الرئيسية / أبحاث وثائق ومؤتمرات / معركة وهمية في الاسلام اسمها: الحجاب والسفور

معركة وهمية في الاسلام اسمها: الحجاب والسفور

منجية السوائحي*

لا يزال الحجاب يثير جدلا، في البلاد العربية والإسلامية وكذلك البلاد الغربية كفرنسا، بين رافض له كعلامة على إهانة المرأة وإخضاعها واستنقاصها، وبين مؤيد له كلباس شرعي إسلامي ينضوي تحت الخصوصيات والحريات العامة. وحرّك فيّ هذان الموقفان السواكن فعزمت على تعميق البحث في ظاهرة الحجاب اليوم، هذه الظاهرة التي يخص بها الاسلام وحده خطأ أو جهلا أو عمدا لوصفه بدين التحجر وظلم المرأة واحتقارها والغريب أن من يسمون أنفسهم مفكري الإسلام الكبار يدافعون عن الحجاب دفاع المستميت حتى أنهم باعوا الأرض والعرض وتمسكوا بالمظاهر.

هل حقا الحجاب خصوصية إسلامية و فرض شرعي؟

إن الجواب يتطلب دراسة موضوعية عقلانية تسبر التاريخ ولا تتلاعب بالعواطف إما لتستغفل البسطاء فتحبب إليهم هذا اللباس بما تقدمه من عرض أزياء ومن معلومات غير صحيحة وإما بالاستناد الى طرق استفزازية ساخرة تنفر منه. والأمر أهون من هذا وذاك، ولنعد إلى التاريخ ليكشف لنا عبر مراحله القديمة أن الحجاب وجد عند اليونان وفي الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام.

1- الحجاب عند اليونان:

وجدت ظاهرة حجب المرأة عن العيون فلا يراها إلا زوجها وأولادها منذ القديم عند اليونانيين ومنعوها من ارتياد الأماكن العامة والتدخل في الشأن السياسي وغيره واعتبروا صوتها عورة لا بد أن لا يتجاوز البيت “فحبس صوت السيدة المصونة في البيت كما يحبس فيه جسمها” بعبارة توكيديدز(1).

ومن آليات الحبس وضع المتاريس على أبواب الأجنحة التي تسكنها النساء وأوصى المؤرخ القديم زينزفون ومعه أرستوا فان (2) بالإستعانة بكلاب الصيد حتى لا تخرج النساء؛ ولماذا تخرج المرأة وهي ليست مثل الرجل يحتاج إلى بيت يحميه وإلى الهواء المنعش يعيد له النشاط ، وتساعده قوته الجسدية على تحمل الحرارة والبرد وتعب التنقل، والخدمة العسكرية وفرضت عليه الآلهة العمل ليعيل أهله؛ أما المرأة بطبيعة تركيبتها الجسدية فإنها لا تصلح إلا للأعمال المنزلية والإنجاب ومن الأشرف لها أن تضل داخل البيت، واعتبر هذا القانون فرض الآلهة صادق عليه البشر ومن يخالفه يعاقب مما دعا زينوفون الى ضرورة فرض الحجاب على النساء اللاتي يذهبن لأداء الصلاة بتعلة أن الشعر من أكبر المغريات ويخشى أن يفتتن به الرجال والملائكة أنفسهم أثناء أداء الصلاة(3).

وهكذا ظهرت فكرة الحريم و حجب الزوجة عن العيون لأنها ملكية خاصة للزوج فلا تتساوى بالملكية العامة الجواري والغواني والبغايا منذ عصر هوميوروس وهزيود وتواصل مع فلاسفة اليونان الكبار سقراط وأفلاطون وأرسطو، وسبب هذا الحجب في تحليل Louis Morgan (1818-1881م) عالم الانتروبولوجي الأمريكي يعود الى أسباب اقتصادية صرف بدأت مع شيوع الملكية الخاصة وعندها فكر الرجل في أهمية عفة المرأة / الزوجة ليضمن نقاوة سلالته من الأبناء ولن يصل الى هدفه إلا بحجب الوعاء الذي يلد النسل وهي الزوجة وعندها فقط يتأكد أن الأبناء من صلبه فيطمئن على من يرث ثروته من بعده (4).

ولذلك أوجبوا عليها -اذا اضطرت إلى المشي في الشارع- أن تكون محجبة و منقبة كعلامة على المرأة الحرة المتزوجة ملكيّة الرجل الخاصة. وفعلا كانت نساء اليونان طبعا الزوجات تستعمل الخمار والنقاب إذا خرجت لتخفي وجهها عن المارة.

الحجاب عند اليهود

عرف العبرانيون الحجاب منذ عهد إبراهيم عليه السلام وانتشر بينهم في أيام أنبيائهم جميعا وتواصل إلى ما بعد ظهور المسيحية والدليل على ذلك تردّد كلمة البرقع في أكثر من كتاب من كتب العهد القديم.

نقرأ في الاصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين “ورفعت رفقة كذلك عينيها ورأت إسحاق فترجلت عن الجمل وسألت العبد.. من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا ؟ فقال العبد هو سيدي فتناولت الحجاب وتغطت”(5).

وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من نفس السفر “… فقيل لثامارا: هو ذا حموك قادم لتمنه لجزّ غنمه فنزعت عنها ثياب ترملها وتبرقعت وتلفعت وجلست عند مدخل عينايم التي على طريق تمنة”(6).

وجاء في نشيد الإنشاد الإصحاح الأول: ” قل لي يا من تحبه نفسي أين ترعى قطعانك وأين تربض بها عند الظهيرة ؟ فلماذا أكون كامرأة مقنعة أتجول بجوار قطعان أصحابك”(7) .. وفيه أيضا “… عيناك من وراء نقابك كحمامتين … وخداك كفلقتي رمانة خلف نقابك”.

وفي سفر أشعيا أن الله سيعاقب بنات صهيون على تبرجهن والمباهاة برنين خلاخيلهن و ينزع عنهن زينة الخلاليل والضفائر والحلق والأساور والبراقع والعصائب، وانطلاقا من هذه الآيات التوراتية فرضت الشريعة اليهودية قديما على الزوجة أن تغطي رأسها وتر كامل جسدها بملاءة عدا ثقبا واحدا تنظر من خلاله لترى الطريق والأفضل لها أن لا تخرج من البيت، وإن كانت تريد التعلّم فلتسأل رجلها وهي في البيت؛ وسبب المنع من الخروج أنها طائشة وخفيفة العقل وميّاله بفطرتها إلى الشرّ؛ ولذلك استحدثوا الحجاب الساتر في المعابد للفصل بين الرجال والنساء وخصوهنّ بمدخل خاص وحرّموا عليهن مصافحة الرّجال؛ لأنهنّ نجاسة واشترطوا عليهنّ الصمت داخل أماكن العبادة توقيرا للرجال، ولأن صوتهنّ عورة وبناء عليه منعوهنّ من ارتقاء المنصة خلال الصلاة لتلاوة التوراة بصوت مرتفع؛ فلماذا تتلو التوراة وصوتها عورة منذ أيام أرسطو الذي رأى أن الصمت هو تاج المرأة وزينتها لكنه ليس كذلك بالنسبة للرجل وهي أيضا ناقصة عقل والرجل كامل العقل.

فما هو موقف كل من يروج لمقولات النساء ناقصات عقل ودين وصوت المرأة عورة، ووجوب أن تقرّ المرأة في بيتها؛ ألا يعلمون من أين استقوا هذه المفاهيم التي تجاوزها الإسلام فان علموا فوامصيتاه وان جهلوا فالمصيبة أعم وأطم.

الحجاب في المسيحية :

منع المسيحيون قديما المرأة من أن تخرج حاسرة الرأس ودون نقاب وإذا خالفت القانون وذهبت الى الكنيسة عارية الرأس تعاقب بقص شعرها حسبما جاء في رسالة القديس بولس إلى أهل كورنثوس وهو يرى أن النقاب شرف للمرأة، و يدعو الأب المسيحي كلمنت الاسكندري َClément Alexandre (150-223م) المرأة إلى تغطية كامل جسدها كلما خرجت من البيت لان هذا النوع من اللباس هو الذي يحميها من نظرات الرجال فإذا وضعت الخمار على وجهها حمت الرجل من أن يقع في الخطيئة؛ ولاكتساب شرعية للخمار يرى هذا الأب أن الخمار مشيئة الكلمة الربانية التي تأمر المرأة أن تصلي وهي محجبة (12)، وسار على هديه الأب ترتوليا Tertullion (160-230م) من أشهر الآباء المسيحيين في زمنه فأوجب على المرأة أن تضع خمارا وتستر وجهها بنقاب وأن تخفي مفاتنها ولا تعتني بجمالها الطبيعي وتسعى إلى القضاء عليه؛ لأن ذلك الجمال يمثل خطرا كبيرا على الرجل ولا تقل حدّة تلك الخطورة إلا إذا حجبت المرأة جسدها من قمة الرأس إلى أخمص القدمين (13) وزيادة في التشدد منعت المسيحية على المرأة أن تزين الحجاب أو تزركشه ومن تفعل ذلك تصنف مع النساء اللاتي خلعن برقع الحياء (14).

ومن حجاب الجسد في لباس معين إلى حجبها في البيت فواجب المرأة في المسيحية القديمة أن تلازم بيتها ولا تسمح لأحد برؤيتها ولا يمكنها أن تذهب إلى الحمام ولا المسرح ولا ترتاد الساحات العامة ولا تذهب إلى الحفلات ولا تشاهد المباريات الرياضية ولا تتجول في الشارع لأنها إذا فعلت هذا ستتعرض لمضايقة الرجال وتوقعهم في الخطيئة. واذا اضطرت للخروج لتحضر التمعات المسيحية يجب عليها أن تحتجب لتصلي ولتعلن انها خاضعة للرجل. وتواصلت عادة الحجاب والنقاب مع القديس يوحنا ثم الذهب (345-407) خاصة طرطوس بلد القديس بولس.

ثبت أن نظام الحجاب والنقاب سبق ظهور الإسلام بما أن الكتب السماوية كما رأينا ذكرت البراقع والعصائب ما لم يذكره القرآن وزيادة عن الكتب السماوية نجد كتبا بحثت في أخبار الحجاب الذي كان يتخذ لستر المرأة ويشترك فيه النساء والرجال في بعض الأحيان وأخبار البرقع جزء من الأخبار المستفيضة عن حجاب العزلة في البيوت و خارجها في الطرقات والأسواق).

الحجاب في الاسلام :

جاء الإسلام وعادة الحجاب منتشرة حيث كانت المرأة في مكة تضع الخمار وتسدله وراء ظهرها وترتدي الجلباب وهو ملحفة أو ملاءة تلبسها فوق الثياب كلها.

ومن عادة نساء مكة إذا خرجن ليلاً إلى الغيطان لقضاء الحاجة يلقين جلابيبهن أو يسدلنها وراءهن، فيتعرض الشباب لمن لا تكون مستترة ظنا أنها أمَة، لأن الأمة هي التي تعتمد إظهار محاسنها، وهي التي تبتذل عرضها. وتعرضت نساء النبي للإيذاء فأمر الرسول وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن فضل جلابيبهن فيسترن بها رؤوسهن وصدورهن لكي يعرفن أنهن حرائر ومؤمنات فلا يؤذين، هل حدد هذا الأمر نوعا خاصا من اللباس تلتزم به المرأة المسلمة …؟

في سورة الأحزاب وهي مدنية باتفاق، وتعد التسعون في عدد السور النازلة من القرآن نزلت بعد سورة الأنفال و قبل المائدة (19) “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين” (الآية59) والأمر واضح هنا بوضع الجلباب وهو “ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار تلبسه المرأة للتمييز بين الإماء والحرائر حتى لا يتعرض الشباب إلى الحرائر ويتمكنوا من التفريق بينهن وهذا من سد الذريعة على حد عبارة ابن عاشور (20).

ولا نجد في القرآن أو السنة نصا دقيقا يحدد نوعا خاصا من الجلابيب تلتزم كل النساء المسلمات به، يؤيد قولنا هذا ما جاء عند المفسرين والمحدثين والقدماء ومنهم ابن عاشور الذي يقول :

“وهيهات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف النساء تبينها العادات والمقصود هو ما دل عليه قوله تعالى: “ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين”(21) وقبله بقرون يقول ابن حجر العسقلاني: “… فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرُبّ قوم لا يفترق زيّ نسائهم من رجالهم في اللبس ولكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار (22).

لا تحدّد الآية زيّاً خاصا تلتزم به كل النساء المسلمات في العالم، إضافة إلى أن الأمر بلبس الجلابيب لم يكن الهدف منه الجلباب في حد ذاته وإنما ما يرمي إليه من تحصين الحرائر حتى لا يؤذين، فهو علامة تميز بين الحرائر والجواري حسب التنظيم الاجتماعي – قديما – فإن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء إذا تسترن واحتجبن ويقول لهن: أتتشبهن بالحرائر” (23).

وبعد هذا التوضيح أرى أن اللباس تقليداً اجتماعيا يخضع لعادات البلد وسكانه، ومثل الوطن يجب أن يحافظ عليها المواطن واعذروني في استعمال كلمة يجب هنا وقد اضطررت إليها لأني لست ممن يستعمل هذه العبارة ومرادفاتها في البحوث العلمية. ولذلك لا يمكن أن نجبر النساء على زيّ موحد ونزعم أنه من فرض الإسلام.

وهكذا كانت الجلابيب للتميز بين الحرائر والإماء اللاتي كن يمشين حاسرات، أو بقناع مفرد يعترضن الرجال فيتكشفن ويكلمهن، فإذا تجلببت وتسترت كان ذلك حجابا بينها وبين المعترض بالكلام، والاعتماد بالإذاية(24).

ونأتي الآن إلى الآية 53 من سورة الأحزاب: ” وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم و قلوبهن و ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله”. ذكر المفسرون ستة أخبار في سبب نزول هذه الآية، اخترت منها واحدة تكاد تكون جامعة لبقية معاني الأخبار المذكورة يقول الخبرالأول: “روي أن عمر قال: قلت يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب”.

يدعمه الخبر الثاني في سبب نزولها ومفاده أن رسول الله لما تزوج زينب بنت جحش … أولم عليها فدعا الناس، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم و زوجته مولية وجهها إلى الحائط. فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس: فما أدري أنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل الحجاب”.

والذي طلب أن تحتجب نساء الرسول هو عمر بن الخطاب وهو معروف بتشدده مع فوافق الوحي رأي عمر حسب الروايات المذكورة.

فما هو مفهوم الحجاب في هذه الآية ؟

“هذه الآية شارعة حجاب أمهات المؤمنين… والحجاب الستر المرخي على باب البيت”(26) وقد عقب بعضهم على هذه الآية: “أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب ، وليس الحجاب في هذه الآية تغطية وجه زوجات النبي عليه الصلاة والسلام.

وتحقق بما جاء في آية الأحزاب هذه وفي قوله تعالى: “يا نساء النبي لستن كأحد من النساء” معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركب من ملازمتهن بيوتهن وعدم ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين، وهو حجاب خاص بهن لا يجب على غيرهن.

فماذا تقول سورة النور في الآية 30، والسورة مدنية باتفاق وتعد المائة في ترتيب نزول القرآن نزلت بعد “إذا جاء نصر الله” وقبل سورة الحج. تقول الآية الكريمة: “و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن و لا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن”.

تأمر الآية بجملة من الآداب منها غض البصر وتجنب الزنا وإخفاء الزينة واستعمال الخمار. فما هي الزينة ؟ جاءت كلمة “زينتهن عامّة” مما اضطرّ المفسرين إلى الاختلاف في ضبطها و تحديدها بين زينة خَلقية وزينة خُلقية، وبين ما يمكن للمرأة أن تخفيه وما يمكن أن تظهره يقول الزمخشري:”فإن قلت لم سمح مطلقا في الزينة الظاهرة قلت: لأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بُدًّا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات، وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهن وهذا معنى قوله “إلا ما ظهر منها” يعني إلا ما جرت العادة والحيلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما سمح في الزينة الخفية أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم و خالطتهم ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولِمَا في الطباع من النُّفرة عن ممارسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار والنزول والركوب وغير ذلك.

وقال ابن عاشور ” وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله، وفسر”ما ظهر” بالوجه والكفين، قيل والقدمين والشعر، وعند القرطبي: “اختلف الناس في قدر الزينة فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال عطاء والأوزاعي وابن جبير: الوجه والكفان، وقال ابن عباس و قتادة … ظاهر الزينة: الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع، والقرطة والفتخ، ونحو هذا مباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس.

وقال ابن عطية ” ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وتجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن أو نحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفوّ عنه.

واختلفوا أيضا في تحديد ما يظهر منها من الجسد فمنهم من قال الوجه والكفين ومنهم من قال يجوز الكشف إلى نصف الذراع استنادا إلى هذا الحديث الذي ذكره الطبري أن الرسول قال: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وججها و يديها إلى هاهنا “و قبض على نصف الذراع.

تفيد هذه التفسيرات الاختلاف في تحديد الزينة حتى أوكلها ابن عطية إلى اجتهاد المرأة حسب ظروفها وحركتها، واعتبر ابن عاشور الشعر من الزينة الظاهر عند بعض المفسرين، وأجاز طنطاوي جوهري أن تبدي ما ظهر من زينتها وإذا خاف الرجل على نفسه الفتنة فليغضض من بصره.

بناء عليه يكون المبدأ الأساسي في الإسلام الستر وعدم المبالغة في الزينة وقد تجاوز هذا الدّين النظام القديم في حجاب المرأة كما رأينا سابقا كما بين أن الحجاب لا يعني حجب المرأة في البيت ومنعها من ممارسة حقها في الحياة مثلها مثل الرجل. وقد رفضت عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب تغطية الرأس مما يؤكد أن اللباس لم يكن موحدا قديما وثبت في الآثار أنه كان متنوعا أيام عمر بن الخطاب فهذا مالك يقول: بلغني أن عمر بن الخطاب نهى عن لبس القباطي وهي ثياب ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها، فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها، وتبدي ما يستحسن منها.

إضافة إلى هذا فإنه جاء في الآية بعد ذكر الرجال الذين يمكن للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم لأنهم من المحارم هذا الكلام :”أو ما ملكت أيمانهن” من الإماء والعبيد، فينظر العبد من سيدته ما ينظر المحرم وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما. وكانت عائشة تمتشط والعبد ينظر إليها، وقالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حرّ. وفي حديث أنس أن النبي وهب فاطمة عبدا وكان عليها ثوب إذا أقنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك قال :”إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك أو غلامك”.

هذا ما ذكر في الزينة الظاهرة ويعتبر في ذلك الزمن ثورة على الموجود من حجاب مبالغ فيه أو خلاعة تنافي كل القيم الأخلاقية بلغت حد الطواف بالبيت العتيق عراة. وما جاء به الإسلام فيه الكثير من رفع الحرج عن المرأة فإذا كان لها رجل يخدمها في البيت شأن العبد قديما الخادم حديثا فلا يمكن أن تحتجب عنه ومن ثم يبقى تحديد ما ظهر من الزينة خاضعا للاجتهاد البشري، وما يظهر منها وما يخفى خاضعا للآداب العامة التي تجمع عليها كل الشرائع وكل القيم الأخلاقية الفاضلة.

ننتقل الآن إلى بيان الخمار في قوله تعالى:

“وليضربن بخمرهن على جيوبهن” فما هو الخمار؟

الخمر هي المقانع وكانت النساء قبل الإسلام تشددن خمرهن من خلفهن، وأن الجيوب كانت من قدام فكانت تتكشف نحورهن… فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتغطي بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بها من شعر و زينة الحلي في الآذان والنحور وموقع العقدة منها (38).

والجيب أعم من فتحة الصدر حسب ما جاء في فتح الباري أن الجيب هو ما يقطع من الثوب ليخرج منه الرأس أو أيد أو غير ذلك”

و المقصود بالجيب في الآية طوق القميص مما يلي الرقبة، وكانت جيوب النساء واسعة تكشف الصدر وربما الثديين فأمرن بوضع الخمار على جيوب القمصان لستر الصدر.

فالخمار موجود وهو عادات لباس المرأة العربية في ذلك الزمن، وما فعله الإسلام أنه أمر بستر العنق والصدر والثديين وكل ما يسبب الإغراء ويعتبر المرأة بضاعة، فدعا المرأة لتظهر في مظهر محتشم،
وهي دعوة جميع الأديان والقوانين المعقلنة، وتعرف بها النساء صاحبات القضايا الفكرية والمناضلات في مختلف مجالات الحياة، واللاتي ترفض أن تكون المرأة للمتعة الجنسية فقط وأن تصبح شيئا ماديا وهذا هو الفهم المنطقي والمقبول لمفهوم الزينة والخمار، ولا يمكن أن نقبله على أنه قبر لجسد المرأة ولعقلها داخل البيت أو خارجه. فليس الخطر في أن تلبس المرأة الحجاب أو لا تلبسه إنما الخطر في أن يصبح ذلك اللباس وسيلة لحجبها داخل البيت ومنعها من المشاركة في الحياة والأخطر أن تعود إلى التمييز بين الحرائر والجواري بعد اندثار هذه الظاهرة. ويكون سببا في التراجع عن حقوق المرأة التي اكتسبتها سواء عن طريق النضال المتواصل أو عن طريق الإرادات السياسية الواعية والمتنورة.

هذا وإذا رجعنا إلى القرآن لا نجده استعمل كلمة “الحجاب” كمصطلح لتحديد نوع اللباس، وإليكم معانيه:

– الحجاب في سورة الأعراف الآية 46: سور فاصل بين مكان الجنة ومكان جهنم.

– الحجاب في سورة الإسراء الآية 45: الساتر الذي يحجب البصر عن رؤية ما وراءه.

– الحجاب في سورة الإسراء ص 52: الستر في البيت الذي تحتجب وراءه المرأة وغيرها.

– الحجاب في سورة فصلت الآية 5: الساتر للمرئي من حائط أو ثوب، أو ما يمنع النفس من الهداية.

وما نخلص إليه أن اللباس الذي تفرضه جماعة معينة وتضع له مواصفات حسب هواها لتحجب المرأة جسدا وعقلا وروحا لا أصول له في الإسلام وتعود أصوله إلى الثقافات القديمة التي ذكرنا بعضا منها وأن كل ما استحدثه بعض الناس من المبالغات في حجب النساء يعود إلى عدم ثقة الرجل بنفسه أولا ثم بالمرأة ثانيا، والمفهوم من الستر في القرآن ليس إخفاء النساء و حبسهن في البيوت أو في لباس معين لأن الأمر بغض الأبصار في القرآن لا يكون مع حجب النساء عن الأنظار، و منعهن من الخروج ولم يكن لباس المرأة في حياة الرسول مانعا للمرأة من الخروج مع الرجال إلى ميادين العمل والقتال، والعبادة فالحجاب المقصود هو الحجاب المانع من الابتذال والخلاعة وما من ديانة ولا شريعة ولا قانون يحمد منها أن تأذن بالتفسخ أو يحمد منها أن تغض عنه البصر، ولا تفرض له آدابا تهذبه وتكف أذاه.

20 تشرين أول 2013

* د. منجية السوائحي أستاذة متخصصة في التفسير الحديث للقرآن في جامعة الزيتونة – تونس

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

التسوية صناعة امريكية: المفاوضات و تصفية قضية فلسطين

التسوية صناعة امريكية المفاوضات و تصفية قضية فلسطين د. غازي حسين ـ مقدمة تاريخية ـ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *