الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / ثورة العرب: كيف سيرد الغرب؟

ثورة العرب: كيف سيرد الغرب؟

بارجتان أمريكيتان عبرتا قناة السويس باتجا ليبيا أ ب

ثورة العرب: كيف سيرد الغرب؟

1 آذار 2011

د. أمين محمد حطيط

من السذاجة ان نتصور أن الغرب بالقيادة الأميركية الصهيونية، لا يعرف أن الثورة العربية القائمة اليوم، هي ضده في الأساس، او نتصور ان الغرب سيسلّم بهزيمة مشروعه في العالم العربي الذي يمارس عليه استعماراً مباشراً بالاحتلال، أو غير مباشر بالهيمنة، وهي الهزيمة التي تصنع فصولها على يد الشعب العربي الذي نظم مقاومة تصدت للاحتلال فهزمته، وأخرج الجماهير صارخة برفض انظمة التبعية والإرتهان للخارج، فأسقط منها حتى الآن رئيسين ( مصر وتونس ) والثالث في الطريق الى السقوط فيما آخرون ينتظرون ساعتهم الآتية.
ان المقاومة المتنامية، والانتفاضة المتصاعدة، هما وجها الثورة العربية الحديثة ضد الغرب، حيث قامت المقاومة المسلّحة من أجل تحرير الأرض المسلوبة بالاستعمار الصهيوأميركي، وانفجرت الانتفاضات الشعبية من اجل تحرير الإرادة الوطنية التي كبلتها الأنظمة المرتهنة للغرب، والغرب يفهم هذا، ويعرف أن الثورة بوجهيها، تهدف الى طرده، لذلك نراه يهب وبكل السبل، ليمنع الخطر، ولينقض على منجزات الثورة، حماية لمصالحه التي استثمرها في بلادنا منذ قرن ونيّف من الزمن. واذا كان رده على المقاومة في وسمها بالارهاب وبشن حرب عالمية عليها، وبتحشيد كل الطاقات من أجل محاصرتها، وتجريدها من سلاحها كما يفعل في فلسطين ولبنان والعراق، فانه في مواجهة الوجه الآخر للثورة الشعبية، يبدو مربكاً، متخبطاً بالخيارات الضيقة، التي تفتح مسالكها في وجهه، ومع ذلك، فان ما بدر منه حتى الآن، يوحي بأنه في صدد احتواء المفاعيل، عبر أسلوب يلجأ اليه تدرجا، وفقاً لكل ساحة، وتناسبا مع كل نظام مهدّد بالثورة الشعبية الجارفة، سلوك يطمح عبره الى المحافظة على نفوذه ومصالحه في العالم العربي والاسلامي، فضلاً عن اتخاذه كل ما يلزم، للابقاء على «إسرائيل» تجسيداً لاستمرار فعالية هذا المشروع الغربي مهيمنا على المنطقة، لذا نراه يعتمد في السلوكيات على ما يلي:

1) العمل على الحد من خسائر التغيير بالقدر المتاح، عبر حصره ان امكن في الأشخاص، وفي اطار الاصلاحات الداخلية، دونما وصول إلى تغيير اصل النظام التبعي، خاصة في الشأن الخارجي، والشأن الاقتصادي، أي بما يبقي البلد مثقلاً بتبعية اقتصادية، تمنع استقلاله الفعلي، فيستمر مرتبطاً بالمعاهدات التي تكبله لمصلحة «إسرائيل» والغرب، وبالفعل فإن أميركا تخوض مع بقايا الأنظمة المنهارة، ما يمكن تسميته بالمناورة التأخيرية لكسب الوقت، وامتصاص الزخم، مقابل بعض الاصلاحات التي لا تصل الى الجوهر، في عملية يصدق عليها تسمية «إعادة انتاج النظام» بأوجه جديدة. وهذا ما يجري الآن في مصر حيث ان التغيير لم يطل فعلياً الا الشخص المترئس للنظام، اما النظام فهو مستمر بخلاياه الاساسية والتنفيذية يعلن التزامه بالاتفاقيات ويعد بالاصلاحات، دون ان يرفع قانون الطوارئ او يضع خطة فعلية جدية للتغيير. وهنا يكمن الخطر اذا تراخى الشعب، حيث سيعود كل شيء الى ما كان عليه بعد اجراء تجميل طفيف ترعاه أميركا، وترتاح اليه «إسرائيل». أما اذا انتبه الشعب، وتابع ثورته، فإن المحاولة الغربية سيكتب لها الفشل كما نعتقد.

2) العمل على احتواء الانتفاضات الشعبية، والاغراء بأنظمة ديمقراطية جديدة، على انقاض الأنظمة الفردية الاستبدادية البائدة، مع إعادة ربط الأنظمة الجديدة بالعجلة الغربية اقتصاديا وسياسياً، ومنع قيام الانظمة التحرّرية المستقلّة عن الغرب، أو المنادية بالقرار الوطني والمصلحة الوطنية الحقيقية. وسيلجأ الغرب الى هذا السلوك، في حال كان الزخم الشعبي أقوى من مقاومة بقايا الأنظمة المنهارة، وفي حال اضطرار المسؤولين عن المرحلة الانتقالية الى الاستجابة للمطالب الشعبية الداعية الى التغيير الفعلي والجدي، وهنا تكمن مخاطر التسرّع في انتخابات جديدة، تتم على يد بقايا النظام السابق، ووفقا لقوانينه، بعد التعديل الشكلي الطفيف، وبإشراف القوى العسكرية والأمنية التي كان أنشأها ولا زالت في مواقعها. وهذا ما يخشى عليه الآن في تونس، التي ينسق فيها بعض من بقي من النظام السابق، مع أجهزة غربية أميركية وفرنسية، لمحاولة انتاج نظام يحقّق بعض حرية للداخل، ويحفظ المصالح الغربية، بعيداً من أي انقلاب عليها. ومن المفيد أن ننوّه بالوعي التونسي الذي ظهر حتى الآن والذي يستمر مطالبا بالتغيير كما هو الحال قائماً في مصر، أيضاً.

3) اما السلوك الثالث، فاننا نراه في حال أفلت الوضع من السيطرة، وفشلت محاولة الغرب في أي من السلوكين الأول والثاني، والخطر هنا يكمن في محاولة وضع اليد بأسلوب غير مباشر، قد يؤدي الى التدخل المباشر. اما الوسائل في ذلك، فهي أجهزة المنظمات الدولية، من مجلس أمن ومحكمة جنائية دولية، وهيئات حقوق الانسان، يعقبها تدخله المباشر بقواته العسكرية، تحت ستار الانقاذ، ومنع سفك الدماء، وبالتالي سيكون تعنت بعض الحكام، وتمسكهم بالحكم، في مواجهة شعوبهم الرافضة لهم أنسب وضع يطمع به الغرب للتدخل. وهذا ما نلحظه اليوم في ليبيا التي يسدي فيها معمر القذافي الخدمات الجلى للغرب، عبر قتله شعبه على يد مرتزقته، وعبر تحصّنه في بضعة كليومترات مربعة متمسّكاً بسلطة انهارت، وليس لها من وظيفة الآن، الا تبرير التدخل الغربي في ليبيا.

4) ويبقى السلوك الرابع، وهو الأخطر، والذي لن يتورع الغرب عن اللجوء اليه كعادته، وهو نشر الفتن في البلدان المقاومة والثائرة على حكامها، التابعين للأجنبي، فتن قد يجد الغرب في التنوع العرقي أو الطائفي أو المذهبي مداخل مناسبة لها. فتشعل النار في البلد المستهدف، ناراً لا تخمد الا بتقسيم يشتت القوى، او بتدمير يفنيها. سلوك يذكّرنا بمقولة لنا أو للنار التي عانى منها شعبنا في أكثر من مكان، بدءا من لبنان، وهذا ما نشهد تطبيقاً له اليوم في العراق، وتعمل أميركا على تعميمه في لبنان، حيث منعت تسوية داخلية كادت ان تتم، وتنتج مصالحة وطنية فيه، كان من شأنها منع اي اخلال بالاستقرار اللبناني المستهدف بتلفيق قرار اتهامي من محكمة سياسية لا علاقة لها بالقضاء الحقيقي. ولم تكتف أميركا بتفشيل المصالحة الوطنية اللبنانية بل منعت فريقها في لبنان المسمى « بقايا 14 آذار» من الاشتراك في حكومة وحدة وطنية، تنقذ الوطن. هذا الامتناع بُرّر بحجة تثير السخرية، حتى عند من لا يتعاطون السياسة، ولا شأن لهم بعلم القانون، حيث قرأ فؤاد السنيورة بيان الاستنكاف عن المشاركة، والتحول الى المعارضة، بإسناده الى الغاية الوطنية النبيلة الشريفة « حماية الجمهورية وصيانة الدستور»، الدستور نفسه الذي أطاحه السنيورة، عندما كان رئيسا للحكومة، فأقصى طائفتين عن الحكم، وتجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية، وانفق لمدة 4 سنوات من غير موازنة، وأهدر 11 مليار دولار دون أن يترك اثرا لوجهة الانفاق، ويريد السنيورة ان يحمي هذا الدستور، وهو في المعارضة، دون أن ينسى حرصه على المؤسسات التي لم تبق واحدة منها الا وعطلها، هو وفريقه.. ما جعل المواطن يقول وهو يستمع اليه بالامس… ما اشد فصاحة السنيورة، عندما يحاضر بحماية الدستور..

ان الثورة الشعبية في العالم العربي بوجهيها المتكاملين: المقاومة والانتفاضة، مستهدفة من قبل الغرب، بكل ما هو متاح لديه، لذا فإن الحرص عليها، واجب الجميع برفض التدخل الأجنبي في شؤونها، ورفض اعادة ادوات الغرب الى سدة المسؤولية، والا ذهبت كل التضحيات سدى.

عن “البناء” اللبنانية

http://www.al-binaa.com/newversion/article.php?articleId=26109

عن prizm

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *