الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / علي… أنا… ورغيف خبز

علي… أنا… ورغيف خبز

بقلم: وليم ياسين عبدالله

———————————————-

كانون الثاني عام 2015
الهواء بارد والذكريات مختنقة في هذا المكان. انتهت تدريباتنا ودخلنا “المهاجع” كي نستعد للذهاب إلى المطعم و نتناول وجبة باردة من الأرز المتكتل وبعض الماء الأحمر إلى جانبه. في حياتنا المدنية نطلق على هذا الماء الأحمر أسماء مختلفة مثل “مرقة بطاطا أو زهرة أو ..” ولكن هنا تختلف قيمة الأشياء ونطلق عليها الأسماء حسب أشكالها ومضمونها فقط.
-“علي”، هيّا بنا لنلحق برفاقنا إلى المطعم. حدثته وأنا أمسك بصحني المعدني وأنتظره عند باب المهجع، لكن “علي” بقي نائما على السرير وقال لي:
-أنا متعب، لن أتمكن من الذهاب معكم إلى المطعم، أحضر لي رغيف خبز كي أتناوله قبل تدريبات وقت العصر.
-كما تريد يا صديقي. قلت له وخرجت راكضاً لألتحق برفاقي.
وصلنا إلى المطعم… يا إلهي كيف سأخبئ رغيف الخبز؟ إن رآني المسؤول عنّا فحتماً سيعاقبني، لكن صديقي متعب، ويجب أن يأكل، ثم إن رغيف الخبز من حقه فهو مخصصاته من الطعام للوجبة الواحدة.
بدأت تدور الأفكار برأسي ولم أنتبه إلاّ وصياح المسؤول يعلن انتهاء موعد الطعام، وخبأته داخل سترتي وخرجنا، كنت أشعر بالقلق الشديد، فقد أخذت رغيف خبز للمرة الأولى بهذه الطريقة.
نجحت بالخروج من المطعم أنا و رغيف الخبز، كنت مبتسماً حينها، فأنا الآن أمتلك رغيف خبز وسأعطيه لصديقي المتعب الذي لم يتناول الطعام، ولكن لم تكتمل الفرحة، تمّ صرف جميع الجنود إلى مهاجعهم إلاّ فصيلتي، تمّت معاقبتها بالكامل بسبب معرفة المسؤول عنّا أننا سرقنا خبزاً من المطعم..
انبطحوا، قفوا، انبطحوا، ازحفوا لليمين، ازحفوا لليسار، وهكذا تتالت الأوامر وأنا أفكر برغيف الخبز ماذا حلّ به…
أذكر القهر الذي شعرت به، ولا أزال أشعر بحرارة الدمعة التي نزلت على خدّي في تلك اللحظة، إنها المرة الأولى التي سرقت فيها رغيف خبز، ولكن لم تكن جريمة، فصديقي مريض وهو بحاجة لأن يأكل قبل أن يكمل تدريباته في ذلك اليوم.
انتهت العقوبة وعُدنا إلى المهاجع، كان “علي” يجلس على سريره وهو ينتظرني مبتسماً، وقفت أمامه وقلت له، أنا آسف، أخرجت رغيف الخبز المفتت من سترتي وقلت له:
-أعتقد أنّه يمكن الاستفادة من هذا الفتات…
ضحك وقال لي:
-لا عليك يا صديقي، أشكرك، لقد أعطاني صديقي الآخر بعض الطعام كان يخبئه في حقيبته… لم أرضَ في البداية أن أخذ الطعام منه لأنني أنتظرك، ولكن عندما علم أنّ هذا هو السبب قال لي أن لا أنتظرك لأنك تُعاقب مع رفاقك فالمسؤول عنكم قد علم بأنكم أخذتم خبزاً من المطعم.
ضحكنا قليلاً وتابعنا يومنا البارد دون أن نتحدث بالأمر.
كان سريري مجاوراً لسرير “علي” كنّا نفضي بهمومنا لبعضنا البعض، ونختنق أحياناً بالحديث لأننا نعلم أنّ أحدنا سيشهد موت الآخر، هناك رؤيا تقول هذا، ولكن لم نكن نتحدث بهذا الموضوع أبداً لأننا مؤمنين بقدرنا، ولا نعرف متى يكون هذا الموت.
كان رغيف الخبز في ذاك اليوم يحمل دلالاته الكثيرة بالنسبة لنا، رغيفٌ مفتت لكنه بقي معي داخل سترتي حتى وصل إلى “علي” فهذا الخير لم ينته ِ رغم أنّه تشوّه ، وكذلك “علي”غاب عني منذ أكثر من ثلاث سنوات و اختفى في أحد المعارك مع داعش وأنا أعلم أنه سيعود، فهو كهذا الخير ، يغيب ولا ينتهي.
قد وعدنا أنفسنا أن نسبح ونتناول الغداء تحت شجرة الجوز إلى جوار قناة المياه في قريتنا عند أول إجازة تجمعنا معاً ونحن لا نخلف وعداً قطعناه على أنفسنا، لذلك سيعود.
منذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة وأنا لا أتناول إلاّ رغيف خبز ٍ واحد ولا أكمل بعده حتى لو لم أشبع، لم أعرف حتى هذه اللحظة لماذا أصابتني هذه الحالة، فأنا أتوقف فجأة عن الطعام عندما أنهي رغيف خبز.
أعلم أنّ رغيف الخبز الذي أخذته ليأكله “علي” له علاقة بكثير من الأشياء التي ترسم حياتي، و لعلّ ما آكله حتى الآن هو رغيف الخبز الذي أحضرته ل “علي” ويتكرر معي في كل مرة أتناول فيها الطعام.
لم تتحقق الرؤيا التي جمعتنا سويةً، لكن كل ما أعرفه أنّ “علي” حدّثني كثيراً في حلمي وقال لي أنّه بخير، وأنا أنتظره منذ أكثر من ثلاث سنوات وأعلم بأنه سيعود ولن يشهد أحدنا موت الآخر بل سيشهد عودته فالرؤيا كان لها تفسيرٌ آخر.

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

من قصيدة بيات صيفي للشاعر العماني/ناصر البلال(رحمه الله)

يقتاتنى الحزن  ..  لا  الشطآن    تذكرنى        والموج  يقضم   أشعارى   ..     ومزولتى يسامر    البث     أحزانى       وينهشنى        …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *