الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / ذروة الإمبريالية (54)

ذروة الإمبريالية (54)

ادريس هاني

سيتأكّد بعد عقود من مقاومة وضعية التهميش أنّ الإمبريالية تشتغل وفق أساليب متطورة وشمولية تتراوح بين الصلابة والمرونة، الإمبريالية التي بجوهرها الرأسمالي تخوض حربا عالمية ضدّ كيانات لا تميّز بين طبقاتها..وقد تستعمل الإمبريالية البورجوازية المحلّية في شكلها الكومبرادوري وسيلة لتعزيز هشاشة الكيانات الثالثية وربطها بالتبعية، وقد تستعمل الطبقات الفقيرة ضدّ بعضها من خلال الضغط بالجيش الاحتياطي للعاطلين ضدّ الشغيلة، ويصبح الأمر أكثر دوليّا مع عولمة الراسميل واستعمال العمالة الرخيصة في العالم الثالث لمواجهة بروليتاريا المركز..وقد يستعمل هذا كله ضدّ البورجوازية الوطنية نفسها..وهذا ما يعني أنّ مقاومة الإمبريالية هي مطلب بات يفوق الطبقة ويتعدّى إلى مصير الكيانات في مساحة صراع إمبريالي يستهدف الوجود بلا شرطه الطبقي..إنّ سعي سمير أمين في رحلة استكشاف مستديمة للنص الماركسي لإيجاد حلول في زمن ما يسميه المنجرة بالميغا-إمبريالية تحول دون الاجتهاد في التأويل والتطوير..فالإمبريالية تفتح في كل طور مأزما جديدا..

يدين العروي وضعية الماركسية العربية، أيديولوجيتها التي أبعدتها عن جوهرها الذي يراه كامنا في فكرها التّاريخي..ماركسية يقترحها مدرسة تاريخانية لتحقيق التقدم وفق قانون الطفرة واقتصاد الزمن لكنه تطور في مسار الحداثة نفسها باعتبار الماركسية وتحديدا نزعتها التّاريخانية هي الأليق بالعرب..ماركس بالنسبة لعبد الله العروي هو الاقتصاد والتاريخ..ألّف في هذا: العرب والفكر التّاريخي، وفيه صفحات يمجدها إلياس مرقص ويعتبرها تستحق أن تحفظ عن ظهر قلب..بدوره يقدم إلياس مرقص منظورا من شأنه أن يحلّ معضلة العلاقة بين الماركسية والقومية..وأعتقد أنّه وجد طريقا ميسّرا للخروج من النظرة  الماركسية التقليدية ضدّ القومية ونظرة القومية التقليدية لنفسها حين أخرجها من الجوهرية إلى الفعل التقدمي في التّاريخ..إلى الصيرورة بدل الجمود..إلى التكوّن بدل الكينونة..وليس أمام سمير أمين غير هذا المخرج وقد قدم رأيا جامدا وأصوليا عن القومية ثم سرعان ما أدرك حتميتها في مناهضة العالم الثالث للنظام العالمي الإمبريالي..ففي تصوّري أنّ الإمبريالية تستهدف القوم بكل طبقاتهم..والقوم هنا موصولة بقيام أمّة تتشكل هويتها من خلال لغة هي ديوان نشأتها ومصيرها وعلائقها وعوائدها..هي الشّرط التاريخي للمقاومة، فلا مقاومة من دون قوم حيث منها اشتقت (قام، قياما، وقومة، وقيمومة، ومقاومة)..يقاوم القوم ويقوموا ليُقيموا على شرط الحرّية والكرامة..ومثل هذا أمر ملحّ في بيئة تتنوّع مشاربها..هذه النظرة التي تأخذ بشروط البراكسيس من شأنها أن تحقق التكييفانية الخلاّقة وصولا إلى الكتلة التّاريخية التي تعني في المجال الثالثي وتحديدا العربي التئاما بين قوى مختلفة ومتعددة تغني الحقل الدلالي للمقاومة والتحرير..إنّ الكتلة التاريخية فكرة أو مخرج اقترحه أنطونيو غرامشي في سياق استفحال تناقضات المجتمع الإيطالي ونتيجة إدراك مسبق بعدم إمكانية إن لم نقل استحالة انجاز البروليتاريا لثورتها وبالتالي تحقيق حكومة ديكتاتورية تمثّل مصالح فئة معيّنة..غير أنّ النظرة إلى الكتلة التاريخية هي نفسها تتطلّب تطويرا أبعد مدى يتجاوز المرحلة التّالية حيث يتعين قيام كتلة تاريخية على أساس وضعية تعاقدية حقيقية وليس مجرد تكتيك براغماتي لتأجيل الأزمة..فالمعركة إن باتت عالمية فهي تتطلّب ما يمكن أن نسمّيه الوضعية التعاقدية الأصلية للكتلة التّاريخية الواعية بشروط كفاحها وصورة مستقبلها..فالأصل في كل هذا انتماء، انتماء للعائلة، للقبيلة، للأمة، للقوم، للطبقة..الكنلة التاريخية هي تدبير لهذا الإنتماء المتنوع والذي لا يصادم بعضه حين يدرك قاعدته المشتركة ووحدة المصير..تبدأ عملية تصحيح الرؤية للكتلة التاريخية نفسها من خلال التأكيد على القاعدة المشتركة لمناهضة الإمبريالية، وهي قاعدة تتحدّد بوحدة الموقف..إنّ القومية ومن خلال ما سبق من محاولات إلياس مرقص باتت مشروعا مشروطا بمناهضة الإمبريالية والاحتلال والتقدم..وسيكون ذلك في نظري شاملا، حيث تتقوّم أطراف الكتلة التّاريخية بالشّرط ذاته، الذي مع انتفائه نكون أمام حالة تفكك المعنى والكينونة ونصبح مجرد حالة متخلفة ورجعية أي بتعبير آخر ما قيمة: القومية أو الدّين أو الفكر الطّبقي إن كان لا يجسد هويته في معادلة الصراع..إننا في مثل هذا الوضع مهما تنافرت مكونات وفئات المجتمع بما فيه الدولي فهي تظل موحّدة على قاعدة تخلّفها..وعليه نرى أنّ المخرج من النظرة الراديكالية للمختلف المستهدف من ذات النظام الإمبريالي التي رافقت رؤية سمير أمين وكذا مهدي عامل وغيرهما تنحلّ مع مخرجية إلياس مرقص المثال الأكثر حيوية لتعريب الماركسية، وأيضا تجد مخرجها في الكتلة التاريخية التي يمكن تجاوز نقطة ضعفها في إسنادها بوضعية أصلية تعاقدية..بهذا المخرج تستطيع فكرة فكّ الإرتباط أن تُعزّز برؤية أكثر واقعية ودينامية، وفيها تتحقق النظرة الموضوعية لتعقيد الواقع….يتبع

ادريس هاني:

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

أغنياء وفقراء بلا أخلاق

الكاتب؛ د. احمد عياش اعتقد المفكر الألماني كارل ماركس انّ الملكية الخاصة الفردية والملكية الخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *