الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / ذروة الإمبريالية(58)

ذروة الإمبريالية(58)

ادريس هاني

قد يتساءل المرء ماذا في وسع الفلسفة أن تقدّم من أمل لتنمية العالم الثالث؟..أرجو أن تسايروني في هذه المفاهيم المتداولة إلى حين نحدث رجّة تحتها لأنها أحيانا لا تؤدّي الغرض على نحو تامّ ولا تنطوي على المعنى على نحو جامع مانع..السؤال أعلاه لا موضوع له لأنّ كلّ المخرجات التي تفتح الأمل في واقع الإنسان تخرج من جبّة الفيلسوف..ولقد تمّ قتل ماركس نفسه حينما قرئ رأس المال ككتاب مفصول عن فلسفة ماركس نفسه..حينما تحول إلى نص جامد وجزء من تاريخ الاقتصاد السياسي..ظلال ماركس كما كتب ديريدا عشية سقوط الاتحاد السوفياتي، تتجلّى في فلسفته لا في الرأسمال الذي عاصر ما قبل بروز كل ملامحه الإمبريالية وهو ما جعل موقف ماركس من الاستعمار تحيط به الكثير من وجهات النظر..دور الاستعمار البريطاني في الهند والمسألة الأسيوية..غير ذلك التردد ناشئ من مرحلة لم تبلغ الرأسمالية ذروتها الإمبريالية.. هذه الملامج ستظهر أكثر فيما بعد وستجد عند لينين وضوحا أعمق في الإمبريالية آخر مراحل الرأسمالية..تنقد الفلسفة الموقف لأنها تسائل البداهة وتراقبها..وحتى الآن أشرنا إلى تجربتين على سبيل المثال لا الحصر من داخل المشهد المغربي لرجالات ثالثيين عالميين يجهلهم العرب في مفارقة لا زالت محلّ استغراب لدينا. عالميين أي نعم، لأنّهم تحركوا عبر القارات الثلاث وتركوا بصمات الفكر والموقف وأنجزوا مهاما كبيرة، سأتناول مثالا آخر لمؤسس للمدرسة الفلسفية المغربية والذي منذ البداية أعلن نفسه مناهضا للإمبريالية على طريقته..محمد عزيز لحبابي الفيلسوف والأديب – من خلال أشعاره ورواياته واحدة منها تربّى عليها أجيال من المغاربة بعنوان: جيل الظمأ – رشح لجائزة نوبل للآداب سنة 1987..فالسؤال هنا أبعد، لأنّ لحبابي هو النسخة السارتيرية المغربية..يتأكد ذلك بوضوع في: من الكائن إلى الشخص..لكنه سينخرط بنقد أسميه الأفق الوجودي للمناضل الثّالثي..ذلك لأنّ الوجودية لن تقف عند الصراع الطبقي ولا عند تفاصيل ميكانيزمات تراكم رأس المال، فنظرتها للإنسان تعانق العلوّ..التجاوز..الأنطولوجي..الترانسندنتالي..سوف أعبّر عن رأيي في مورده عن أنّ المعركة الوجودية في مداها الأنطولوجي مع الإمبريالية أمر يمنح للفلسفة وظيفتها بل يقرّ لها بجدوى أجوبتها..فالإمبريالية تهضم كل شيء وتسري في كلّ شيء، وهي تسعى لكي تقمع السؤال الأنطولوجي تحت طائلة التشييئ الممنهج لكل نشاط الإنسان إلى حد الاغتراب، وحينها تعود الأشياء منفصلة لتمارس سلطة القهر وتلغي الأنسنة وتقتل السؤال الأنطولوجي..هذا السؤال هو خارج سلطة التشييئ، وحده يحمل إمكانات مخيفة للإمبريالية وهي تزاحمه في سوق المعنى..إن الإمبريالية تسعى لتشييئ السؤال الفلسفي نفسه: ظهرت فلسفات تسأل في حدود ما تتيحه الإمبريالية ويعمّق سلطتها على العقل..فلسفة العقل الأداتي لو شئنا الاستعارة من هابرماس..نعود إلى محمد عزيز الحبابي وهو ينجز مهمّة مناضل ثالثي يرسل عبر مشروعه “الغدية” خطاب اتهام للإمبريالية الغربية..صوت من العالم الثالث يستحق الإنصات أو كما ذكر ناشر”عالم الغد”، مستشهدا بقولة للفيلسوف والمؤرخ الفرنسي أندريه روبينيه(andre robinet): ” يجب أن نسمع صوت هذا المغاربي، هذا المفكر، يجب أن نمعن الإنصات للحبابي، في هذا الكتاب، الإلتزام بالشخصانية الواقعية، بإلحاح قويّ، قلّما عرفه التّاريخ المعاصر”..رسالة التّحدّي في الغدية كما صاغها لحبابي بشاعرية ونزعة وجودية ليست إعلان حرب ولا حتى مرافعة كما يؤكد بل شهادة..تستطيع الوجودية أن تقدّم الكثير للعالم الثالث كنزعة ورؤية حينما تلتزم: هل يا ترى نستطيع الحديث عن وجودية عضوية منتمية؟ بين سارتر والحبابي حكاية صمود على ذات الاحتجاج..تراجع سارتر عن موقفه الداعم لكوبا بينما استمر الحبابي في تحدّي الغدية مندمجا في زفرات العالم الثالث..قبل إكمال الحديث عن رسالة التحدي برسم الغدية لا بدّ من التذكير بالتجربة السارترية نفسها التي أعلنت عن تحيّزها لنضال العالم الثالث..حين انتصرت الثورة الكوبية كان سارتر ورفيقته سيمون دي بوفوار ضمن الوفود التي شاركت كوبا الاحتفال بالانتصار في عام 1960..كان غيفارا – الذي ولع بكتابات سارتر – في استقبال فيلسوفه المفضّل حيث طال اللقاء إلى 4 ساعات..عاد سارتر من تلك الرحلة مبتهجا حيث كتب عنها مجموعة من المقالات- 16 مقالا-..وسوف يصف سارتر غيفارا حين تناهى إلى سمعه خبر اغتياله في بوليفيا قائلا: “لم يكن غيفارا مفكرا فحسب، بل الإنسان الأكثر كمالا في وقتنا المعاصر كلّه”..سوف تتغير نظرة سارتر عن كوبا في حادثة اعتقال الشاعر “هربرت باديلا” حين انضمّ إلى العريضة التي طالبت بإطلاق سراحه ومتهما كاسرو بالستالينية بينما اعتبره “كاسترو” قد أصبح في عداد اللليبراليين خدام الإمبريالية..كانت سيمون دي بوفوار في رحلتها الثانية لكوبا قد وصفت التغيرات التي عرفتها هافانا..لم تصف التحولات في البيات الاجتماعية الجديدة..في صمود الجزيرة أمام أمبراطورية إمبريالية..لكنها تحدثت عن شيء آخر، عن اختفاء النوادي الليلية وعلب القمار، هناك فقط أعضاء من الجيش الشعبي يعقدون مؤتمرهم في فندق فارغ حيث غادره السياح الأمريكيون..

هل هو قدر الفلسفة أن تفكّر في حدود الإمبريالية نفسها؟ ألسنا أمام فوارق تمليها البنيات العميقة..حتى التحرر هنا يكتسب له ملامح إمبريالية تطالب العالم الثالث بأن يخضع لمعاول الحرب الناعمة في بحر من الإغواء الإمبريالي..حتى الوجودية معرّضة للانحلال في ظلّ إمبريالية تسعى لإنجاز فلسفة لوجودية رأس المال..سنجد رؤية الحبابي أبعد مدى، لأنها تنتسب بالانتماء والإحساس إلى هذا الهامش..لكن قبل ذلك نلاحظ أنّ الفلسفة تستطيع أن تمنح الكثير..كان غيفارا رمزا مناهضا للإمبريالية وكما وصفه سارتر “الإنسان الأكثر كمالا في وقتنا “، حرّا، مندفعا لصوت العدالة ولكن من موقع امتلاء فلسفي هو الذي تطور ذهنه وتغذّى على أعمال ليس فقط ماركس ولينين وانجلز وفرويد بل أيضا سارتر والبيير كامو وكافكا ومرافقته في عزّ الكفاح لرجيس دوبريه..وعي وذكاء ومواقف ثورية في الجبهة الصحيحة..غيفارا في نظر صاحب “الوجود والعدم” هو أكمل إنسان في عصره..رفض الجلوس طويلا في المكتب..لم يكن يتطلع للشهرة ولا مدّعيّا ولا ملتبسا..يطوف العواصم ببزته العسكرية لا ببذلته البورجوازية..عرفته سييرا مايسترا وأدغال بوليفيا.. كتب تاريخه بنضال مرير ولم يكتبه بالرّشا وأساليب المافيا والكارتيلات، بالنصب والاحتيال..عن هذا يتحدّث جون بول سارتر واصفا إيّاه بكمال الإنسانية..

سنكتشف من خلال غدية الحبابي تمرينا فلسفيا ليس عابرا، فالمستقل قضية أساسيا في مستقبلية الحبابي وهي عنوان أساسي لإنسان الغد..الإنسان الجديد..وتبقى شهادة على بؤس الإنسان واضحة هنا، بؤسه في ظلّ وضعية المزاحمة – كما يعبر محمد عزيز الحبابي – للرأسمالية وتزعتها الإمبريالية….ستبع

ادريس هاني:

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

أغنياء وفقراء بلا أخلاق

الكاتب؛ د. احمد عياش اعتقد المفكر الألماني كارل ماركس انّ الملكية الخاصة الفردية والملكية الخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *