الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / قريبا 8 مارس..هل من جديد عن المرأة؟

قريبا 8 مارس..هل من جديد عن المرأة؟


ادريس هاني

نستقبل 8 مارس..يا له من موسم لإدانة الذّكورة..سيردد العالم ذات العويل وستكشّر الحركة النّسائية عن أنيابها: إنه موسم الانتقام الأكبر من حثالة الذّكورة..مقاربة النوع تتطلّب تبشيعا واستبشاعا للذكورة..وكأنّ الذّكورة أو الأنوثة هي المشكلة في هذا الدياليكتيك السوسيو_بيولوجي..وكأنّ ما سمّي بالذكورة يحكم العالم بينما ما يحكم العالم هو التّفاهة..سنقرأ هذه المهزلة في ضوء قيم الفرسان..ما الذي جرى ويجري يا ترى؟
قيم الفرسان قيم مشتركة لا تقوم بالذكورة فحسب وإنما هي تكاملية..فالمرأة شريك أساسي في قيم الفرسان وبها فقط تكتسب تحررها الأعظم..قيم الفرسان نقيض سوسيوتاريخي لقيم العبيد..وجب بحث وضعية المرأة هنا..ففي مجتمع العبيد لا أحد يملك أن يكون ذكوريا أو أنوثيّا..هناك جنس ثالث بينهما يتحدّد أنطوقياسيّا وفق توزيع جديد للعمل في مختبر الاقتصاد السياسي..ارتهان النّوع للدعاية..8 مارس حركة تاريخية ناضلت فيها المرأة لطلب الحقوق والتحرر، لكن هل هو تحرر من نسق في الإنتاج والتدبير وتنظيم العمل أم تحرر من الذكورة؟ ما الذي تملكه الذكورة اليوم وتسعى الحركة النسائية لانتزاعه؟ نعم ثمة بقايا تفاهات عُصاب سوسيولوجي استنفذ أغراضه بالمقاييس الاجتماعية والاقتصادية وأصبح عاجزا عن تبرير وجوده..لكن ما قصّة هذه المطاردة التاريخية للذكورة؟ ما سرّ هذه المحاولة الطويلة الأمد لإخصاء الرّجل؟ ما حكاية الاختلاف وما هي ممكنات التساوي؟
ليس العقل هنا محمولا إضافيا على البيئة الاجتماعية والثقافية بل هو في معنى من معانيه حصيلة وضعية سوسيو_ثقافية ما..ومن هنا يصبح الشرط الاجتماعي هو الذي يحدد مستوى التفكير وقوته..إنّ عقل المرأة رهين مثل الرجل لشروطهما الاجتماعية..فإن كان وضعه أو وضعها قويا كان عقله أو عقلها مناسبا لهذه الموقعية..نقصان العقل أو كماله تابع للموقعية الاجتماعية والتاريخية للمرأة..فحتى الرجل حين يرتهن لشروط اجتماعية أدنى سيكون ناقص عقل..
لكل عصر تجلّيه النوعي الخاص..لكل عصر ذكورته ولكل عصر أنوثته وذلك بحسب ما تحدده الثقافة والاجتماع وشروط الاقتصاد السياسي..وهنا سنترك هذا الجدل المفتوح على كل أشكال المغالطة لنتحدث عن دور الإمبريالية في مقاربة النوع..لا شكّ أن المرأة في العالم الثالث بل في العالم المتقدم تشعر بالحاجة إلى شكل من النضالية المفتوحة من أجل أقصى حدّ من حقوق المرأة..وأقصى حدّ هو التساوي..لكن هل توجد مساواة اجتماعية بين الذكور أنفسهم أو النساء أنفسهن؟ ففي اجتماع طبقي يعتبر التفاوت فرصة وقيمة أي معنى يا ترى لهذه التسوية الانتقائية؟ وبحسب التفاوت الطبقي قد تكون المرأة متفوقة على الرجل، فالمساواة لها تعقيدات أخرى.
لكن في العالم الثالث تزداد وضعيتها سوء بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية..الاقتصاد قضية أساسية بالنسبة للامبريالية..جزء من انهيار قيم الجنوب واضمحلال وضعية المرأة نفسها هي لأسباب تتعلّق بالتحكم الإمبريالي بخريطة الاقتصاد السياسي وما يمكن أن ينجم عن هذا الاحتكار من آثار تمسّ النّوع..تتبنّى الإمبريالية الحراك النسائي ليس لتحقيق حقوق كاملة للمرأة بل فقط ما يهمّ الإمبريالية من هذا الحراك هو وضع الرجّولة _وليس الذكورة _ في حرج شديد والتباس كبير من أجل بلبلة النّوع من دون مخرج عادل في تدبير النوع.
هذا الرصد لا يلتقي مع أشكال التّحيّز المسبق للذكورة..هذه مقاربة تجعل قيم الفرسان لا تتكامل إلاّ باندماج القيمتين النوعيتين في مسار واحد..فالرجولة في ذروتها هي المروءة في ذروتها..
تلعب القوانين دورا أساسيا في فرض واقع على مجتمع غارق في سُبات الظّلم..لا شيء يوجد في حوزة الذكورة تمنحه للمرأة..فكل شيء تستطيع أن تملكه بمجرد أن تكون أنثى عادلة حيث تستدعي الذكورة العادلة والعكس صحيح..إنها قصة العدالة..فالظلم واقع على النّوع كلّه..وإنّ ما يلاحظ في هذا التكرار هو اختزال مشكلة مقاربة النوع في دياليكتيك الذكورة/الأنوثة، بينما استطاعت الإمبريالية أن تمحق القيمتين لصالح وضعية هجينة..في الحقيقة كان أحرى أن تكون 8 مارس مناسبة لتأنيث الأنثى والكفّ عن سياسة الإخصاء..مناسبة لعودة قيم الفرسان وتحقيق العدالة بالرّجولة والمروءة..هذا لا يعني الكفّ عن مراجعة القوانين التي تخرم العدالة النوعية..إنّ الفرسان وحدهم من يعترفون بحرّية المرأة..حرّية تحددها القيم المشتركة للفرسان التي لا تتحقق إلاّ بتدبير للنّوع يأخذ بعين الاعتبار أنّ الأنثى الحرّة لها معنيين: معنى الحرية كما تحددها قيم العبيد التي تحكمها قيم مركزية مناقضة للقيمة المركزية لقيم الفرسان..بما أن هناك في عالمنا توجد قيم للسادة وقيم للعبيد، فهناك تصوران للحرية: حرية السادة وحرية العبيد..حرية العبيد هي في نهاية المطاف حقّ امتلاك العبد أن يفاوض حول ثمنه بدل أن يفاوض عنه سيده..أن يبيع نفسه بدل أن يبيعه سيده..إنّه الشكل البديل من الاستعباد الذّاتي..لماذا يحشروننا في جدلية صورتين عن المرأة بين عالمين يبدوان متفاوتين في فرص التقدم والتنمية لكنهما يخفيان الحقيقة الأهم في علاقة شمال وجنوب غير متكافئة وتعمل وفق منطق العبودية الدولية بينما تترك للمجتمعات مساحة للمُلاوغة بالحقوق..هي دعوة لإعادة النّظر فلسفيّا في هذا الجندر المتجندر..ثمّة شيء يضمن العدالة والتساوي بين النوع يتقوم بتحقيق قيم الفرسان..معها فقط لا يكون للمرأة حق مساوي للرجل بل لها كلّ ما تقتضيه المروءة من إيثار ومأثرة..الأنثى بوصفها قيمة هي أكبر من أن تحدد حقوقها القوانين شريطة أن تتقوّم بقيم الفرسان…
ادريس هاني:

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

من روائع الأدب العالمي ..قصة قصيرة للكاتب الروسي انطون شيخوف:*

منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *