرفعون شعارات “المساواة”، وشعارات “الإصلاح الديموقراطي”، خاصة إذا اجتمعا، هم موضوعياً دعاة فتنة وحرب أهلية، ودعاة تخلي عن فلسطين وقضيتها، لمصلحة مشروع التوطين السياسي. ففي الأردن بالذات، لا يوجد أي مشروع تغيير حقيقي لا يضع تحرير فلسطين على رأس أولوياته، ويستعد لدفع الثمن، وكذلك لا يوجد أي مشروع تغيير حقيقي يقبل بالتسوية السياسية مع العدو الصهيوني مهما كانت، لأن أول شروط مثل تلك التسوية سيكون بالضرورة الالتزام بأمن الكيان الصهيوني، وبالتالي رفض عودة اللاجئين، وهو ما يعني بالضرورة التوطين السياسي أيضاً…

لكن فلننتبه جيداً أن النقيض ليس صحيحاً أيضاً. فثمة مشروعان للفتنة والحرب الأهلية في الأردن، أولهما عنوانه “الحقوق المنقوصة” وثانيهما اسمه “دسترة فك الارتباط”. وهما وجهان لعملة واحدة في الواقع. وكلاهما يقدم نفسه كبرنامج حراك لجزء من الأردنيين، ولا يعبران عن برنامج وطني. فأحدهما برنامج للأردنيين من أصل فلسطيني، والآخر يقدم الخلاص باعتباره فكاً للارتباط مع الضفة الغربية. وكلاهما يرى الحل “على حساب” فئة أخرى من الأردنيين. وكلاهما يحمل، بالتالي، شحنة تفجيرية كامنة تنتظر من يحركها بصاعق.

في الأردن بالذات يشكل الحس القومي العربي صمام أمان للوحدة الوطنية الداخلية، فلا يمكن أن يكون برنامج “فك الارتباط” برنامجاً وطنياً أردنياً، كما لا يمكن أن يكون برنامج “الحقوق المنقوصة” و”المواطنة” و”المساواة” برنامجاً وطنياً فلسطينياً.

فدسترة “فك الارتباط” تعني إزالة الضفة الغربية من الدستور الأردني، وهذا يعني تثبيت أساس دستوري لسحب الجنسيات. ولا يهم القول هنا أن السحب سيطال الفلسطينيين الذين قدموا للأردن بعد عام 1988 فقط، لأن سحب الجنسيات سيكون أساسه شطب أردنية أهل الضفة الغربية دستوريا، وبالتالي تأسيس سابقة سحب الجنسيات من الفلسطينيين الأردنيين الذين لن يجدوا بعدها أساساً قانونياً لشمولهم بالجواز الأردني، سواء جاءوا الأردن بعد ال88 أو قبلها.

ولمن لا يفهم تاريخ اللجوء الفلسطيني، وقلق اللجوء على لجوء، أي اللجوء المتكرر، وتجربة فلسطينيي الكويت ونهر البارد والملايين المشردة حول الأرض، وال48 وال67، وال82 في لبنان، فإن ذلك يعني تهديد مئات آلاف العائلات في مصيرها ومستقبلها، دون طرح مشروع تحرير يعيدها إلى فلسطين – ولا عودة بدون تحرير -، بل فيما تنسد الآفاق وتتوجه قوى الإسلام السياسي، على ما يبدو، نحو القبول بمشروع الدولة في حدود ال67 والاقتصار على “المقاومة الشعبية” غير المسلحة والالتزام بهدنة طويلة الأمد عبر غزة، وفيما يتم إسقاط اللاجئين من المشروع الوطني الفلسطيني أو مشاريع التسوية، وفيما يعيش المشروع القومي العربي مرحلة جزر، فإن ذلك كله يعني تحول أولئك اللاجئين سياسياً إلى احتياطيات سكانية فائضة لن تتورع الإمبريالية والصهيونية عن محاولة توظيفها في مشروع فتنة أهلية، ولن تجد صعوبة كبيرة في خلق أو إيجاد الأدوات والروافع اللازمة لتحقيق ذلك، خاصة إذا أبقيت الكتلة برمتها في حالة اختلال توازن شرقي النهر وغربه… وهو ما لا يجوز أن يسمح أو يقبل به أي مشروع وطني حقيقي أردني أو فلسطيني.

لهذا كله، وفي ضوء المسؤولية الرسمية الأردنية عن ضم الضفة وخسارتها في حرب ال67، فإن “دسترة فك الارتباط” لا تنسجم أبداً مع مطلب إعلان بطلان معاهدة وادي عربة، فهي تعني التخلي عن الضفة للاستيطان الصهيوني، لا لقاعدة محررة فلسطينية مثلاً، وهي تعني خلق أفضل الشروط لصهينة الأردن، لأن الضفة المتروكة للمشروع الصهيوني هي التي تهيئ للتوطين السياسي، وحتى لموجات لجوء جديدة.

باختصار، نحن عرب وعروبيون، ولا حياة لنا بدون ذلك، بل دمار، لكن فلسطين ليست الأردن، ولا الأردن هو فلسطين، وهذا يعني أن الأردن بدون تحرير فلسطين يترك مفتوحاً لمشروع الوطن البديل، ويعني أن لا وطنية أردنية (أو فلسطينية بالمناسبة) إلا بالمشروع القومي، ويعني أن مشروع تحرير فلسطين ضرورة ماثلة لغير الفلسطينيين أيضاً. فالفلسطينيون يريدون أن يعودوا، لكن العودة لا يحققها الفلسطينيون وحدهم.

فهرس الكتاب
الموضــــــــوع

الصفحة

أولاً: ثورة ياسمين “ديموقراطية” أم انتفاضة شعبية؟

3

ثانياً: الحراك الشعبي العربي، إلى أين؟

8

ثالثاً: الحراك الشعبي العربي أردنياً

11

رابعاً: هل المطلوب تغيير الواجهات أم السياسات؟

15

خامساً: معاهدة وادي عربة كمعاهدة تكامل إقليمي

18

سادساً: حول الأبعاد السياسية والأمنية لمعاهدة وادي عربة

20

سابعاً: بطلان معاهدة وادي عربة أساس التغيير

23

ثامناً: أي برنامج للحراك الشعبي في الأردن؟

28

للتواصل مع الكاتب وإضافة تعليقاتكم:

http://yafacenter.com/TopicDetails.aspx?TopicID=1716

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

التسوية صناعة أمريكية: بدء العلاقات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية

التسوية صناعة أمريكية بدء العلاقات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية د.غازي حسين* يؤكد هنري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *