الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / المستضعفون في الأرض وكرة القدم

المستضعفون في الأرض وكرة القدم

ادريس هاني

أخيرا التقت المصالح الكبرى للإمبريالية مع الرجعية في مسار الترشح لمونديال 2026..الضحية هذه المرة هو المغرب: حليفهم الذي لا زال يخسر سمعته الدولية والإقليمية بسبب بطارقة الحقد والثّأر..ضحية لمن اختارهم حلفاء..كان ينتظر أن يكون ذلك موضوع شماتة لعرب آخرين، لكن محور الممانعة لم يشمت بل معظمه صوّت لصالح المغرب..عن أي أنواع من الثّقة يا ترى لا زلنا نتحدّث؟..المتعجرفون صوتوا لصالح أمريكا، والمستضعفون في الأرض صوتوا لصالح الملف المغربي، إنّها ليست لعبة الكرة، بل هذه لعبة أمم بكلل أسبابها ومسبّباتها..كنت أدعوا الله أن يسلط عليهم آية تسقط أقنعتهم وتوقف صنبور الدعاية الرجعية بصدق أهدافها النبيلة وحرصها على أمن وتنمية العرب، ذلك لأنّ دعايتهم أعمت الأبصار وأفسدت البصائر.

في الكرة سقطت كلّ الأقنعة..اليوم تظهر إمبريالية الكرة من دون قناع، حتى الرجعية أظهرت موقفها الغادر من دون قناع..فكرة المحاور الإقليمية التي تدير مصالح أمريكا حتى حينما يتعلق الأمر بشقيق يسلك معهم واديا سياسيا غير ذي زرع لم يعد لها معنى ..نستطيع وضعها فيما سميناه قبل أيّام بالميغا-مغالطة..يمكن تطبيقها على خطاب الأحلاف الهشّة..في الجيوبوليتيكا لا يمكن الخوف من الدول التي لها عراقة تاريخية أيّا كانت وجهتها العارضة في السياسة والاستراتيجيا..إنما يأتي الخوف من الكيانات المصطنعة التي تستمرّ في الوجود والتاريخ بالوقود لا بالعمق التّاريخي والموارد البشرية..قالها الرّابّور:(حين ينضب النّفط مرحبا بكم في دكّالة)..لكن أيضا في منطق الأحلاف هناك مكر التّاريخ..محصول البنيات التناقضية للأحلاف غير الطبيعية..هناك يوجد المنعطف لتغيير السياسات، والتخفيف من وطأة الارتماء في التوريط الذي تنتهي إليه حالة “التنبلة” الاستراتيجية..

لو كان المغرب مستهدفا في تلك الأيّام كما استهدفت دول أخرى في المنطقة لكان موقفهم متوحّشا ضدّه كما فعلوا في سوريا واليمن وبلاد أخرى..مستعدون أن يبيعوا فلسطين من أجل إرضاء أمريكا..مستعدون أن يخربوا أوطانهم بأيديهم لإنجاز موقف ثأري..إننا نتفهّم الموقف السعودية والإماراتي الثأري – الباقي مجرد توابع – من المغرب في جملة من الأمور منها تخفيفه وتراجعاته في الحلف العسكري ضد اليمن، استقلاله بموقف حيال النزاع بين الرياض والدوحة، 17 طائرة عسكرية من المساعدات إلى غزّة التي تعاقبها الرياض والإمارات، رفض قرار نقل سفارة واشنطن إلى القدس، والتصريحات السابقة للمغرب في اجتماع الرياض بأنه ضد التقسيم في سوريا ومع الحلّ السياسي، وأشياء أخرى بالنسبة لموقف رسمي تمثل رغم بساطة ظاهرها، خطأ لدى التحالف الثّأري لأنّه يؤخّر مسار التطبيع والهرولة إليه..وتبقى هذه الإجراءات غير كافية لا سيما بعد انكشاف الدور التآمري لحليف يراهن على عجزنا وتخلّفنا واصطفافاتنا الخاطئة..

هذا في حين وجب التذكير بأنّ 14 دولة عربية صوتت لصالح المغرب و7 فقط لم تصوت بتأثير من الرّياض..أي حتى لا يقع جمهور أسود الأطلس في الغلط ضدّ العرب، فإن أحرارهم وأغلبيتهم صوتت لصالح ملف المغرب في المونديال..وهذا شرف قومي في زمن “التخبيصولوجيا السياسية”..واالأمور تأخذ أبعادا لا يمكن التكهن بها..فلقد ألغى المغرب مشاركته في اجتماع دول تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية يوم الخميس الفارط، وجاء في بيان وزارة الثقافة والاتصال بالمغرب، بأنّ محمد الأعرج، وزير الثقافة والاتصال، لن يشارك في أشغال اجتماع وزراء إعلام دول التحالف لدعم الشرعية في اليمن.. في العلاقات الدولية والإقليمية أيضا ظاهرة السّبات، وهناك الكثير من الأخطاء التي تساهم في إيقاظ النائمين..

وهم قبل كل هذا وبعد كل هذا يهينوننا..لا يحترموننا..هم يحترمون فقط من يحلبهم قهرا كالبقرة..في بدايات التسعينيات قال لي المرحوم المنجرة ذات مساء في مكتبه بالرباط: أتمنى أن يحرق الله هذا النفط العربي، لأنه يورّث العجرفة..أحسبه صائبا في هذا الحكم..فالنفط حين يصبح ريعا خالصا يحجب الرأسمال الرمزي لأمة من الأمم يتحوّل إلى عجرفة فارغة تتطوي على رعب عميق وإحساس مرضي حيال المصير..اليوم يمارسون العجرفة ضدّنا نحن الأمّة التي تقع اليوم بسببهم في مهبّ ريح جيوبوليتيكا الحقد والثّأر الجاهلي..ولقد فعلت كرة القدم في الوعي المغربي ما لم تفعله آلاف المواقف والآراء السياسية..لقد عرفوا أنّ الذي صوّت ضدّهم هو محور الحلفاء المنافقين الذين كل مرة يحاولون ابتزازنا..ولكن المفاجأة تأتي من أنّ الذي صوت لصالح ملف المغرب في مونديال 2026 هو محور الممانعة بمعية دول عربية شقيقة كان بإمكانها أن لا تصوت أو حتى تصوت ضد المغرب ويكون لها مبرر سياسي منطقي لذلك..انتصار ملف المغرب يكمن في موقف هذه الدول الشقيقة: فلسطين المقاومة، اليمن الجريح، سوريا الجريحة الصامدة، مصر العروبة، الجزائر الشقيقة، تونس الثائرة، ليبيا المدمّرة، جيبوتي ، مالي، الصومال، المستضعفة ، موريتانيا الصديقة، عمان المستقلّة، حتى آخر دولة التحقت بالعرب: جزر القمر..

وبما أن المغاربة مجاذيب، استجاب الله لغضبهم فكانت حصيلة المبارة الافتتاحية في المونديال هي 5 أهداف نظيفة في مرمى شباك عدو ملفنا في المونديال..حتى إيران التي قطعنا معها علاقاتنا الديبلوماسية بسبب المناخ السيّئ لهذه الدول غير الوفيّة لم تكن ضدنا في عملية التصويت، حتى الماتش كان راقيا وتقبّل المغاربة الهزيمة التي نتجت عن خطأ من دون حقد كما نسمع من تعليقات بعضهم مثل النائب الكويتي طباطبائي الذي اعتبر هذا الماتش مثالا عن السياسة الإيرانية التي تجعل الدول تحارب نفسها بنفسها..هذا هراء، لأنه كان من الأولى أن يسائل النائب حكومته التي صوتت ضد ملف ترشيح بلد شقيق..يبدو لي أنّ الإصابة التي سددها اللاّعب المغربي هي هدية من قاع اللاّوعي المغربي للمنتخب الإيراني ضدّا في مواقف حلفاء السّوء المهينة في تغريداتهم السابقة ضدّ المغرب وكذا محاولة تحريض الشعوب فيما بينها بخطاب مستنقعي تافه..هو إذن فوز إيراني ساهم فيه هدّاف مغربي، وتلك هي الكرة حين لا تلعب بحقد..

وتسعى الدعاية إلى نشر تغريدات صهيونية تظهر تحيّزا لأسود الأطلس في عملية خداع تطبيعي بائس يقع ضحيته من لا يدرك خطورة الترويج لمثل هذه الدعايات الصهيونية، مع أنّ أسود الأطلس هم مناهضون للتطبيع أكثر من الكثير من السياسيين الذين لا يعقلون..أستغل المناسبة للرّد على من يستهين بالمواقف الإيجابية ولا يرى إلاّ الجوانب السلبية التي هي عارضة ولا تنطلق من جوهر الموقف..ترويج صورة مثل هذه خدمة مجانية للاحتلال، بينما لنتذكّر موقف اللاّعب المغربي مروان الشماخ حين رفض مرافقة فريقه “بوردو” الفرنسي إلى إسرائيل لمقابلة نادي “مكابي حيفا” في دوري أبطال أوروبا لكرة القدم، حيث قال ببراءة رياضي من تربة هذا البلد: “أنا إنسان ولي قلب، وأشعر أني معني بالأمر عندما أشاهد اعتداءاتهم على إخواننا الفلسطينيين، لذلك قررت عدم مرافقة فريقي لتلك الأراضي”.. بل لنتذكّر أيضا أنه حين استقبل فريقه للخصم الاسرائلي بفرنسا قام اللاعب المغربي بصفع اللاعب الإسرائيلي “كينان” واسقاطه أرضا، معرضا نفسه إلى إمكانية الإيقاف من لجنة العقوبات في الإتحاد الأوروبي لكرة القدم..أغتنم الفرصة لأقول: كفى مزايدة..

في أكثر من تحليل سطحي وخلط برّي وعشوائي، كان الحديث عن أن هناك حلفا للملكيات ضدّ الجمهوريات غداة الربيع العربي..وهذا التحليل الجامد فضحته الكرة..فقد تبيّن أنّ كل الملكيات العربية صوتت ضد الملكية، بينما جمهوريات كثيرة صوتت لصالح الملكية..نتحدث هنا مجازا لأنّ الكثير ممن لا يفهم المجاز أو يكفّر أصحابه مثلما فعل ابن تيمية يصعب عليه قراءة ما بين السطور..وقد تبين أن علاقة المغرب بالجمهوريات الأوربية أقوى منه بملكياتها..أقول هذا ردّا على بعض الشبهات التي يتترس بها محللون كثر لدينا وفي بلاد أخرى لم يتحرروا من كليشهات الأيديولوجيا ويصعب عليهم فهم أن السياسة كما تمارس اليوم إقليميا ودوليا ترتكز على المصالح وليس على مبرّات أشباه ونظائر النظم السياسية..هذا الذي أقوله هو تدريب – لبعض السطحيين الذين يخلطون بين المبدأ والنّظر- على التحليل الموضوعي وليس الاصطفاف وهو خطاب لفرك أوذان بعض من ينطّ من غصن إلى غصن في تحليل سياسي قردي مغالط..الموقف الثوري أوّلا وقبل كلّ شيء هو موقف علمي وأخلاقي لا يحتاج إلى المغالطة والغوغائية..فتأمّل أحاسيسك المسبقة ونزعاتك الثأرية الغبيّة واهتزازات صرحك المنطقي وإرادة التنميط البليدة قبل أن تخلط أخماس بأسداس في تحليل موقف يسافر بين أدغال المعطيات والحقائق والأفكار الواضحة المتحررة من عبودية الديماغوجية التي حطّمت مصداقية القول العربي العاجز عن الدفاع عن نفسه من دون التوسّل بالمغالطات..للتحليل السياسي أصله وقواعده التي لا تتجاوز معطيات الواقع ومنهجيات التحليل وصدق المواقف..

قلت، لقد صوتت المملكات السعودية والبحرينة والأردنية ضد المغرب، وصوتت الجمهويات السورية والمصرية والجزائرية مع المغرب..علما أنّ موقف الدول التي صوتت ضد ملف المغرب أهانت أسود الأطلس والشعب قبل أن تهين الحكومة..فلقد أهانت الحكومة الشعب مرارا أكثر مما فعل حلفاء السوء في ملف المونديال..

ولا ندري ما هي الأسباب التي حدت بحكومتي العراق ولبنان إلى التصويت ضد المغرب لصالح أمريكا، ولكن نتفهّم أنّ هذين الدول غارقة في منطق المحاصصة الطائفية، حيث حتما أنّ من صوت ضد المغرب عبّر عن اختراق سعودي وأمريكي، بينما كان المفروض أن يفتح تحقيق كما فعلت لبنان، لأنّ الموقف لم يكن طبيعيّا لا سيما وهو يستهدف ملف ترشيح ليس للمغاربة فحسب بل هو مكسب هام لكل العرب ولكل المسلمين ولكل العالم الثالث..

اليوم نتساءل أين اختفت أقلام المتملّقين الذين كانوا يهتزون أمام كلّ حدث ويعتبرون هذه الدول المنافقة هي من أوفى حلفاءنا..لماذا ابتلعوا ألسنتهم الطويلة والبليدة..أين مرتزقة الصحافة الموصولة بتلك الدّول..ما رأيهم في موقف الحلفاء الخونة؟ أين هو الكنغر الذي لكم الهواء على كل الشاشات وهو يتملّق لهذا الحلف الغادر، حيث عبّر عن مواقف شعرية عن هذا العمق الاستراتيجي..أين هو السّامري عابد العجل الذي ما فتئ يقرع آذاننا في ذات الشاشات عن هذا الغرام المزيّف..أين مرتزقة الحلف الخائن الذين باعوا أقلامهم وألسنتهم وضمائرهم لمن يستهين بنا..ألم نقل لكم حتى بححنا بأنهم يهينوننا؟

اليوم على المغرب أن يستيقظ من سباته الجيوسياسي..ليس بينه وبين ذلك المحور أي رابطة تاريخية كما يكرر بعض المتملّقين في صحافتنا..روابطنا مع اليمن كبيرة وذاكرتنا المشتركة أكبر.. تبشيع سمعة اليمني الثائر ضد الإهانة التي تعرضنا لها في الكرة وهو يتعرض لها دائما هو خطأ استراتيجي، لأنّ اليمني الثائر مشكلته معهم وليست معنا، بل هو خزّان لذاكرة عميقة باعتباره حامي موروث الأدارسة باليمن..هم بتراثهم الزيدي والصوفي والشافعي والسلاّلي أقرب إلى المغاربة من وهّابية ظلت تكفّر المغاربة وتستهين بمجتمعهم وحولتهم إلى مجال للاستغلال: لجلب شبابه الهامشي للتكفير والإرهاب ولأسوأ أنواع الاستغلال..بين المغرب وسوريا ذاكرة مشتركة تعود إلى الأدوار التاريخية للجيش المغربي في فلسطين..في حطين..في حرب الجولان..بين المغرب ومصر أواصر تحدث عنها المؤرخ الجبرتي من عهد الانتفاضة ضد الاتراك الى نابوليون الى الحرب في سيناء..أما عن الجزائر فالذاكرة المشتركة كبيرة تتجاوز عوارض السياسات..

وحدها الكرة جعلت جمهور أسود الأطلس يصفون الحليف الوهمي بالخائن..أصبحت الكرة مدرسة في الانتفاضة السياسية على الغدر..إنّ ما فعله هذا الحلف الغادر في الكرة هو نفسه ما يفعله في السياسة..لقد جنت على نفسها براقش.. إنّ الرأسمال المادي (البترودولار)حين يصطدم بالرأسمال الرمزي(التاريخ والثقافة والرجولة)، فإن الرأسمال الرمزي هو من يربح المعركة وهو من يحمي المصير…

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

من قصيدة بيات صيفي للشاعر العماني/ناصر البلال(رحمه الله)

يقتاتنى الحزن  ..  لا  الشطآن    تذكرنى        والموج  يقضم   أشعارى   ..     ومزولتى يسامر    البث     أحزانى       وينهشنى        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *