الرئيسية / أبحاث وثائق ومؤتمرات / التسوية صناعة أمريكية: بدء العلاقات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية

التسوية صناعة أمريكية: بدء العلاقات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية

التسوية صناعة أمريكية

بدء العلاقات بين الولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية

د.غازي حسين*

يؤكد هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق في مذكراته أن علاقة الولايات المتحدة واتصالاتها مع قيادة عرفات بدأت في عام 1973. وكانت تنحصر في مستوى منخفض من أقنية المخابرات المركزية ويقول: (في أواسط 1973 أبلغني سفيرنا في إيران أن أحد المقربين من عرفات اتصل بأحد مساعديه يعتقد “خالد الحسن”)، ونقل عن عرفات اهتمامه بحوار مع الولايات المتحدة يقوم على مقدمتين:

الأولى: إن (إسرائيل) وُجدت لتبقى. والثانية: أن الأردن سيكون مقر الدولة الفلسطينية(1).

ويتحدث كيسنجر في مذكراته عن رده على رسالة عرفات ويقول أنه في 3/8/1973 أبلغ المبعوث هلمز أن هدفنا هو التعايش السلمي بين جميع الدول والشعوب في المنطقة. ويهم الولايات المتحدة أن تستمع إلى آراء الفلسطينيين حول كيفية تحقيق هذا الهدف من خلال المفاوضات، وأن تغيير حكومات قائمة في العالم العربي أمر غير مقبول، ونحن ملتزمون ببقاء المملكة الأردنية(2).

وتلقى كيسنجر في 13/8/1973 نفس الموقف الذي تلقاه من أحد قادة عرفات عبر المغرب، حيث حمل الجنرال فرنون والترز نائب مدير المخابرات المركزية أسئلة مشابهة من الملك المغربي نقلها إليه من جماعة عرفات خلال زيارته للدار البيضاء.

ويقول كيسنجر في مذكراته عن بداية اتصالاته مع عرفات:

(في العاشر من تشرين الأول عام 1973 بعد أربعة أيام من بداية حرب الشرق الأوسط (أي في خضم معارك حرب تشرين التحريرية) وصلنا خبر من عرفات، ولكن ليس من خلال المغرب بل جاءتنا رسالة عبر بيروت أبدت فيها منظمة التحرير (المقصود عرفات) استعدادها للمشاركة في مفاوضات عربية مع إسرائيل)(3).

وبعد أن تطرق كيسنجر إلى قدرة وإمكانيات منظمة التحرير آنذاك في خلق المشاكل في البلدان العربية قال بصراحة: “إن الولايات المتحدة كانت تريد من منظمة التحرير ان تتصرف على أفضل وجه خلال المراحل الدقيقة الأولى من الخطوات الأمريكية نحو مصر ففي 25/10/1973 قررنا الاستجابة للعرض كي نكسب هامشاً للمناورة، فالاتصال الوحيد الهام الذي تم مع م.ت.ف أثناء عملي هو رسالة عبر المغرب تقول: إننا مستعدون لإرسال ممثلين للقاء مسؤولين في م.ت.ف وذلك لتمكيننا من الخروج برد أمريكي على اقتراحات عرفات(4)”.

وذكر كيسنجر في مذكراته أنه تم تعيين الجنرال فرنون والترز ممثلاً للأمريكيين في المباحثات وتحدد عقد اجتماع في بداية تشرين الثاني 1973، لكي تضمن الولايات المتحدة هدوء م.ت.ف خلال رحلة كيسنجر إلى القاهرة في تلك المرحلة الدقيقة.

وبناء على طلب كيسنجر ونيكسون التقى الجنرال والترز بتاريخ 23/11/1973 في الرباط مع أبو علي حسن سلامة (رئيس جهاز الـ17) كممثل لياسر عرفات.

وعقد الجنرال والترز الاجتماع الثاني مع أحد قادة عرفات في عاصمة شرق أوسطية في آذار 1973 وحرص الجنرال والترز على أن يؤكد في هذين الاجتماعين أن يتكلم بصفته مبعوثاً للرئيس نيكسون وليس بصفته كنائب لمدير المخابرات المركزية.

وكان كيسنجر قد طلب من الجنرال والترز أن يُكوِّن فكرةً واضحةً عن تفكير ممثّل عرفات، وعليه ألاّ يقدم أية اقتراحات أو دعوة أمريكية سوى أنه ينوي متابعة اللقاءات مع ممثلي عرفات وأن على الفلسطينيين أن يفهموا أن لدى الولايات المتحدة مبدأً ثابتاً هو عدم التخلي عن أصدقائها ونحن نعتبر ملك الأردن صديقاً، ولكننا نتوقع في إطار التسوية الشاملة يمكن أن تتطور العلاقة بين الحركة الفلسطينية والمملكة الأردنية باتجاه الوفاق.

ولخّص كيسنجر نتائج اتصالات الولايات المتحدة مع ممثلي عرفات بالعبارة التالية:

(لقد حقق اجتماع والترز هدفه القريب (كسب الوقت) ومنع أي هجمات راديكالية على بداية عملية السلام وبعد ذلك توقفت الهجمات ضد الأمريكيين من جانب فصيل عرفات في منظمة التحرير الفلسطينية)(5).

وأكدت الصحف الأمريكية أن أبو علي (حسن سلامة) رئيس جهاز أمن عرفات قد قام بالاتصالات مع الأمريكيين بتوجيه مباشر من ياسر عرفات بعد اغتيال الدبلوماسيين الأمريكيين في الخرطوم. (وتم الاتفاق على وقف الهجمات على الأمريكيين من جانب حركة فتح).

وأكدت المصادر الأمريكية أن أبو علي حسن سلامة تولى مسؤولية تنفيذ هذه السياسة الجديدة التي جابهت اختبارها الأول في 16/10/1973 عندما زار كيسنجر لبنان. فقد أبلغ الجانب الأمريكي بأنه قد تقع محاولة اعتداء على حياة كيسنجر في بيروت، وهي محاولة أشار إليها كيسنجر في مذكراته بقوله: إنه اطلع على تقرير يفيد بأن هناك محاولة لإسقاط طائرته، ولذلك جرى تحويل هبوط طائرة كيسنجر من بيروت إلى قاعدة رياق الجوية.

وذكرت المصادر الأمريكية أن أبو علي حسن سلامة حشد قوة كبيرة لحماية كيسنجر أثناء زيارته إلى لبنان. وفي الوقت نفسه عملت إدارة نيكسون كسينجر على المحافظة على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان وسيناء واستخدمت الفيتو في مجلس الأمن لحمايته، وللحيلولة دون اندلاع حرب شاملة، والمحافظة على تفوق إسرائيل العسكري، متذرعةً بالحجج التالية:

ـ لن يجرؤ العرب على مجابهة إسرائيل إذا كانت متفوقة عليهم.

ـ إسرائيل قوية وآمنة ستكون متفهمة للمفاوضات ومستعدة لتقديم التنازلات.

ـ اعتراف العرب بعدم قدرتهم على استعادة أراضيهم بالقوة العسكرية سيجبرهم على التفاوض مع إسرائيل وتقديم التنازلات لها.

وعبر جوزيف سيسكو نائب وزير الخارجية الأمريكي في عام 1973 عن اعتقاده بأن الوضع الراهن في المنطقة قد تحسن بشكل ملحوظ للأسباب التالية:

ـ استمرار وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل.

ـ استقرار الوضع في الأردن بعد أحداث أيلول 1970 و1971.

ـ انخفاض العمليات الفدائية من الحدود الأردنية واللبنانية.

ـ التقليص الحاد لاحتمالات التصادم الأمريكي- السوفييتي.

ولكن خاب ظن الولايات المتحدة باندلاع حرب تشرين التحريرية، وعلى الفور أقام كيسنجر الجسر الجوي الأمريكي حتى العريش وتل أبيب لتزويد (إسرائيل) بأحدث أنواع الأسلحة لتحقيق الانتصار وبمشاركة الولايات المتحدة وتم التوصل إلى وقف إطلاق النار فلي مجلس الأمن بتاريخ 22/10/1973 ولكن العدو الإسرائيلي لم يتقيد بذلك، وقام بتطويق الجيش المصري الثالث بدعم وتأييد كاملين من الولايات المتحدة وبالتحديد اليهودي هنري كيسنجر.

وفي صباح 24/10/1973 اكتشفت المخابرات المركزية تحركات عسكرية سوفيتية تشير إلى احتمالات تدخل عسكري سوفييتي، كما بعث الرئيس السوفييتي برسالة عاجلة إلى الرئيس الأمريكي يطلب فيها القيام بعمل أمريكي سوفييتي مشترك لإجبار إسرائيل على تنفيذ وقف إطلاق النار، وأنه في حالة عدم القيام بعمل مشترك فإن الاتحاد السوفييتي سيتخذ الخطوات المناسبة من جانب واحد.

وكان الرد الأمريكي على الموقف السوفييتي استنفار القوات الأمريكية في جميع أنحاء العالم بما فيها الصواريخ النووية، ومعارضة الرئيس نيكسون إرسال قوات أمريكية – سوفيتية أو أي تحرك سوفييتي منفرد.

وتالياً عرضت إسرائيل ويهود الإدارة الأمريكية وعلى رأسهم كيسنجر السلم العالمي إلى أفدح الأخطار، خطر المواجهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي دفاعاً عن احتلال إسرائيل للقدس والجولان وسيناء، وجنوب لبنان وتحقيقاً للاستعمار الاستيطاني اليهودي لإقامة أكبر غيتو يهودي عنصري واستعماري وإرهابي في قلب البلدان العربية والإسلامية عن طريق تصفية قضية فلسطين بالمفاوضات الكارثية وبرعاية الولايات المتحدة الأمريكية عدو العروبة والإسلام ومبادئ الحق والعدالة والإنصاف والحليف الاستراتيجي للعدو الإسرائيلي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1ـ مذكرات هنري كيسنجر، الفقرة الخاصة بالاتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، ص 624-630.

2ـ المصدر السابق نفسه.

3ـ المصدر السابق نفسه.

4ـ المصدر السابق نفسه.

5ـ المصدر السابق نفسه.

1 تشرين أول 2013

* د. غازي حسين عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو أمانة اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

التسوية صناعة امريكية: المفاوضات و تصفية قضية فلسطين

التسوية صناعة امريكية المفاوضات و تصفية قضية فلسطين د. غازي حسين ـ مقدمة تاريخية ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *