الرئيسية / الملف السياسي / العالم / الثورة الكوبية على المحك

الثورة الكوبية على المحك

الالآف يحيون راؤل كاسترو أثناء خطاب 26 تموز في ساتياغو ن بي آر

الثورة الكوبية على المحك

22 كانون ثاني 2010

نورالدين عواد

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك اوصال المعسكر الاشتراكي الاوروبي، توجهت الانظار الى جمهورية كوبا، ذات النظام الاشتراكي، وقلوب الاصدقاء تخفق قلقا على مصيرها، وقلوب الاعداء تطير طربا حالمة بانهيارها تبعا “للعبة الدومينو، فسقوط التابع حتمي عند سقوط المتبوع”[1]. غير ان قرنين من الزمان كافيان لاثبات العكس، فالثورة موجودة وقيادتها التاريخية صامدة، وشعبها يؤيدها في اغلبيته الساحقة، على الرغم من الاستنزاف الايديولوجي والسياسي الذي تعرضت له بفعل الحصار التاريخي الامبريالي الامريكي ضدها، والحصار الثاني الذي ترتب على زوال معسكر الحلفاء الامميين، وسقوط الاقتصاد الوطني في الهاوية[2]، ومعاناة شظف العيش بشكل يذكرنا بحصار اوائل المسلمين في شعاب مكة، قبل 14 قرنا من الزمان.

يضاف الى ما سبق عوامل موضوعية واخرى ذاتية انبثق عنها سلسلة طويلة من الاخطاء والثغرات المتراكمة التي اصبحت بحاجة الى “عملية نفض”[3] جذرية قدر الامكان، على امل الخروج من الازمة ومتابعة طريق البناء الاشتراكي في ظل ظروف جديدة نوعيا.

ان تاريخ الثورة الكوبية ليس الا صيرورة متواصلة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية اليومية، وفقا لتغير الظروف الملموسة وتقلبات العلاقات الداخلية والخارجية وموازين القوى المرافقة لها. مع ذلك، وقبل شروع السوفييت بالبيريسترويكا والغلاسنوست (الاصلاح الهيكلي والشفافية) التي ادت الى تدمير النظام السياسي والدولة والحزب الشيوعي والاشتراكية والاستسلام للامبريالية العالمية، بدات في كوبا عام 1986 اول عملية علنية وواسعة النطاق لاجراء تغييرات واصلاحات بعنوان “عملية تصحيح الاخطاء والتوجهات السلبية في المجتمع” بهدف تطهير عملية البناء الاشتراكي في كوبا مما علق بها من عيوب وثغرات واخفاقات لا سيما في المجال الاقتصادي، وبزوغ شريحة من “الاغنياء الجدد” الذين تعرضت مكتسباتهم غير القانونية للمصادرة والمساءلة والعقاب.

وعندما بقيت كوبا وحدها في مقارعة الامبريالية والنظام الراسمالي العالمي في بداية التسعينات، اضطرت الثورة الى الاضطلاع بعملية ثانية للتغيرات الاقتصادية التي ترتب عليها اختلالات اجتماعية من حيث التفاوت في معدلات الدخل والاستهلاك بين المواطنين. وحدد فيديل كاسترو المهمة الرئيسة للثورة بـ “الحفاظ على مكتسبات الاشتراكية وصيانة الاستقلال والسيادة الوطنية”، اي انه عمليا، تم تجميد وتاجيل عملية البناء الاشتراكي لان الثورة والبلد والشعب كانوا يواجهون خطر الفناء. ووصف فيديل مجموعة الاجراءات الداخلية والخارجية بانها نوع من التنازلات الاضطرارية امام الراسمالية (الانفتاح على الاستثمار الاجنبي وادخال بعض عناصر الراسمالية في العلاقات الاقتصادية الداخلية التي كانت حكرا كاملا على الدولة).

كل هذه التطورات الايجابية منها والسلبية على حد سواء، على ارتباط وثيق بطبيعة الثورة التي انتصرت في كوبا عام 1959 (ثورة شعبية ديموقراطية)، والاعلان عن طابعها الاشتراكي عام 1961، والخطط الاقتصادية الاجتماعية التي تم تطبيقها لغاية 1990 بانجازاتها واخفاقاتها.

ان الفترة التي تمر بها الثورة الكوبية منذ انتصارها وحتى الان تسمى نظريا وحسب الكلاسيكيات الماركسية اللينينية بـ “الفترة الانتقالية” اي الفترة اللازمة للانتقال من اسلوب الانتاج الراسمالي (المتخلف والمشوّه) الذي كان سائدا في كوبا قبل انتصار الثورة، الى اسلوب الانتاج الاشتراكي الجديد تماما، حيث يتم في هذه الفترة التي قد تطول او تقصر، بناء الاساس المادي (الاقتصادي الاجتماعي) والفكري والنفسي والسياسي (الوعي الاشتراكي) الذي يمهد لعملية البناء الاشتراكي في حد ذاته.

موازين القوى الداخلية والخارجية التي تحكم عملية الصراع بين العمل وراس المال تلعب دورا كبيرا في هذه الفترة، وتكون الثورة في حدّ ذاتها، المتّجه الناتج عن حصيلة تصارع وتفاعل تلك القوى، والذي يحدد ويحسم المنحى الذي تتخذه الاحداث والوقائع والسياسات المستقبلية وتطبيقاتها على ارض الواقع في المجتمع الكوبي.

في التاسع من نوفمبر 2010، تم الاعلان عن وثيقة رسمية بعنوان “الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية للحزب والثورة” الهادفة الى تحديث النموذج الاقتصادي الكوبي وتخليصه من العيوب والنواقص والاخطاء التي رافقت عملية البناء الاشتراكي على امتداد نصف قرن من الزمان، تمهيدا لاقرارها نهائيا في المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي (16 ـ 19 ابريل 2011).

تناقش الوثيقة حاليا في كافة اوساط المجتمع الكوبي والحزب والحكومة والدولة ومؤسساتها. وقد خضعت الوثيقة لمناقشات البرلمان الكوبي على امتداد اربعة ايام، تتوجت بخطاب الاختتام الذى القاه الرئيس راؤول كاسترو، وتعرض فيه للقضايا الاساسية للوثيقة ومداولات البرلمان.

يسر مجلة “كنعان”[4] ان تقدم لقرائها ترجمة حرة ومكثفة لذلك الخطاب، بهدف اعطاء فكرة عما يدور في جزيرة الحرية، بخصوص مشروعها للبناء الاشتراكي في جمهورية “الجميع ولما فيه خير الجميع”[5].

* * *

خطاب رئيس مجلسي الدولة والوزراء، السكرتير الثاني للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي، جنرال الجيش راؤول كاسترو، في اختتام جلسة الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية الكوبية (البرلمان). هافانا، 18 ديسمبر 2010.

عقدت الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية الكوبية سلسلة من الجلسات المتتالية على امتداد اربعة ايام من اجل البتّ في قضايا بالغة الاهمية بالنسبة لمستقبل الامة الكوبية، تشمل التحليل التفصيلي للوضع الاقتصادي الراهن والمقترحات بصدد الميزانية والخطة الاقتصادية لعام 2011. كما قيّم البرلمان وقدّم ايضاحات للتساؤلات والشكوك والهواجس بشأن “مشروع الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية للحزب والثورة” الذي نشر يوم 9 نوفمبر 2010. وسائل الاعلام الكوبية عرضت المناقشات البرلمانية للراي العالم المحلي، كي تكون بلاغا للناس عما يحصل فيها.

على الرغم من تأثر الاقتصاد الوطني باضرار ناجمة عن الازمة العالمية وعدم انتظام معدلات هطول الامطار خلال الاشهر التسعة عشرة الاخيرة، دون اغفال الاخطاء الذاتية التي وقعنا فيها، يمكننا القول بان خطة عام 2010 كانت مقبولة النتائج مقارنة بالوضع السائد، فالمنتوج الداخلي الاجمالي نما بنسبة 2.1% المخطط لها مسبقا؛ تم استكمال عدد الزائرين الاجانب للبلاد[6] غير ان الدخول (المداخيل) المتوقعة لم تكن بمستوى الخطة؛ التوازن المالي الداخلي آخذ بالتوطّد ونلاحظ وجود ديناميكية مؤاتية ومحدودة لانتاجية العمل مقارنة بمعدل الاجور؛ بدانا بتقليص منع ارسال تحويلات مالية الى الخارج، بمعنى تقليص القيود التي اضطرنا الى فرضها في نهاية عام 2008، على المدفوعات المالية من البنوك الكوبية الى المورّدين الاجانب، وستتم ازالتها نهائيا خلال العام 2011؛ استطعنا احراز تقدم ملحوظ في اعادة التفاوض بخصوص الديون مع دائنينا الرئيسيين؛ نشكر لزبائننا التجاريين والماليين ثقتهم بنا، وتفهمهم لوضعنا، ونؤكد لهم على نيتنا الثابتة في الوفاء بالتعهدات التي قطعناها على انفسنا؛ وقد اصدرت الحكومة تعليمات دقيقة بعدم الحصول على ديون جديدة دون التاكد من القدرة على الوفاء بالمدفوعات في المهل الزمنية المتفق عليها.

الخطة الاقتصادية للعام القادم 2011 تتوقع تحقيق نمو بنسبة 3.1%؛ وهو العام الاول من الاعوام الخمسة التي يشملها التخطيط الاقتصادي على المدى المتوسط، وسيتم خلالها وبشكل تدرّجي واضطرادي، الى ادخال تغيرات بنيوية ومفاهيمية في النموذج الاقتصادي الكوبي.

خلال العام القادم سنواصل تقليص النفقات غير المبررة، والترويج للادخار في كافة انواع الموارد، وهذا الامر يشكل مصدرا موثوقا وسريعا للمداخيل ويضعها تحت تصرفنا؛ وسنواصل ايضا رفع نوعية البرامج الاجتماعية في ميادين الصحة والتعليم والثقافة والرياضة، من خلال الادخار واستغلال البنية التحتية القائمة، والاستعمال العقلاني لها، وتحقيق كفاءة اعلى في استعمال الاحتياطات المتوفرة فيها؛ سنستمر في زيادة الصادرات من الخيرات (السلع) والخدمات، وسنركز الاستثمارات في النشاطات الاكثر سرعة في استعادة ذاتها.

الخطة الاقتصادية والميزانية قضيتان مقدستان اعتبارا من الان، فقد ولّى زمن الاخفاقات والتجاوزات، ولا بد من الالتزام بهما وتنفيذهما؛ انتهى زمن التبريرات بالافتقار الى الدقة والكذب المقصود وغير المقصود عندما لا يتم احراز الاهداف المرسومة. احيانا يقع بعض الرفاق، دون ان تكون لديهم نية في الخداع، في تقديم معلومات غير دقيقة عن مرؤوسيهم دون التاكد من صحتها، فيقعون في الكذب غبر المقصود، وهذه المعلومات تؤدي بنا الى اتخاذ قرارات خاطئة؛ ومن يتصرف على هذا النحو، كائنا من كان، تجب اقالته نهائيا من منصبه وفصله من الحزب الشيوعي الكوبي،اذا ما كان عضوا فيه. الكذب واضراره رافق الناس منذ ان بدانا نتكلم في عهود غابرة، ولا زال يلقى الرفض من المجتمع. لنتذكر ان الوصية الثامنة من الوصايا العشرة التي ينص عليها الكتاب المقدس تقول ” لا تشهد زورا ولا تكذب قولا”. كما ان المباديء الادبية والاخلاقية الاساسية في حضارة الإينكا تقول: لا كذب ولا سرقة ولا كسل.[7]

لا بد من النضال في سبيل التخلص نهائيا من الكذب والخداع في سلوك الكوادر مهما كان مستواهم. لم يكن من باب العبث ان يقدم الرفيق فيديل تعريفه البليغ لمعنى مفهوم الثورة عندما اشار الى آراء من بينها: ” ان لا نكذب ابدا ولا ننتهك مباديء اخلاقية”.

المؤتمرالسادس للحزب الشيوعي الكوبي جار على قدم وساق، منذ الاعلان عن “مشروع الخطوط العريضة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية للحزب والثورة” الذي نشر يوم 9 نوفمبر 2010، لأن المؤتمر الحقيقي هو النقاش العلني والصريح مع اعضاء الحزب وكل الشعب بخصوص المشروع؛ ودون اقصاء آراء مخالفة له، ومن خلال ممارسة ديموقراطية اصيلة، يتم اثراؤه وتحقيق اجماع قومي حول ضرورة وعجالة ادخال تغيرات استراتيجية في اداء الاقتصاد، بغية جعل الاشتراكية في كوبا قضية مستديمة لا عودة عنها. يجب ان لا نخاف من تباين الآراء؛ ان اختلاف الاراء والتي يفضل ان يتم الافصاح عنها في المكان المناسب واللحظة المؤاتية وبالشكل القويم، ستكون دائما مقبولة ومرغوبة اكثر من الاجماع الزائف القائم على المداهنة والانتهازية. الاختلاف حق يجب ان لا يحرم منه احد.

هذا المشروع هو الموضوع الرئيسي لمؤتمر الحزب، انطلاقا من القناعة بان الوضع الاقتصادي يشكل المهمة الرئيسية للحزب والحكومة والمادة الاساسية للكوادر على كافة المستويات. لا يمكننا الانجرار الى الارتجال والاستعجال في هذا المجال، نظرا لحجم وتعقيدات القرارات التي ستتخذ والعلاقات المتبادلة بينها.

لقد صمدنا بكل صبر امام مطالب شريفة واخرى خبيثة، داخل وخارج كوبا، لكي نستعجل اتخاذ اجراءات متعددة. خصومنا في الخارج يطعنون بكل خطوة نقوم بها، ويصفونها بغير كافية وتجميلية، والان يحاولون زرع البلبلة في اوساط الراي العام، ويتنبأون بفشلها الاكيد، ويركزون حملاتهم الدعائية على تضخيم سخط مزعوم وريبة في اوساط شعبنا ازاء هذا المشروع. يصل بهم الامر احيانا الى مطالبتنا، دون خجل، بتفكيك النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي احرزناه، كما لو ان هذه الثورة مستعدة للخضوع والاستسلام المذلّ او اخضاع مصيرها لاشتراطات منحطّّة.

على امتداد 500 عام، منذ أتويه[8] وحتى فيديل كاسترو، قدّم شعبنا دماء غزيرة مما يمنعه الان من قبول تفكيك ما انجزه بتضحيات جسيمة. والى الذين تراودهم هذه الاوهام التي لا اساس لها، نذكّرهم بما قلته في هذا البرلمان يوم الاول من اغسطس 2009: “انتم لم تنتخبوني رئيسا لكي اعيد الراسمالية الى كوبا ولا لكي اسلّم الثورة. تم انتخابي من اجل الحفاظ على الاشتراكية والدفاع عنها والاستمرار في تحسينها، وليس من اجل تدميرها”. واليوم اضيف قائلا: ان الاجراءات التي نقوم بتطبيقها والتعديلات الضرورية التي يتم ادخالها في تحديث النموذج الاقتصادي ترمي الى الحفاظ على الاشتراكية وتوطيدها وجعلها حقيقة غير قابلة للنكوص، وفقا لما ينص عليه دستور الجمهورية[9] بناء على طلب الاكثرية العظمى من السكان في عام 2002.

لا بد من عرض كل المعلومات والحجج التي تؤسس لكل قرار، والقضاء على السرّية المبالغ فيها والتي تعودنا عليها على امتداد 50 عاما من الحصار المعادي لنا. دائما ومنطقيا، سيتوجب على كل دولة ان تحتفظ ببعض القضايا سرا؛ لا احد يجادل في ذلك، وليس الامر كذلك عندما يتعلق بقضايا تحدد المسار الاقتصادي والسياسي للامة. انه لامر حيوي ان يتم التوضيح والتاصيل واقناع الشعب بعدالة وضرورة وعجالة اي اجراء مهما بدا لنا الامر قاسيا.

الحزب واتحاد الشبيبة الشيوعية والهيئة المركزية لشغيلة كوبا ونقاباتها، جنبا الى جنب مع بقية المنظمات الجماهيرية والاجتماعية، قادرون معا على تجييش دعم وثقة السكان من خلال النقاش، دون اصفاد عقائد ونماذج بالية غير مجدية، تشكل عقبات نفسية هائلة، لا بد من تفكيك اوصالها شيئا فشيئا وسنحقق ذلك جميعا معا.

بعد المؤتمر الوطني سيتم عقد كونفرنس وطني للحزب خلال عام 2011، حيث ستتم مناقشة قضايا من بينها: التعديلات على طرق واساليب عمل الحزب، اذ انه ونظرا للثغرات في عمل الهيئات الادارية الحكومية، اضطر الحزب على امتداد سنين طويلة للانخراط في اداء مهمات ليست من اختصاصه، مما وضع عراقيل امامه بصفته طليعة منظمة للامة الكوبية وقوة قائدة عليا للمجتمع والدولة، تماشيا مع المادة الخامسة من دستور الجمهورية. على الحزب ان يقود ويضبط وليس التدخل في نشاطات الحكومة على اي مستوى كان، والتي من اختصاصها ان تحكم؛ كل منهما وفقا لاحكامه وطرائقه تبعا لمهماتهما في المجتمع.

من الضروري تغيير عقلية الكوادر وكافة المواطنين في مواجهة المشهد الجديد. يتعلق الامر بتحويل مفاهيم خاطئة بصدد الاشتراكية لا يمكن استمرارها، علما بانها تجذرت جدا لدى قطاعات واسعة من السكان على مدار السنين، نتيجة للمنظور الابوي المفرط، المثالي وذي النزعة المساواتية المطلقة، والذي كانت قد ارسته الثورة في سبيل العدالة الاجتماعية. كثيرون منا ـ نحن الكوبيين ـ اخطانا فهم الاشتراكية وساويناها بالمجانية والدعم[10]، وخلطنا المساواة بالنزعة المساواتية المطلقة، كثيرون منا نظرنا الى بطاقة التموين[11] على انها انجاز اجتماعي يجب ان لا تلغى ابدا. وبهذا الصدد، انني على قناعة بان بعض المشاكل التي نواجهها اليوم، كان سببها الاصلي هذا الاجراء لتوزيع الخيرات، وعلى الرغم من انها في تلك اللحظة جاءت بدافع من الاصرار النزيه على ضمان تموين ثابت من الاغذية وغيرها من السلع لعموم الشعب، في مواجهة الاحتكار اللااخلاقي من قبل البعض، لاهداف ربحيّة، الا انها تشكل تعبيرا عن المساواتية المطلقة، فهي تفيد في نفس الوقت الذين يعملون والذين لا يعملون، او لا يحتاجون اليها، وتسببت في مقايضات واعادة بيع وشراء في السوق الخفية.

حل هذه القضية المعقدة والحساسة ليس سهلا، لانه على علاقة وثيقة بتعزيز دور الاجور في المجتمع، وسيكون ذلك ممكنا اذا ما حققنا تقليص المجانية والدعم الحكومي، و رفعنا انتاجية العمل وعرض المنتوجات امام السكان.

في هذه القضية، كما في قضية تقليص قوائم العمل المتضخمة[12] لن تترك الدولة الاشتراكية اي مواطن مكسور الجناح، ومن خلال نظام الاعانة الاجتماعية ستضمن لكل الاشخاص المعاقين غير القادرين على العمل الحماية الدنيا اللازمة. في المستقبل سيكون هناك دعم حكومي، ولكن لن يكون الدعم للمنتوجات بل للكوبيين والكوبيات الذين لسبب ما يحتاجون اليه فعلا.

منذ شهر سبتمبر الماضي تم الغاء توزيع السجاير على البطاقة، وهو سلعة كان يتلقاها قسم من السكان، وهي سلعة غير اساسية ومضرة للصحة ايضا. في العام القادم لن نستطيع الاستمرار في انفاق حوالي 50 مليون دولار سنويا لاستيراد البن من اجل توزيعه على المستهلكين، ومن ضمنهم الاطفال الرضع، حسب حصة البطاقة التموينية. ومن المرتقب ان نعود بالضرورة، كما كان متبعا لغاية عام 2005، الى خلطه بالبازيلاء (اليابسة المطحونة) التي يصل سعر الطن منها 390 دولارا في حين يبلغ سعر طن البن حوالي 3000 دولارا. واذا اردنا ان نشرب قهوة نقية ودون تقنين، فان الحل الوحيد يتمثل في انتاجها في كوبا، حيث من المؤكد انه تتوفر كافة الشروط لجني المحصول بكميات كافية للاستهلاك والتصدير وبنوعية راقية. هذه القرارات وغيرها على الرغم من انها ليست شعبية الا انها ضرورية من اجل صيانة وتحسين الخدمات المجانية في ميادين الصحة العامة والتعليم والضمان الاجتماعي لكافة المواطنين.

قائد الثورة بنفسه الرفيق فيديل قال في خطابه التاريخي يوم 17 ديسمبر 2005، “احدى الخلاصات التي توصلت اليها بعد سنين طويلة تتمثل في انه من بين الاخطاء الكثيرة التي ارتكبناها جميعا، الخطأ الاهم كان الاعتقاد بان احدا ما، كان يعلم شيئا عن الاشتراكية او ان احدا ما، كان يعلم كيف تبنى الاشتراكية”. قبل شهر، اكد فيديل على هذه المفاهيم التي لا زالت تحافظ على صحتها كاملة.

من جهتي، اتذكر اطروحات عالم سوفييتي مرموق، كان يعتبر منذ نصف قرن من الزمان، انه على الرغم من ان امكانية تحليق الانسان في الفضاء كانت مأصلة نظريا، الا انها لم تكن سوى رحلة الى المجهول. واذ يتوفر لدينا الموروث النظري للماركسية اللينينية، حيث تمت البرهنة علميا على جدوى الاشتراكية، وكذلك الخبرة العملية لمحاولات بناء الاشتراكية في بلدان اخرى، فان تشييد المجتمع الجديد في المجال الاقتصادي، وفي رايي المتواضع، ليس الا مسارا الى المجهول، ولذلك يجب التفكير بعمق والتخطيط لكل خطوة قبل التي تليها، بحيث يتم تصحيح الاخطاء في الوقت المناسب وبسرعة، لكي لا نترك الحل بيد الزمن الذي سيضاعفها، وفي النهاية سيصفي معنا حسابا باهظا عسيرا.

اننا على وعي كامل بالاخطاء التي ارتكبناها، ولذلك فان مشروع الخطوط العريضة المذكور، يشكل بداية طريق التصحيح والتحديث الضروري لنموذجنا الاقتصادي الاشتراكي. فلا ينخدعنّ احد، المشروع يشير الى الاتجاه نحو المستقبل الاشتراكي، المتكيف مع ظروف كوبا وليس مع الماضي الراسمالي والاستعماري الجديد الذي هزمته الثورة. التخطيط وليس السوق الحرة سيكون السمة المميزة للاقتصاد ولن نسمح بتركيز الملكية. واللبيب بالاشارة يفهمن علما بان اسوأ اعمى هو من لا يريد ان يرى. بناء الاشتراكية يجب ان يتم وفقا لخصائص كل بلد. هذا درس تاريخي تعلمناه جيدا. لا نعتقد باننا سنعود لننسخ تجربة احد، فالنسخ سبب لنا مشاكل كثيرة كما اننا ننسخ بشكل سيء. اننا لا نتجاهل تجارب الاخرين ونتعلم منها بما فيها الخبرات الايجابية للراسماليين.

وللاستفاضة في ضرورة تغيير العقلية ساسوق مثالا: بما اننا توصلنا الى استنتاج بان ممارسة العمل على الحساب الخاص[13] يشكل بديلا اضافيا لتوظيف المواطنين القادرين على العمل بهدف رفع عرض السلع والخدمات امام السكان واعفاء الدولة من هذه النشاطات لكي تعكف على القضايا الحاسمة فعلا، فان ما يجب على الحزب والحكومة هو تسهيل هذا المسعى وليس توليد شارات واحكام مسبقة تجاههم، وعليه يجب تعديل التقييم السلبي الموجود لدى كثيرين منا، ازاء هذا الشكل من اشكال العمل الخاص. عندما حدد كلاسيكيو الماركسية اللينينية السمات التي يجب ان تصف بناء المجتمع الجديد، حددوا من بين امور اخرى، ان الدولة، كممثلة لكل الشعب، ستحتفظ بملكية وسائل الانتاج الاساسية. نحن اضفينا صفة الاطلاق على هذا المبدا ونقلنا الى ملكية الدولة كل النشاطات الاقتصادية تقريبا في عموم البلاد. الخطوات التي قمنا بها وسنقوم بغيرها في توسيع وتليين العمل على الحساب الخاص، جاءت نتيجة لتفكير وتحليل عميق ويمكننا التاكيد في هذه المناسبة اننا لن نتراجع عنها. يجب علينا ان ندافع عن مصالح هؤلاء الشغيلة كما هو الامر بالنسبة لاي مواطن طالما تصرفوا ملتزمين بالاصول القانونية المصادق عليها. يجب تثقيف الاجيال الجديدة من الكوبيين بخصوص نظام الضرائب، التي تشكل اكثر الاشكال شمولية لاعادة توزيع الدخل القومي بغية الحفاظ على النفقات الاجتماعية.

يجب ايلاء الاهتمام بالاشكال الانتاجية في الزراعة بحيث تتم ازالة العقبات الموجودة، من اجل تقوية القوى المنتجة في اريافنا، مما سيؤدي الى الادخار في استيراد الاغذية، وحصول المزارعين على دخول عادلة ومعقولة لقاء تضحياتهم في العمل، وهذا لا يعني مبررا لفرض اسعار جائرة على السكان مقابل المنتوجات الزراعية.

هناك امكانية للنظر في تعيين اراض اضافية اكبر من المساحات التي نص عليها المرسوم القانوني 259 الصادر في يوليو 2008، للمنتجين في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، والذين حققوا نتائج بارزة في الاستعمال المكثف للارض المسؤولين عنها. كل هذه الاراضي التي سلمت الى المواطنين بهدف الانتفاع بها تبقى ملكية لكل الشعب ولكن اذا ما احتجنا اليها لاستخدامها في اغراض اخرى في المستقبل، فان الدولة ستعوض المنتفعين بها عما استثمروه فيها وتسدد لهم قيمة افعالهم الخيرة.

ان احدى العقبات العسيرة التي تقف امام مسعانا في بناء نظرة مختلفة تتمثل في غياب الثقافة الاقتصادية بين السكان بما في ذلك كثير من الكوادر القيادية، الذين يظهرون جهلا فاقعا في هذا المجال. ولدى تصديهم للمشاكل اليومية يتخذون او يوصون باتخاذ قرارات دون التوقف هنيهة لتقييم العواقب والنفقات المترتبة عليها، او للتفكير اذا ما توفرت الموارد في الخطة او في الميزانية لهذا الغرض او ذاك. الارتجال بشكل عام وفي الاقتصاد بشكل خاص يؤدي الى فشل اكيد بغض النظر عن الاهداف التي يتوخى الحصول عليها.

في 2 ديسمبر من عام 1976، وبمناسبة ذكرى انزال غرانما[14]، قال فيديل في خطابه:”ان قوة الشعب والثورة تكمن بالتحديد في القدرة على فهم المتاعب والتصدي لها. على الرغم من كل شيء، لقد تقدمنا في مجالات عديدة وسنناضل دون هوادة في سبيل رفع كفاءة الاقتصاد، وادخارالموارد، وتقليص النفقات غير الاساسية، وزيادة الصادرات، وخلق الوعي الاقتصادي لدى كل مواطن. قلت سابقا اننا جميعا سياسيون والان اقول اننا جميعا يجب ان نكون خبراء اقتصاد وليس اقتصادويون، فليس الامر سيان بين عقلية الادخار والكفاءة، وعقلية الاستهلاك”.

وبعد ذلك بعشرة اعوام وفي الجلسة المتاخرة للمؤتمر الثالث للحزب قال فيديل: “كثير من الناس لا يفهمون انه ليس بامكام الدولة الاشتراكية ولا اية دولة اخرى ان تعطي اكثر مما لديها. ولن يكون لديها شيء اذا لم تنتج؛ اذا ما اعطت المال دون اسناده انتاجيا. انني متاكد من ان القوائم العمالية المتضخمة وفائض المال الذي اعطي للناس والسلع القابعة في مخازنها دون حركة والاسراف، لها علاقة كبيرة بعدد كبير من الشركات غير المربحة في عموم البلاد…”. هذه المشاكل وكثير غيرها لا زالت موجودة حتى الان.

فيديل بعبقريته كان يشق المسار ويفتح الطريق، ونحن البقية، لم نعرف كيف نضمن ونوطد التقدم نحو تلك الاهداف. كان ينقصنا التلاحم والتنظيم والتنسيق بين الحزب والحكومة. في ظل التهديدات والامور العاجلة اليومية اهملنا التخطيط على المديين القصير والمتوسط، ولم نكن صارمين بما فيه الكفاية ازاء الانتهاكات والاخطاء التي كان يرتكبها بعض المسؤولين، كما كنا نتاخر كثيرا في تصحيح قرارات لم تؤت اكلها المنتظر. في مناسبات عديدة قلت ان كل شيء تقريبا بخصوص هذه الثورة قد قيل، وانه يجب علينا ان نجري مراجعة، لنر ما هي التوجيهات التي اعطاها قائد الثورة ونفذناها وما هي التي لم ننفذها، ابتداء من دفاعه القانوني الشديد “سيبرؤني التاريخ”[15] ولغاية اليوم. سنستعيد افكار فيديل، وهي لا زالت صالحة، ولن نسمح بان يحصل لنا الان ما حصل سابقا. في هذا الامر تكمن المنفعة الكبرى للتحليل العميق للاخطاء، ويجب ان يصبح ذلك ناظما دائما لسلوك كافة المسؤولين القياديين.

لغة الارقام تقف فوق كافة طموحاتنا ورغباتنا، واذا اردنا في لحظة ما القيام بشيء ما في الميدان الاقتصادي والاجتماعي بما يفوق الموارد المتاحة لنا، فلنفعل ذلك مع وعينا للعواقب، ومعرفتنا المسبقة بان فجاجة الوقائع ستفرض نفسها لا محالة. كوبا لديها عشرات الالاف من المهنيين الذين خرّجتهم الثورة في اختصاصات الاقتصاد والمحاسبة والشؤون المالية، لكننا لم نعرف كيف نستخدمهم بشكل لائق في خدمة التنمية المنتظمة للامة. لدينا راس المال البشري اللازم للشروع بتعليم وتثقيف شعبنا وقادته من كافة المستويات، في مجال الاقتصاد. في ظل هذه الظروف يجب التمسك بمنظور تفاضلي تجاه الشبيبة، ولهذا السبب، جاء قرار استثناء الشباب المتخرجين مؤخرا والذين يؤدون الخدمة الاجتماعية، من عمليات الجاهزية للعمل[16]. يجب توظيفهم في مهمات تتواءم مع منحاهم المهني فقط لا غير.

لا بد من القيام بعملية تنظيم قانوني من اجل تعزيز الوضع المؤسساتي في البلاد، والقضاء على الكثير من القضايا المحرمة لاعقلانيا، والتي لا زالت موجودة منذ سنين، دون ان ناخذ بعين الاعتبار الظروف القائمة، مما ادى الى توفير مرتع خصب للتصرفات المجافية للقانون، وغالبا ما تفضي الى الفساد بدرجات مختلفة. الحياة اتبتت لنا الخلاصة التالية: التحريمات اللاعقلانية تمهد للانتهاكات التي تؤدي بدورها الى الفساد والافلات من العقاب، لذلك اعتقد ان السكان يحالفهم الحق لدى الافصاح عن هواجسهم ازاء المعاملات المعقدة المرتبطة بالمساكن وبيع ـ شراء السيارات…الخ. وبناء على ذلك، لا بد من تثقيف كافة الكوادر ومحاسبتهم على العمل وفقا للاحكام التشريعية التي تضبط مهماتهم، واعتبار تنفيذهم لها شرطا لأهليتهم لشغل منصب معيّن. ان الجهل بالقانون لا يعفي احدا من تنفيذه، وحسب الدستور فان كافة المواطنين لهم نفس الحقوق والواجبات، ولذلك فان من يرتكب جناية في كوبا، وبغض النظر عن المنصب الذي يشغله، كائنا من كان، سيلزم بمواجهة عواقب اخطائه ووطأة العدالة.

في العام القادم سيتم استبعاد 68 استثمار مهم للبلاد نظرا لعدم توفر المستلزمات المقررة لها ماليا وتقنيا واقتصاديا. لن نسمح بتبذير الموارد المخصصة للاستثمارات، المنبثق عن التلقائية والارتجال والسطحية وهي امراض رافقت الاستثمارات في مناسبات عديدة.

لا بد من التطرق الى الدور الحاسم الذي يجب ان يلعبه كوادر الحزب والدولة والحكومة والمنظمات الجماهيرية والشبيبية، في القيادة المنسقة والمتناغمة لعملية تحديث النموذج الاقتصادي الكوبي. فقد شرعنا بعملية الغاء المركزية تدريجيا، بهدف رفع سلطة وهيبة القادة الاداريين والشركاتيين، اذ اننا سنستمر في تفويضهم بصلاحيات معينة. بموازاة ذلك نقوم بتحسين اجراءات الضبط والسيطرة، ورفع مستويات المحاسبة والمساءلة ازاء الاهمال واللامبالاة وغيرها من المسلكيات المتناقضة مع تبؤ مناصب عامة.

اننا نعي الضرر الذي لحق بسياسة الكوادر طيلة سنوات كثيرة من جرّاء ظاهرة “الهرم المقلوب”، اي ان الاجور لا تتماشى مع اهمية وعلوّ المناصب القيادية التي يشغلها الكوادر، ولا يوجد تمايز مناسب بين بعضهم البعض، مما يثبّط عملية ترقية الكوادر الاكثر اهلية ومقدرة، الى مسؤوليات عليا في الشركات والوزارات. هذه قضية اساسية ولا بد من ايجاد حل لها.

المؤتمر السادس للحزب يجب ان يكون، بموجب قانون الحياة[17]، آخر مؤتمر لاكثرية الذين ينتمون الى الجيل التاريخي: الوقت المتبقي لنا قصير، واعتقد اننا ملزمون، دون ادنى غرور او عجرفة، بانتهاز السلطة الاخلاقية التي نتمتع بها امام الشعب لكي نترك له النهج مرسوما. لسنا اذكى او اقدر من احد، لكننا على قناعة بانه يتحتم علينا اداء واجب بسيط، الا وهو تصحيح الاخطاء التي ارتكبناها على امتداد خمسة عقود من بناء الاشتراكية في كوبا، ولهذا الغرض سنوظف كل طاقاتنا وهي لحسن الحظ ليست قليلة. سنواصل رفضنا الحازم للافعال السيئة. وزراء الحكومة وغيرهم من القادة السياسيين والاداريين يعلمون انهم يحظون بكل دعمنا، عندما يثقفون ويحاسبون مرؤوسيهم اثناء تاديتهم لمهماتهم، ويجب عليهم ان لا يخافوا من “وجع الراس”[18] الناجم عن مواجهتهم للافعال السيئة، فهذه هي احدى مهماتنا الرئيسية.

اليوم الشيء الثوري والنزيه فعلا يتمثل في انه عندما يشعر كادر ما بالتعب او بالعجز عن ممارسة مهام منصبه بشكل كامل، ان يطلب الاستقالة، بكل كرامة ودون اي خوف، لن ينعته احد بانه مضاد للثورة. طلب الاستقالة افضل دائما من خلعه من منصبه (اقالته). يجب علي ان اشير الى ثلاثة رفاق كانوا يشغلون مسؤوليات هامة في قيادة الحزب والحكومة، ونظرا للاخطاء التي ارتكبوها طلب منهم المكتب السياسي الاستقالة من عضويتهم فيه، وفي اللجنة المركزية، ومن كونهم نواب في الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية. وهم: خورخي لويس سييرا كروس؛ جديرة غارسيا فيرا؛ و بيدرو ساييس مونتيخو. الاول والثانية تم اعفاؤهما ايضا من مسؤولياتهما كوزير للنقل ووزيرة للصناعة الاساسية على التوالي. سييرا بسبب استحواذه على صلاحيات ليست من حقه مما ادى به الى ارتكاب سلسلة من الاخطاء في القيادة؛ جديرة، بسبب عملها الرديء كوزيرة، الذي انعكس بشكل خاص في سيطرتها الضعيفة على الموارد المخصصة لعملية الاستثمار، مما افضى الى تبذير تلك الموارد، وفقا لما تم التحقق منه في مشروع توسيع شركة النيكل. كلاهما تعرضا للنقد الشديد في اجتماعين منفصلين، مشتركين من لجنة المكتب السياسي واللجنة التنفيذية لمجلس الوزراء. اما بيدرو مونتيخو، فقد بدرت منه تجليات سطحيته المتناقضة مع منصبه كسكرتير اول للحزب في محافظة العاصمة مدينة هافانا، وانتهك اصول العمل الحزبي، وقد نوقش الامر معه من قبل لجنة من المكتب السياسي، برئاستي وعضوية الرفيقين: خوسيه ماشادو فينتورا واستيبان لاسو.

وللحقيقة نشهد بان ثلاثتهم اعترفوا بالاخطاء المرتكبة، واتخذوا موقفا صحيحيا ولذلك قررت لجنة المكتب السياسي الابقاء على عضويتهم في الحزب، ورات انه من اللائق توظيفهم جميعا في اعمال تتواءم مع تخصصاتهم. على الصعيد الشخصي، الثلاثة سيبقون اصدقاء لي، لكن لدي التزامات فقط مع الشعب وخاصة اولئك الشهداء الذين سقطوا على امتداد 58 عاما من نضالنا المتواصل منذ الانقلاب العسكري عام 1952. فاذا كان هذه هو سلوكنا وتصرفنا مع ثلاثة من كبار القادة، فاعلموا انه هذا هو النهج الذي سيتبعه الحزب والحكومة مع كافة الكوادر. مزيد من المحاسبة والتنبيه واتخاذ الاجراءات الانضباطية اللازمة عندما يتم اكتشاف تجاوزات بحق ما هو مقرر.

بموجب ما ينص عليه قانون تعديل التقسيم السياسي الاداري، سيتم في شهر يناير القادم تشكيل محافظتين جديدتين: آرتيميسا و مايابيكي[19]، وستبدا هيئاتهما الحكومية العمل وفقا لمفاهيم جديدة تنظيميا وبنيويا، وهي اكثر عقلانية من الموجودة في محافظة هافانا الحالية. اننا ندافع عن الفائدة المترتبة على مواصلة رفع سلطة وهيبة الحكومات في المحافظات والبلديات[20] واعطائها مزيدامن الصلاحيات في تعاملها مع ميزانياتها المحلية، والتي سيخصص لها جزء من الضرائب المتأتية من النشاط الاقتصادي، بهدف الاسهام في تنميتها.

في ظل الوضع الدولي المضطرب، تسير علاقاتنا قدما مع شعوب وحكومات كل الامم تقريبا. بخصوص تسريب وثائق سرية امريكية (وثائق ويكيليكس)، فان ما تم نشره حتى الان يثبت ان امريكا على الرغم من اختبائها خلف فذلكة لطيفة، الا انها لا زالت تتبع جوهريا سياساتها المعهودة، وتتصرف كشرطي عالمي. لا نلاحظ ادنى ارادة امريكية في تصحيح سياستها المناوئة لكوبا، ناهيك عن ازالة جوانبها اللاعقلانية. في هذه القضية تتضح غلبة اقلية رجعية جبارة تعمل كمسند للمافيا المناهضة لكوبا.

امريكا لا تكتفي بازدرائها لمطالبة 187 دولة بوضع حد نهائي للحصار الاقتصادي والتجاري والمالي ضد كوبا، بل انها شددت خلال عام 2010، تطبيقه وادرجت اسم كوبا في قوائمها المختلقة، التي تستحوذ من خلالها، على حق توصيف الدول السيادية والتشهير بها، لكي تبرر افعالها الانتقامية و من ضمنها العدوانية.

السياسة الامريكية المضادة لكوبا لا تتمتع باية مصداقية. ولم يبق لهم من مفر الا اللجوء الى الكذب، لتكرار اتهامات باطلة وفاضحة مثل: كوبا تشرف على الارهاب الدولي؛ كوبا تتسامح مع التجارة الداخلية للاطفال والنساء بهدف الاستغلال الجنسي؛ كوبا فيها انتهاكات سافرة لحقوق الانسان، ومسؤولة عن التضييق الكبير على الحريات الدينية. الحكومة الامريكية تحاول اخفاء ذنوبها والتملص من مسؤوليتها عن وجود ارهابيين دوليين في اراضيها دون اي عقاب، على الرغم من مطالبة العدالة في بلدان اخرى بتسليمهم اليها. وفي الوقت نفسه، لا زال اخوتنا الخمسة[21] في سجون الظلم الامريكي فقط لانهم يكافحون ضد الارهاب.

في الافتراءات الامريكية على كوبا بخصوص انتهاكات حقوق الانسان، حظيت امريكا بتواطؤ بلدان اوروبية معروفة بتآمرها معها في قضية الرحلات الجوية السرية التي قامت بها الـ سي آي إيه، واقامة مراكز اعتقال وتعذيب، واسقاط اضرار الازمة الاقتصادية على كاهل الشغيلة ذوي الدخول الدنيا، والقمع العنيف ضد المتظاهرين، وتطبيق سياسات تمييزية تجاه المهاجرين والاقليات.

الى جانب البلدان الشقيقة في امريكا اللاتينية سنواصل النضال في سبيل التكامل التحرري وفي اطار “التحالف البوليفري لشعوب امريكا اللاتينية” (آلبا) سنعمل من اجل توطيد التضامن والوحدة التي ستقوينا جميعا باضطراد. كما اننا سنستمر في دعم هايتي الشقيقة، حيث شغيلة الصحة الكوبية ومعهم الاطباء اللاتين والهايتيين الذين تخرجوا من كوبا، يواجهون بكل تفاني ونزاهة وانسانية، وباء الكوليرا، والاضرار الناجمة عن الزلزال، ومخلفات قرون من الاستغلال والنهبن التي تعرض لها ذاك الشعب النبيل، والذي يحتاج الى الاسرة الدولية كي تقدم له الموارد اللازمة للتعمير والتنمية المستديمة.

في ابريل المقبل 2011، تكتمل 50 عاما على الاعلان عن الطابع الاشتراكي للثورة الكوبية. على رمال خليج الخنازير قاتلت قواتنا لاول مرة دفاعا عن الاشتراكية وخلال اقل من 72 ساعة وتحت قيادة القائد الاعلى فيديل كاسترو، الحقت الهزيمة بغزو المرتزقة الذي رعته واشرفت عليه الحكومة الامريكية. بهذه المناسبة سيعقد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الكوبي اعتبارا من يوم 16 ابريل (يوم الغزو) على امل اختتامه يوم 19 ابريل (يوم النصر). وسنخصص هذه المناسبة الاحتفالية للشبيبة الكوبية التي لم تخذل الثورة قط، وعلى امتداد تاريخها من المونكادا الى المهمات الاممية العسكرية والمدنية الانسانية في معظم بقاع العالم. فهذه الثورة هي من صنع تضحيات الشبيبة الكوبية، عمال وفلاحون وطلاب ومثقفون وعسكريون؛ شبيبة كافة الحقب التاريخية التي عايشوها وناضلوا فيها. هذه الثورة سيقودها الشباب قدما مفعمين بالتفاؤل والايمان الراسخ بالانتصار.

التحديات والمخاطر كانت كبيرة منذ انتصار الثورة وخاصة منذ معركة خليج الخنازير، غير ان المتاعب لم تستطع تركيعنا. اننا هاهنا شامخون، وسنبقى هنا، بسبب كرامة ونزاهة وشجاعة الشعب الكوبي وثباته الايديولوجي وروحه الفدائية والثورية. انه الشعب الذي ترسخ في وعيه منذ زمن بعيد ان الاشتراكية هي الضمانة الوحيدة لكي يبقى حرا ومستقلا.

هافانا 22 ديسمبر 2010
[1] اثناء الحرب الباردة كانت كوبا تتعرض لتهمة التابع الذي يدور في فلك الاتحاد السوفييتي وهي تهمة باطلة تشهد عليها الخلافات السوفييتية الكوبية ابتداء من ازمة الصواريخ النووية عام 1962، مرورا بمعارضة الكوبيين للغزو السوفييتي لافغانستان 1979، والبريسترويكا على طريقة غورباشوف 1986 وصولا الى الاستراتيجية العسكرية لحسم حرب انغولا 1988، وعشرين عاما من الصمود والبقاء بعد اندثار الاتحاد السوفييتي بكامله.

[2] انتكس الاقتصاد الوطني ووصل مجموع نكوصه لغاية عام 1994 الى 34% سلبا، مقارنة مع نسبة نموه عام 1989.

[3] يتلخص الوعي السياسي الجماهيري الكوبي ازاء ضرورة مثل هذه العملية الصحية بشعار مجازي علني يقول: “هزّ الشجرة يا فيدبل” لكي يسقط عنها الورق اليابس والثمار المريضة وما لحق بها من مظاهر الوهن.

[4] كل الهوامش في المقالة هي من اضافتي ( نور الدين عواد).

[5] هذه العبارة تعود الى البطل القومي الكوبي خوسيه مارتي (1853 ـ 1895).

[6] عدد الزائرين الاجانب يشمل كافة الاجانب الذين يفدون الى كوبا سواء كانوا سياحا او غير ذلك.

[7] وفي الحديث النبوي الشريف: “آية المنافق ثلاث: اذا حدّث كذب واذا وعد اخلف واذاائتمن خان”. وما اكثر المنافقين اي الانتهازيين بلغة السياسة في عالم اليوم.

[8] أتويــه.: معروف باسم الهندي اتويه وهو من الهنود الاصلانيين الهايتيين الذي استطاع الهرب من اسر قوات الاستعمار الاسباني والوصول الى كوبا من اجل تنظيم هنودها لمحاربة الاستعمار وفي النهاية وقع مجددا في الاسر وصدر بحقه حكم القتل حرقا بالنار. وتقول الرواية ان قسيس الاعدام جاءه يطلب منه الاعتراف بجريمته في مقاومة الاستعمار لكي تدخل روحه الى ملكوت السماء. فساله أتويه وهل يوجد في السماء اسبانيون، فرد عليه القسيس بالايجاب. وعندها صرخ أتويه، فاحرقوني أذا، لانني لا اريد الذهاب الى سماء الاسبانيين.

[9] الاسم الرسمي للبلاد : جمهورية كوبا فقط وان كان نظامها اشتراكي.

[10] المقصود الدعم الذي تقدمه الدولة للنفقات الاجتماعية والاقتصادية لعموم السكان.

[11] بطاقة التموين: لدى كل عائلة كوبية على الاطلاق بطاقة تموين رسمية يتم بموجبها حصول كافة الافراد الكوبيين دون استثناء احد، على السلع والخدمات(اساسية وغير اساسية ) المدعومة من الدولة اي باسعار بخسة، ابتداء من خبزة لكل فرد يوميا وصولا الى الماكولات والمشروبات والملبوسات…الخ الفكرة كانت في بداية الثورة تهدف الى ضمان الحد الادنى من المواد الاستهلاكية لعموم السكان اذ كان يوجد في كوبا عند انتصار الثورة 2 مليون انسان جائع، ومثلهم يجوعون جزئيا (العدد الاجمال للسكان حينئذ كان 5 مليون نسمة). لكنها لا زالت سارية المفعول حتى الان على الرغم من عقلنتها وترشيدها، وادت الى خلق حالة من اتكالية المفرطة التي انعكست على موقف المواطن سلبيا من العمل والانتاج.

[12] المقصود عدد الشغيلة (عمال وموظفين) العاملين في مراكز العمل والانتاج والخدمات، ويتقاضون اجورا من الدولة. وبشكل عام عددهم يفوق الحاجة الفعلية اي انهم الى حد ما تعبير عن البطالة المقنعة.

[13] العمل على الحساب الخاص: في بداية عهد الثورة تم تاميم وسائل الانتاج الاساسية وتحويلها الى ملكية عامة للامة وبعد ذلك تم استحواذ الدولة على كل شيء تقريبا، وبالتالي وقع على كاهلها تقديم كافة السلع والخدمات الى السكان وباسعار مدعومة. ان كافة الاعمال والخدمات التي هي اصلا ليست من اختصاصات اية دولة، يتم تحويلها الى مواطنين مقيمين داخل البلاد وبالتالي يتم تخفيف العبء عن الدولة وفي الوقت نفسه يتم تشجيع الانتاج والخدمات من خلال المنافسة المضبوطة، لان الدخول التي تترتب عليها لا تفضي الى رؤوس اموال كبيرة قادرة على احداث فرز طبقي كلاسيكي تكون له مضاعفات سياسية على موازين القوى الداخلية على الاقل على المديين القريب والمتوسط.

[14] انزال غرانما : المقصود الانزال البحري المسلح الذي قامت به مجموعة من الثوار الكوبيين بقيادة فيديل كاستلرو (82 ثائرا) يوم 2 ديسمبر 1956، على متن اليخت غرانما، على شاطيء لاس كولوراداس شرقي كوبا قادمين من المكسيك، بهدف الشروع بالكفاح المسلح ضد الدكتاتورية.

[15] سيبرؤني التاريخ: اسم مرافعة فيديل كاسترو عن نفسه ومجموعة الثوار الذين هاجموا بالسلاح ثكنتي المونكادل وكارلوس مانويل دي سيسبيديس يوم 26 يوليو 1953 في سانتياغو دي كوبا وبايّامو، بهدف الاستيلاء على السلاح والشروع بالكفاح المسلح ضد دكتاتورية باتيستا الذي قام بانقلاب عسكري على الانتخابات البرلمانية التي كانت تشير الى فوز القوى التقدمية وذلك يوم 10 مارس 1952. اصبحت تلك الوثيقة فيما بعد تعرف باسم برنامج المونكادا ويحتوي على المهمات المرسومة للثورة الشعبية الديموقراطية في كوبا.

[16] الجاهزية للعمل : المقصود ان لا تشمل عملية تنفيس القوائم العمالية المتضخمة هؤلاء الشباب الذين لا تتوفر لديهم بعد صفات : الاقدمية، الاولوية، الكفاءة، الخبرة وغيرها من المعايير التي ستحكم تلك العملية. فهم في مقتبل العمر الزمني والعملي الانتاجي.

[17] المقصود عامل الزمن وعمر قادة الثورة والدولة والحكومة.

[18] تعبير مجازي عن المشاكل والعقبات التي يمكن للمسؤول ان يواجهها اذا ما كان ملتزما ومتمسكا بالقانون واللوائح الادارية والتنظيمية.

[19] توجد في كوبا 14 محافظة من ضمنها محافظة العاصمة مدينة هافانا ومحافظة هافانا (ريف هافانا) هذه الاخيرة تقرر تقسيمها الى محافظتين هما : آرتيميسا ومايابيكي.

[20] المقصود السلطة الشعبية على مستوى كل بلدية وكل محافظة.

[21] المقصود الابطال الكوبيون الخمسة الاسرى لدى الامبراطورية الامريكيو منذ عام 1998.

عن prizm

شاهد أيضاً

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *