الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / المثقف غير المنفعل

المثقف غير المنفعل

ادريس هاني

لعل واحدة من أبرز المغالطات التي بها نحيا على كوكبنا المثقل بالزّيف هي مغالطة الخلط بين الموضوعية وعدم الانفعال..ولقد أسست هذه المغالطة لهروب المثقف وتخليه عن مسؤوليته في التغيير وتعزيز انتهازيته بترسانة من التبرير..ظاهرة مثقف حاضر/غائب، يعيش في العاصفة ولا يتحرك بدعوى الموضوعية..تنقلنا مغالطة اللاّإنفعال/الموضوعية إلى صورة مزيّفة عن الموضوعية باعتبارها احتراف لغة الدّم البارد التي هي تقنية معطاة لدى الطبائع الباردة أو الضمائر الميتة أو من لا تهمهم الأفكار ويعتقدون أن المفاهيم هي بديل عن الانفعال..تكمن المغالطة إياها أيضا في أن الانفعال غير الموضوعي هو الذي يسبق القناعة العلمية، أما الانفعال الذي يستند إلى قناعة علمية هو تفاعل موضوعي مع الأحداث..إن الصمت: صمت الموتى أمام الحدواث الكبرى هو تعبير عن موت ضمير لا عن موت الموضوعية..هناك من حوّل طبعه الثقيل إلى قيمة موضوعية..أحيانا يقتضي العمل التحريفي وجود ذوي الطبائع الميتة لتستمر اللعبة حتى آخر أشواطها..ما علاقة الموضوعية إذن بعدم الانفعال؟ وهل هناك أكبر من مغالطة أن يكون الإعلامي عميلا لجبهة معينة ثم يقول لك: أنت طرف؟
فالموضوعية هنا تفرض أقصى التفاعل مع الحدث..من يسبق يا ترى: الانفعال أم البرهان؟ هذه هي مناط المغالطة..الحاجة إلى البرهان يعززها الانفعال والدافع النفسي إلى تقصي الحقائق وكذلك البرهان يفتح الوعي على الواقع الذي يؤثر بدوره في الطبيعة البشرية..تصور لو قلت لك بانفعال بأنّ الأرض إهليلجية الشكل وبأنها يلعن أبوها تدور وجاء آخر وبدم بارد وحركات مدروسة وهادئة وقال: هذا مخالف للمنطق..أرضنا بلا انفعال مسطحة و هي لا تدور…عليك إذن أن تنظر للمنفعل في فكره والحقائق التي ينطوي عليها الخطاب..انظر إلى ما قال لا لمن قال..التمسرح وافتعال الدم البارد هي مغالطة، بل تصبح جريمة حين نتعاطى بها أمام حملات الإبادة التي تواجهها البشرية اليوم في مناطق شتّى من العالم…نعم هناك مغالطة الانفعال-المفتعل، وهو ضرب من الانفعال يقطع أواصره مع المعرفة والحقيقة..انفعالات ممسرحة غير نابعة من حسّ مبدئي أو وفاء للحقيقة..هذه مثل الأولى مغالطات تفسد المضمون العلمي والانساني للكفاح..وكلاهما خطر على المبدئية والحقيقة..
في الميدان نصادف أقواما انحدروا من كوكب آخر بحساب المسؤولية والضمير، لا تهمهم الحقيقة ولا تحركهم الفظاعات، فيعتبرون لا مبالاتهم وفساد ضميرهم ووضع رجل على رجل للحديث بدم بارد فوق الجثث والخراب هو من الموضوعية فإذا استمعت كثيرا وعاقرت صالوناتهم الغبية وقفت على فظائع المنطق وسخافة الفكر..من يملك يا ترى من كل هؤلاء أن يتهم نيتشه في مصداقيته أو موضوعيته لأنه ركل الضمير الميت للميتافيزقا الغربية وعرّى على منافقي القول الفلسفي إذ يتحدثون كمخنثين عن السلام والتسامح والإنسانية بينما معظمهم خرس أمام أكبر الجرائم التي نفذت في أزمنة الاستعمار وفي كل الحروب؟ من هو القزم الفلسفي الذي يستطيع أن يبارز نيتشه في كل انفعالاته العبقرية لجلد أصنام القول الهجين؟..
من الطبيعي أن ينفعل المثقف المنخرط في قضايا المجتمع بينما يبرر المثقف اللامنخرط فساد ضميره بافتعال الاستقالة باعتبارها موضوعية كما يركب المفاهيم طبقا فوق طبق من دون روح نسقية أو قيمة مضافة في عالم الفهم والمفهومية..لكن أليست الموضوعية بهذا المعنى باتت أمرا متجاوزا ومفضوحا لأننا حين نعانق الموضوع ونتحد به ونعايشه نصبح أكثر إلماما به مقارنة بما لو أننا حافظنا على مسافة منه؟ ومن قال إن الذاتية ليست قيمة معرفية؟ هؤلاء يريدون وضع أنفسهم كآلهة لا يخضعون لمنطق مقولة أن يفعل وأن ينفعل..وهل التفكير إلاّ تفاعل وانفعال النفس..وهل قال المادّيون أنفسهم إن هو إلاّ انفعال بيوكيميائي؟ فأين يذهبون..الموضوعية هي إحراز الموضوع وحسن تقديره وتشخيصها ولا يهمّ أن يحصل ذلك بالمسافات..فالبراهين حين تتكاثر مقدماتها أي مسافاتها تصبح مؤشّرا على جهل المتلقي بالمطلوب، بينما كلما كان الجهل أقل والعلم أكبر تقلصت المقدمات والمسافات..والحدس علم لأن الذات تتحد فيه بالموضوع..الحديث عن المسافة الموضوعية مغالطة بنكهة جغرافية..
كم يلفت انتباهي حين أجد سنافير الخبرة والفكر هنا وهناك ممن ينحدرون من مداشر الجهل والضمائر الميتة يتحدثون لغة الموضوعية بينما يخفون أنهم مجرد قردة خاسئين يعملون لصالح أجندات معينة..يتقاسمون ذات المفاهيم حتى يحسبهم الرّائي على شيء من الفكر والنبل بينما هم أفاعي رقطاء تعزز وضعية الرداءة: ثقافة بلا معنى، فن بلا ذوق، فكر بلا عمق..نضال بلا أخلاق..كفاح بلا “مرجلة”..الموضوعية والفهم والوعي هي دربة في المفاهيم واختبار لنوازلها وشجاعة في الاختيار والتحليل..أن تكون طرفا في قضية ما لا يعني ارتفاع الموضوعية، بل قد تكون الموضوعية هناك حين تعانق الموضوع وتعيش..كيف تكون في بيئة الكل ينبح والكل يتآمر ثم تكون هادئا كالسلحفاة..

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

أروع قصة قصيرة في تاريخ الأدب العالمي .. للكاتب الروسي انطون شيخوف :

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *