الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / أغنياء وفقراء بلا أخلاق

أغنياء وفقراء بلا أخلاق

الكاتب؛ د. احمد عياش

اعتقد المفكر الألماني كارل ماركس انّ الملكية الخاصة الفردية والملكية الخاصة لأدوات و لوسائل الإنتاج هي من الأسباب الجوهرية للصراعات الطبقية في المجتمع لذلك نادى بالملكية العامة واعتقد ان من واجب العمال اي الفقراء المستغَلّون ان يكونوا طليعة النضال للانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية بينما اعتبر المفكر الأميركي -الألماني هربرت ماركيوز ان الطلبة هم طليعة التغيير نحو الاشتراكية للقضاء على الفوارق الطبقية الاجتماعية.

سعت الرأسمالية لتأمين حوافز ودعم عبر قروض ميسرة او دعم مالي مؤقت ومشروط او تقديمات او مساعدات لمنع او تأجيل ثورة او موت الفقراء قدر الامكان.

الفكر الديني سعى عبر تطمينات الهية برشوة الفقراء والمحتاجين بوعود غيبية تعوض عليهم ما فاتهم في الدنيا او عبر اقناع الأغنياء بالاحسان على الفقراء بهبات او خمس او زكاة او ماشابه مقابل تعويضات او استثمارات الهية في الجنة.

قامت بعض الانظمة الاقتصادية على مزج بعضاً من تلك المفاهيم اذ جمعت الراسمالية بالاشتراكية وحتى بالأفكار الدينية لمعالجة الازمات الاقتصادية لردم الهوة الفاصلة بين طبقات او مكونات المجتمع مستعينة اما بالثروات الطبيعية للبلاد او بتطور العقل التكنولوجي للتصدير و الاستهلاك.

تلك المحاولات الاقتصادية والاجتماعية تلتقي عند نقطة واحدة : اغنياء و فقراء.

اعتقد البعض ان للفقر طهارة تؤسس لقيم ومبادىء تنتج اخلاقاً رفيعة وظنّ البعض الآخر ان الفقراء يخبؤون حلولاً اخلاقية-ثورية للازمات الاجتماعية-الاقتصادية يطرحونها في لحظات مناسبة عند الانهيار الاقتصادي.

الأغنياء الاقوياء ابتكروا القوانين لحكم الناس والسيطرة على حركتهم المنظمة وعلى حركتهم الطائشة بينما ابتكر أنصار الفقراء الأخلاق لجمح قوة الأغنياء الأقوياء في الذهاب بعيداً بسطوتهم وقد تواطأ رجال الدين بين الفئتين محاولين الفصل بينهما بتهديدات وبترهيب الهي لمنع المجزرة بينهما او التقاتل الأبدي بينما حاولت الأحزاب او التنظيمات الفكرية-الثورية الاستفادة من طاقة ظلم الفقراء لتفجير الأنظمة الحاكمة لطرح نفسها كبديل للحكم يضمن حقوق المحرومين او المحتاجين اوالفقراء وينظم حركة الاغنياء.

لم يؤسس الفقراء اي منظومة خلاقة تنتج قيما او مبادئاً او حتى عناوينا عامة لحلول اقتصادية-اجتماعية تنهي مأساتهم او تحدّ من فقرهم غير المطالبة بالاصلاحات او تحسين ظروف العيش ورغم الثورات الكبرى من سبارتكوس الى الثورة البلشفية فليست منظومة الفقراء التي انتجت آلية الانتفاضة بل مغامرات موفقة لمجموعات ذكية ,مثقفةو فقيرة ، ثورية و منظمة، حالمة بالسيطرة على الحكم.

ربما غياب المنظومة الفكرية العاقلة لدى الفقراء والمنتجة لحلول انسانية اجتماعية صادقة جعل من الفقراء يحلمون فقط بتبديل بيوتهم وسياراتهم و ثيابهم من رثة الى انيقة و فاخرة ليشبهوا الاغنياء او ليحلوا مكانهم ما معناه انهم لا يختلفون عنهم بشيء من حيث الانانية والانفراد بالثروة والعيش وسط الملذات ولذلك ما ان تقوم ثورة او ما ان يحصل انقلاب حتى يأتي اناس باسم الفقراء ليقدموا تجربة فاشلة اخرى لا تنتج الا الويلات لأن الجميع، أغنياء و فقراء متشابهون بالرغبات وبالأمنيات وبالأنانية ويتشاركون رغبة القتل والجنس والسلطة ولا يفرقهم غير اعماق الخبث والمكر ومن اجل ذلك لا نجد الا تجربة فاشلة تحل مكان تجربة فاشلة سابقة وطبقة برجوازية تنشأ على حساب افول طبقة برجوازية أخرى و ما اختلف احد عن احد بغير تغيير الطاقم الحاكم والمحسوبيات فالأخ بدل الرفيق او الرفيق بدل الأخ وما وصل فقير الى الحكم الا وخرج عدوا للفقراء!

ليس المهم استبدال الغني بالفقير او رجل الدين بالمحتال او الثوري بالرجعي او المتعلم بالجاهل او الشاعر بالمعدوم الاحساس او المطرب بالحزين لتنتظم امور الحياة والدولة والناس بل المطلوب وصول الأخلاقيين الى مفاصل السلطة لمنع السرقة والاجرام والسرقات والاستغلال ليقودوا اصحاب العقول الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والقانونية والطبية والحزبية كما يقود الراعي القطيع على ان يستعينوا بالعصا او الكلاب لا فرق ، لمعاقبة كل من تخوله رغباته ليظلم نفسه قبل ان يظلم الآخرين، لا ينقص البلاد متعلمون او مثقفون او تقنيون مهرة انما البلاد تنعدم فيها رجال الاخلاق.

انها ازمة انعدام الاخلاق في العقل والنفوس قبل الحكم وغياب قادة اخلاقيين في العلوم والقطاعات كافة قبل ان تكون قصة فقير و غني ، قاتل ومقتول، ظالم و مظلوم ، سارق ومسروق، قاض ومرتش،مؤمن وكافر، رأسمالية ام اشتراكية، مسيحية ام اسلامية، عربية او أعجمية، اميركية او روسية ، مرسيدس ام لادا…
د.احمد عياش

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

أروع قصة قصيرة في تاريخ الأدب العالمي .. للكاتب الروسي انطون شيخوف :

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *