الرئيسية / الملف السياسي / فلسطين المحتلة / التجمع اليساري وفرصة التغيير

التجمع اليساري وفرصة التغيير

مهند عبد الحميد
أُعلن مؤخرا عن تشكيل التجمع الديمقراطي الذي يضم خمسة تنظيمات، وسرعان ما أثار الإعلان أسئلة كثيرة، هل هذا التجمع تكتيكي أم استراتيجي؟ وما هي عناصر الاتفاق والتباين والاختلاف بين مكوناته، وهل ينجح أم يخفق؟ بداية، ما أحوج الحركة السياسية الفلسطينية لوجود معارضة ديمقراطية من داخل منظمة التحرير وسلطتها السياسية. فلا يستقيم عمل أي سلطة او حزب حاكم، دون معارضة مستقلة تراقب وتنتقد وتطرح مطالب واشتراطات لتصليب المواقف السياسية واحترام التعدد والديمقراطية، ولتحقيق مطالب قطاعات شعبية، وصولا الى إصلاح مؤسسات المنظمة ومؤسسة السلطة.
اعتقد ان وجود معارضة ديمقراطية هو أولا لمصلحة تنظيم «فتح» الذي تحول الى حزب حاكم، لحقت بأجسامه القاعدية والجماهيرية أضرار شتى، ليس أقلها طغيان البيروقراطية الأوامرية، وبخاصة بعد المؤتمرين الأخيرين اللذين أحدثا خللا في العلاقة بين الهيئات العليا والقاعدة التنظيمية والجماهيرية للتنظيم. وبفعل ذلك شلت قدرة التنظيم الى حد كبير على التدخل ومراقبة السلطة ونقدها وتصويبها. وجود معارضة من خارج «فتح» سيفتح الباب لتفاعل تنظيم «فتح» البناء مع قضايا الإصلاح الداخلي ومع آلية اتخاذ القرار وتنفيذه.
الإعلان عن التجمع الديمقراطي بتنظيماته الخمسة وبمستقلين كمعارضة يعبر عن حاجة. فالحركة السياسية بحاجة الى معارضة ديمقراطية في ظل فشل معارضة «حماس» الإسلامية، التي قدمت نموذجا سلبيا انقلابيا هدفه استبدال سلطة بأخرى. وبقيت في كل المراحل تعمل بشكل مواز دون شراكة فلسطينية إلا بحدود براغماتية، ولم تقدم الدليل العملي على تحمل مسؤولية الكل الفلسطيني وهي في موقع الأكثرية داخل المجلس التشريعي. ما يؤكد انحيازها لمركز الإخوان ولأجنداته السياسية وعلاقاته طوال الوقت رغم «استقلالها» التي أعلنت عنه مؤخرا. ولم يبق إلا التعويل على معارضة ديمقراطية من موقع الشراكة في تحمل المسؤولية، معارضة تنطبق نظريا او افتراضيا على التجمع الديمقراطي، لكن هذا الافتراض تعوزه مجموعة من المقومات أبرزها:
أولا: بالقدر الذي يتمتع فيه التجمع وتنظيماته بالديمقراطية وحرية التعبير والحق في الاختلاف والنقد، بالقدر الذي يتمتع فيه بمصداقية طرح مطالب ديمقراطية. وهذا يعتمد على آليات عمل التجمع وهيئاته والعلاقة بين تنظيماته، والاهم العلاقة مع الشركاء من الأفراد والمجموعات المستقلة. وأيضا يعتمد على ممارسة الديمقراطية والإصلاح داخل كل تنظيم. ذلك أن الديمقراطية لا تتجزأ وتعتمد أساسا على المصداقية في الممارسة. وعلى إتاحة مشاركة أجسام حية وتمثيلها في إطار تقسيم المهمات والأدوار. سَتُعَرِف البنية التنظيمية وإدارة العمل على ديمقراطية التجمع ومستوى تحققها. وهنا ينبغي التحذير من اعتماد نظام «كوتا» محاصصة للتجمع تجعله أسيرا لبيروقراطية شبيهة بحالة المنظمة وتغلق الأبواب أمام مشاركة الفئات الحيوية من المجتمع في فعالياته. بل من المنطقي ان يبادر التجمع في مرحلة من تطوره الى الخروج من قبضة كوتا المنظمة والسلطة والعمل على إلغائها واستبدالها بقانون أحزاب.
ثانيا: يعتمد النجاح والفشل على ميزان القوى، وهذا يشكل تحديا كبيرا لقوى التجمع، كتحدي الخروج من القوقعات التنظيمية، بتشجيع وحفز مشاركة عمال ونقابات وقوى شبابية ونخب ثقافية وأكاديمية وفنية لها مصلحة في التغيير. لا بديل عن دخول فئات جديدة على خط التغيير. وفي حالة الإخفاق في تحسين ميزان القوى والتأثير على سلطة القرار، فإن قوى التجمع مجتمعة ومنفردة ستخسر الكثير في هذه المرة. لاسيما وان محاولاتها السابقة لم تكن مشجعة في نتائجها على صعيد فردي ومشترك – كالتحالف الديمقراطي، والقيادة المشتركة، فضلا عن جبهة الرفض وجبهة الإنقاذ الفاشلتين بقيادة يسارية.
ثالثا: نجاح او فشل التجمع يعتمد على مشاركته وتأثيره في المعارك الاجتماعية الكبيرة، كمعركة الضمان الاجتماعي التي تعتبر من المعارك الديمقراطية الأهم، والتي تحتمل التغيير للأحسن. التجمع معني ومطالب بخوض نضال مطلبي مستقل وله أهداف محددة غير ملتبسة، على قاعدة دعم ضمان اجتماعي يلبي حقوق العاملين، ومؤسسة ضمان مستقلة غير خاضعة لوصاية الحكومة. ومع وضع آليات لعمل الصندوق والرقابة عليه. التجمع من موقعه اليساري معني بإقناع العاملين بضرورة الضمان وبالانضواء فيه، كونه يلبي مصلحتهم، وبأهمية الدفاع عن هذا المشروع الكبير بالمواصفات المهنية التي تلبي مصالحهم، وتقطع الطريق على الاستئثار الحكومي به. وفي الجهة الأخرى فإن التجمع معني بتفكيك منطق القوى الاقتصادية التي ترفض الضمان جملة وتفصيلا، والإجابة عن سؤال لماذا يقاوم الرأسماليون والمهنيون في القطاع الخاص قانون الضمان تحت يافطة الدفاع عن العاملين، في الوقت الذي يمارسون فيه الاستغلال بما في ذلك عدم التزام نسبة كبيرة منهم بالحد الأدنى للأجور، لا يمكن الوقوف في المنتصف في هذه المعركة الاجتماعية الاقتصادية، عبر موقف الدعوة لتأجيل تطبيق قانون الضمان الذي يصب لمصلحة رافضي الضمان. التحدي يكمن في قلب المعادلة وهو توظيف احتجاجات رفض القانون في خدمة تطوير القانون واستقلال مؤسسة الضمان. وليس التوسط من أجل التأجيل. التأجيل قد يكون نتيجة، ولكن المطالبة به يضع المطالبين في موقع الوسيط الذي يوظف لمصلحة احد قطبي الخلاف أو كليهما.
رابعا: الموقف من الانقسام يعتبر قضية مفصلية. ثمة فرق جوهري بين المساهمة في صناعة وحدة وطنية على قواعد وطنية وديمقراطية من موقع قوة نفوذ جماهيري، او البحث عن دور وسيط والمساواة بين قطبي الصراع (فتح وحماس). ان احد أسباب استمرار الانقسام هو عدم توفر طرف ثالث كقوة مؤثرة وقادرة إذا ما تحالفت مع قطب ان تحوله الى اتجاه مركزي نافذ ولكن بشروط. ان المساواة بين (فتح وحماس) في لحظة استعداد «حماس» لمقايضة صفقة القرن، يصب لمصلحتها. كما ان تحديد مسؤولية كل طرف بدقة في تكريس ودعم الانقسام يساعد في تحديد عناصر الاتفاق والاختلاف معهما. ويحدد أين يمارس الضغط وأين الطرف الأكثر خطرا. إن الشعارات والمواقف المعبر عنها في بيانات وخطابات التجمع ومستوى التراخي في نقد «حماس»، أو اتباع مواقف تساوي بين القطبين يصب في مصلحة قطب «حماس» مع انه القطب الأخطر راهنا.
خامسا: التسمية، عندما تعرف أربعة تنظيمات من أصل خمسة بيساريتها، فمن المنطقي أن يسمى التجمع اليساري، وليس التجمع الديمقراطي، لاسيما ان الجميع يعرف هذه الصفة اليسارية للتجمع. التعريف بالهوية اليسارية مهم من زاوية طرح القضايا الاجتماعية والحريات. والالتباس في الهوية له صلة بضعف المهمات والدور. لا يمكن إعادة التعامل مع تكتيك فاشل عنوانه إخفاء هوية معروفة مراعاة للمزاج العام، مع ان الناس يهمهم الأفعال والانحياز لمصالحهم وليس مداراة مزاجهم.

المصدر: جريدة الأيام

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

بيان صادر عن الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار

الوحدة صمام الأمان لشعبنا الفلسطيني وطريقنا للانتصار جماهير شعبنا الأبية يا أبطال مسيرات العودة تحية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *