الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / الكبرياء كعصاب

الكبرياء كعصاب

ادريس هاني
فرق كبير بين التّخلّق الذي يصدر عن ذات راشحة بالخير الوجودي وبين تخلق صادر عن ذات تسعى من دون جهد إضافي للحفاظ على التخلّق ولو في حدود الكلام..اللغة متاحة كما ذكرنا مرارا ولكنها لا تكون لغة حقّ حتى تدرك أنها فعالية مشروطة بمسؤولية الكلام..وهذا الكلام إذا لم ينطلق من حكمة الصمت وعمق المحتوى الذي يأتي به الصمت فهو لغو..تواضع المٌرائي شكل من التمسرح في غياب المحتوى الأخلاقي العميق..الأخلاق تعاليم ليس من اختصاصها سوى تحريك الخير الوجودي في نفس – على الأقل – تساوى فجورها وتقواها..أمّا حين تسير ردحا من الزمن على طريق الشّر فهي تصبح على قدر من رجحان الشّر وهنا تصبح التربية على القيم من الصعوبة بمكان..الأخلاق تعاليم تثير فيك الخير الوجودي.. فانظر إن كان في أعماقك خير أم أنك على حافّة السقوط لمجرّد أن تتغيّر المنافع..كيف تكون متخلّقا وأنت طاغية..والطاغية طاغية سواء تحدث لغة فرعون أو لغة الأنبياء..والطغيان ليس ما تصفه أنت بل ما تحاول أن تشعر به الآخر..لست متواضعا إن كنت في أساليبك تشعر الآخر أنه لا شيء..فهذه أخلاق الطغاة لا أخلاق الصّالحين..إنّ الأخلاق ليست فقط مظاهر بل أحاسيس..هناك من طينته طاغية وإن تحدث لغة الأنبياء، وهناك من طينته صالحة ولو تحدث لغة فرعون..إنّ الطواغيت يكتظّ بهم المشهد..وهم يتمادون في هذا القرف الاجتماعي المضمّخ بالنفاق..يحتاج الطاغية إلى أساليب الكبر حين يكون محتواه فارغا..ويحتاج لذلك لأنّ من حوله لا ينفضّون من حوله ويتركونه يستكبر على الفراغ..المستكبرون مرضى يثيرون الشّفقة..وهم على كلّ حال أغبياء حتى حينما يجعلهم الهذيان يفكرون في الاستكبار على من هم أدرى بأحوالهم..وما أهلك هذه الأمّة إلاّ مستكبروها..وما كان كبير المنافقين في هذه الأمّة سوى مستكبرا طاعنا في الكبر (عبد الله بن أبي بن سلول) وما جعل إبليس ينزل متدحرجا من مقامه سوى استكباره الذي يشبه استكبار قوم من البشر نراهم حولنا..
فرق بين الاستكبار واحترام النّفس..المتكبر لا يحترم نفسه بل هو عدواني..لا يريد أن يكبر بل يريد أن يصغر من حوله..كم رأينا في حياتنا صغارا يقدمون أنفسهم في كبرياء يفوق الأنبياء..هناك صنف من البشر لا يجدون في الكبرياء أي إحساس بالمتعة، فيمقتونه بطبعهم، وهناك صنف آخر يستطيع أن يعيش من دون طقوس استكبارية، فهؤلاء مرضى وعليهم أن يعالجوا أنفسهم ويتدربون على أن يتعايشوا مع العالم من دون هذا الإحساس المرضي..إه في الوقت بدل الضائع من لعبة العلاقات العامّة..في تفكيك ظاهرة الكبرياء نقف على الشّر كلّه..لأنّ المتكبّر لا خير فيه..ولن يصدر عنه إلاّ الشّر..وأفضل دواء له أن تتكبّر على المتكبّر..
تعلّم أن تتواضع للنّاس تواضعا نابعا من القلب لا تواضع المرائي الذي تفضحه إرادة العدوان..ولكن حاول أن تكتشف الخير في ذاتك أولا واعمل على إثارته لأن التعاليم لا تصنع الخير إنما تثيره من أعماق الذات…

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

أروع قصة قصيرة في تاريخ الأدب العالمي .. للكاتب الروسي انطون شيخوف :

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *