الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / المرزوقي وابن تيمية معلم الأنوار

المرزوقي وابن تيمية معلم الأنوار

ادريس هاني

أي قيمة لخطاب ديني أو فلسفي في بيئة يتغلّب فيها نمط من الأحاسيس تفتقد إلى قيم الفرسان..إنّ المتلقي شريك في صناعة المعنى لأنه هو من يستدعي بغريزته أقوى شكل من أشكال التأويل..وتظهر قيمة المتلقي كشرط في ولادة المعنى أكثر في زمن حروب التأويل لأنّ مرحلة التنزيل التأسيسية انتهت..ولقد ذكرنا سابقا أنّ الواقع مهما بدا معقّدا فهو أبسط مما تصوره النظرية..قليل فقط من الرجولة مع شيء من النظرية يحدث نتائج محمودة على الأرض..النظرية وحدها لا تكفي حين تضمحلّ قيم المروءة..فالنصوص والأفكار في بيئة فقدت قيم الفرسان تنتج الحقد والحسد وعدم الاعتراف والعدوان..
أقرأ لأبي يعرب المرزوقي _ وهو مثالي الدائم عن البلاهة الفلسفية _ قوله دفاعا عن الإرهاب بأن ذلك شكل من التغلب يقوم به الثوار لإخضاع المتغلب، وذلك انطلاقا من قناعته بأنّ لا شرعية للمتغلّب..وفي هذا المقطع من ادعائه وهو يرسل خطابا مهسترا تنتفخ معه أوداجه رغبة منه في الإقناع يكون قد انتهك أبرز عنصر في نظرية الغلب عند ابن خلدون الذي اعتبره مدرسة ميتاتاريخية بها وبها فقط يستقيم الاعتقاد..لقد انتهك أبو يعرب المرزوقي مرجعيته الخلدونية مما يؤكد لي منذ زمان بأنّه ليس جادّا في تمرجعه الماكر بقدر ما أنه يتترس بمرجعياته تلك لتحقيق مآرب أيديولوجية خفيّة..لا يخفى أنّ ابن خلدون هو ليس فقط ممن يمنح الشرعية للمتغلّب بل هو ممن أرّخ للمتغلّب ومنحه مسوغات ميتاتاريخية ، وكما يذهب إيف لاكوست وأراه دقيقا في الوصف: فقد كان ممجدا للطغيان..وفي مثال أبي يعرب المرزوقي فهو في الوقت الذي يتحدث عن الحرية والثورة تخونه مرجعيته باعتبارها مرجعية تمجيد في الطغيان بل إنه في ممارسته لا يفعل هو نفسه _أي أبو يعرب _ سوى تمجيد الطغيان حيث ما فتئ يمجد في معاوية ويعتبره مخرج الأمة في مثال معاوية الثاني كما سماه ويعني به أوردوغان..إنّ أبي يعرب المرزوقي يخفي دفاعه عن الطغيان في هذا المنطق الملتوي والمنتهك لمرجعياته وأصوله..وهل كان ابن خلدون رجل ثورة أم أنه هو نفسه المؤرخ الذي آمن بشرعية الغلب حتى منحها لتيمورلانك والتّتر..يثور أبو يعرب المرزوقي على أمريكا وروسيا والشرق والغرب ثم يطالبنا بأن نكون انكشارية خلف العصملّلي..
حتى الآن لم ينطق أبو يعرب المرزوقي بأي تصريح حول بيان حركة النهضة بخصوص سوريا..إنه صمت رعديد لأنه يشعر بنهاية عصر الديماغوجيا ضدّ سوريا، وهو الآن سيقرّ بالغلب، حيث ما قام به محور المقاومة هو ثورة ضدّ الغلب الذي كان يدافع عنه أبو يعرب المرزوقي..أحيانا من السهل أن نتحدث ضد إسرائيل ولكننا نقف ضد كلّ ما يشكل قلعة ضدها..يبتلع الخلدوني المزيف لسانه حينما يسافر حيث توجد القواعد العسكرية الإمبريالية والعلاقات المميزة مع إسرائيل..أحيانا يكون من المفيد أن ينخرط المثقف في قضايا الصراع ويتحمل مسؤوليته لكن في مثال أبي يعرب المرزوقي هناك انخراط همجي للمثقف الذي يطالب بالثورة وهو يخدم أجندة الاستعمار..تتجلى المغالطة هنا حين يتحدث أبو يعرب المرزوقي عن فساد معنى الإنسانية اليوم ويفعل ذلك انطلاقا من نصوص ابن تيمية الذي ارتقى به إلى معلّم الأنوار…

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

من روائع الأدب العالمي ..قصة قصيرة للكاتب الروسي انطون شيخوف:*

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *