الرئيسية / الملف السياسي / فلسطين المحتلة / عباس: تأخرت بالرحيل، فهذا عصر الثورة والشعوب

عباس: تأخرت بالرحيل، فهذا عصر الثورة والشعوب

عباس: تأخرت بالرحيل، فهذا عصر الثورة والشعوب

هلا سليم

يقال أن التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة ومرة على شكل مهزلة. ولقد عاش الشعب العربي مأساة التاريخ أكثر من مرة بدءاً بمأساة الرهان على التحالف البريطاني الفرنسي الذي كافئنا بوعد بلفور وتقسيم العالم العربي، ثم مأساة انقسام أقطاب ثورة فلسطين عام 1937 من القرن الماضي بسبب تآمر قادة حزب الدفاع مع اللجنة الملكية البريطانية وكرسوا الانقسام في صفوف ثورة 1936.

أما مهزلة التاريخ فقد فرضت على الشعب الفلسطيني وهو في أوج عنفوان الانتفاضة الأولى عندما قرر المجلس الوطني الحالي، التي تصلبت شرايين القلب في جسمه حتى وصل درجة الموت السريري، الاعترف رسمياً بالكيان عام 1988 وهو يطلق إعلان الاستقلال الذي صاغه له محمود درويش، عضو اللجنة التنفيذية في حينه. وانفرط عقد المهازل حينما كافأت م ت ف شعب الانتفاضة بمؤتمر مدريد ثم وقعت اتفاقية أوسلو وراء الكواليس خيانة وغدراً بشعبها.

واليوم نعيش إنتاج المهزلة مجدداً عندما يقرر عباس وفريقه في اللجنة التنفيذية للمنظمة وحكومة سلطته، وبتوجيه أمريكي قاطع، المبادرة للحوار مع سلطة حماس في غزة ل”إنهاء الانقسام” على قاعدة انتخابات رئاسية وتشريعية خلال ستة أشهر، وكأنه يعيش في عصر آخر غير آبه أو حتى مكترث بالثورات الشعبية التي تعصف بأمتنا والتي مكنتنا كأمة من النهوض مجدداً بوجه الجلادين وبمن يستنجدون بهم. أتبلغ بهم الصفاقة هذا الحد كي يستخفوا بعقول الشعب الذي تمرس في كشف كذبهم ونفاقهم ومؤامراتهم؟ ألم يتعلموا الدرس مما يجري حولهم وما ينتظرهم من مصير مظلم؟ نعم. اليوم في الوطن المحتل، كما هو في أرض الثورات العربية، هو غير الأمس. اليوم سيقف الشباب، في مقدمة الصفوف، بوجهك وفريقك المفاوض إلى الأبد. هؤلاء الشباب الذين أقسموا عهد الانتماء للوطن الموحد والعلم الواحد في رام الله والقدس وبيت لحم وغزة و1948، لن تخيفهم الأجهزة الأمنية ولا “بلطجية” السلطة و”فتحها” بعد أن رؤوا وسمعوا ما حل بوزير داخلية مصر وجهاز أمن دولته وما حصل بتونس وأجهزتها الأمنية وما يحصل اليوم في اليمن والأردن والبحرين وحتى ثورة ليبيا، مع استنكارنا ورفضنا الشديد لتخاذل وتآمر جامعة الدول العربية التي دعت للتدخل الأجنبي العسكري السافر في ثورتها.

ألم تفهم بعد رسالة الشباب الفلسطيني الذي تحدث بصوت واحد في مدن الضفة والقطاع و1948 ومخيمات اللجوء والشتات؟ لقد أجملوا كل مطالبهم بانتخابات مجلس وطني يضم الفلسطينيين في كل مكان! هل تدرك ماذا يعني هذا المطلب؟ إنه بكل بساطة يعني رفض مشروعك العتيد في أوسلو ويقولون أنه أوصلهم وشعبهم لطريق مسدود وأنهم يريدون فتح آفاق جديدة للعمل الوطني الفلسطيني يتحقق حتماً بالقفز عن مشروعك “التاريخي” العقيم الذي يتناقض جوهرياً مع مشروعهم الوطني النابض بالحياة. وأن هذا المطلب الحيوي يتناقض حتماً مع ما تخطط له الآن من مصالحة مع حماس على قاعدة انتخابات تشريعية ورئاسية للالتفاف على حركتهم بخبث ودهاء، ولقطع الطريق على مطلبهم المحق في توحيد الشعب، كل الشعب، على أساس انتمائه للوطن الواحد وانطلاقاً من حقهم المشروع في مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل الوسائل والطرق. وهذا أيضاً لا يتوافق البتة مع ما تجتهد من أجله سلطتك ومنظمتك للحصول على اعتراف العالم بدولة فلسطينية لا سلطة لها على سمائها وبحرها وحدودها الشرقية والغربية ولا على هوائها أو آبارها وستكون على أقل من ثمانية بالمائة من مساحة وطنهم التاريخي الذي طالما حلموا وتغنوا به مع أقرانهم في مدن وقرى الاحتلال الأول في 1948 وفي مخيمات اللجوء والشتات.

هل فهمت قصدهم حين يطالبون بإطلاق سراح الأسرى في معتقلات السلطة بالضفة وغزة؟ هم يدينون بالضبط خطط التنسيق الأمني الذي تقوم به سلطتك مع الاحتلال الصهيوني ويرفضون وجود الجنرال الأمريكي السابق دايتون والحالي مولر على رأس أجهزتك الأمنية لتدريبهم على حمايتك من شعبك وعلى قتله. وهم بذات الوقت يدينون الاعتقالات السياسية في غزة، حتى لو كانت ضد عناصرك الفاسدة هناك، ويطالبون حماس بإنهاء ملهاة السقوط في خطيئة أوسلو التي دفع ثمنها أهلنا في القطاع من دمائهم وحياتهم ويطالبونها بتخلي الحركة الفوري عن هذه الاتفاقيات والتمسك بالمقاومة كخيار شرعي ضد الاحتلال الذي يحاصرهم ويحصد حياتهم يومياً، فمن المحال أن تلتقي المقاومة وسلطة أوسلو ومن المحال أن يقدم المستعمر الصهيوني أية تنازلات عن مشروعه الامبريالي الاستعماري بالتخلي عن أي شبر من الوطن المحتل، لا من خلال اتفاقيات أوسلو ولا المفاوضات العقيمة. هم يهتفون من أجل إنهاء الانقسام الذي أفرزته الانتخابات التشريعية لأوسلو لأنهم يدركون أهمية وحدة الشعب وجغرافيا الوطن على أرضية النضال من أجل التحرير.

هل فهمت مقصد الشباب الفلسطيني الثائر حين يطالب بالتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني الذي توحد عليه الشعب يوماً؟ هو يقول لك ولمطبخك السياسي الذي نقض ميثاقه الوطني أنه يرفضكم ويرفض خنوعكم وسقوطكم في خندق أعدائه ويرفض اتفاقك المذل في أوسلو. هل توقف عقلك، الذي تآمر من وراء ظهورهم وظهور آبائهم وأجدادهم في أوسلو، أمام تصريحهم حين هتفوا بأعلى حناجرهم بأنهم مستقلون ولا ينتمون لأي فصيل أو حزب سياسي؟ هم يبلغوك وحكومتك ولجنتك التنفيذية ويبلغون الفصائل والأحزاب السياسية أنكم لا تمثلون آمالهم وطموحهم ونبضهم في وطن واحد لا يقبل القسمة على اثنين، ولا يقبلون بكم كحركات وأحزاب واهنة مهزومة ذليلة قايضت الوطن والرجولة والشهامة والعزة بموازنات ومخصصات شهرية.

هؤلاء الشباب حينما يطالبون بانتخاب مجلس وطني يمثل كافة أبناء الوطن المحتل من شماله لجنوبه ومن النهر إلى البحر وفي المخيمات والشتات إنما يصرخون بأعلى صوتهم بوجهك أن كفى لهذه النظرية المشئومة التي حاولت أن تبلعها لشعبك طوال ثمانية عشر عاماً من المفاوضات العبثية التي قتلت معنوياتهم وشوهت قضيتهم في محاولة لحرفهم عن بوصلة النضال والمقاومة، تلك المفاوضات التي رأينا وعانينا من نتائجها على الأرض قبل أن تفضح تفاصيلها على الملأ القنوات الفضائية، رغم معرفتنا وتحفظاتنا على أجندات العديد منها، بما فيها الفضائية الفلسطينية حين انبرت بكل وقاحة للدفاع عن انغماس القائمين عليها وسلطتهم ومنظمتهم بالوحل حتى رؤوسهم التي تسجد وتسبح ليل نهار بجبروت البيت الأبيض واستعماره في فلسطين.

هل تدرك أن هؤلاء الشباب إنما يحملونك ذنب كل روح أزهقتها قوات الاحتلال العنصري بسبب تآمرك وتخليك عن حقهم وحق شعبهم في الدفاع عن نفسه بكل ما ملكت أيديهم وشبابهم وعقولهم من قوة وجرأة وعنفوان وعزة وشهامة، وأنهم يحملونك أيضاً ذنب كل شهيد سقط على يد أجهزتك الأمنية ومخابراتك؟ وهل تعلم أنهم يحملونك مسؤولية كل شبر من أرض الوطن المحتل صادرها الاحتلال الصهيوني بعد أوسلو بسبب سياسة الجهالة والتخاذل وثقافة الهزيمة والاستسلام لواقع الاحتلال الصهيوني وراعيه الامبريالي التي ساهمت بخبث في تعميمها على حركتك وأحزاب المنظمة محولاً المقاومين وأبطال الانتفاضة الأولى والمعتقلين إلى ثلة من الموظفين المرتزقة في حكومة يديرها البيت الأبيض لصالح الكيان وتنتظر رواتبها في نهاية كل شهر؟ هل تعلم أنهم يحملونك وطاقمك مسئولية الحصار المفروض على غزة والحرب الظالمة عليه، هذا إضافة للفساد والجدار والتطبيع بأشكاله؟ هل تعلم لماذا؟ لأنك قتلت في أوسلو كل روح الشباب والعنفوان والعزة والمقاومة فيهم وفتحت بوجههم كل أبواب جهنم. وعليه، فهم يبلغونك أنك إن أردت أن تغرق في سفينة التنازلات التي ركبت موجتها منذ ثمانية عشرة عاماً فاغرق لوحدك وخذ معك لجنتك التنفيذية والمركزية وكبير مفاوضيك ورئيس حكومتك ووزرائك وأجهزة أمنك ومخابراتك وكل المفسدين الذين داهنوك مقابل دولارات البيت البيض.

فهل يوجد أبلغ من هذه المطالب؟

هذا لا يعني بالمطلق أنهم لا يحملون حركة حماس مسئولية ما اقترفت من خطايا في غزة وعلى رأسها الوقوع ومن ثم المشاركة في مؤامرة أوسلو من خلال قبولها المنازلة في انتخابات تشريعية مذلة برعاية ومباركة أمريكية شاملة وتحت رادار آلة حرب الاحتلال الصهيوني، وأيضاً من خلال خطيئة تفردها بالسلطة في القطاع وقمعها للحريات العامة وتقصيرها إلى حد ما في الاستجابة لمطالب الشعب المحاصر، رغم إدراكنا لقسوة الحصار، وفي التعامل مع آثار الحرب الظالمة التي استهدفت إضعافها بالذات وتحميلها مسئولية الدمار الحاصل أمام شعبها وأمام العالم. لقد كان من الأجدى لحماس أن تزهد عن هذه السلطة وأن تعود لرشدها بتشكيل قيادة وطنية للقطاع تستند إلى المقاومة وعلى طريق الالتحام مع الضفة على ذات الأسس.

نحن ندعو حماس بأن لا تدير ظهرها لمطالب الشباب المحقة في العودة لحضن الشعب الفلسطيني وميثاقه الوطني وأن لا ترتكب مزيداً من الخطايا والسقوط الآثم بتساوقها مع الدعوات المشبوهة لعباس وحركته، المنقسمة على ذاتها، للمصالحة على أساس انتخابات تشريعية ورئاسية تعيدنا مرة أخرى للمربع الأول، مربع الذل والهزيمة، خاصة ونحن نعيش اليوم عصر ثورات الشعب العربي من محيطه لخليجه، وزمن التخلص من عبودية الأنظمة العميلة التي رهنت نفسها ومقدرات أوطانها وشعبها للاستعمار الأبيض وما زال مصير زين العابدين بن علي وحسني مبارك ماثلاً بقوة للعيان ولكل من لم تعلمه حقائق التاريخ وحتميته أن الاستعمار والاحتلال إلى زوال وأن إرادة الشعوب وحريتها هي المنتصرة حتماً.

وإذ نرتكز على هذه الحقائق الجديدة التي فرضتها الأمة العربية على الأرض بدماء شهدائها وشقائها، ومن موقعنا في خندق المقاومة والنضال العربي المشترك ضد الاحتلال والاستعمار الأبيض، الذي يستهدف عروبتنا وتاريخنا وحضارتنا ندعو حركة حماس بأن تعيد قراءة الخارطة السياسية العربية وتتمعن في نتائجها وتعلن موقفها الرافض بحزم لاتفاقيات أوسلو ولكل الدعوات الخبيثة للانتخابات العبثية قبل أن تفقد المزيد من التأييد ليس في صفوف قاعدتها الشعبية بل وعلى المستوى العام أيضاً. فما هذه الدعوات التي تدور رحاها في فلك مخطط قادة الكيان والبيت الأبيض إلا لإطالة أمد اضطهادنا وقهرنا والتحكم بمقدراتنا وطمس قضيتنا.

إن ما تمثله دعوات عباس المسمومة اليوم هو محاولة يائسة بل غبية للعب في الوقت الضائع واستباقاً لهبوب رياح الثورة والتغيير على الوطن المحتل بما لا يحمد عقباه. كما أنها تهدف بلا مواربة إلى الالتفاف على دعوات الحراك الشبابي ومطالبته بانتخاب مجلس وطني جديد يمثل الشعب الفلسطيني في كل مكان، يعيد الاعتبار إلى الميثاق الوطني الفلسطيني وينبثق عنه مجلس مركزي أصيل ولجنة تنفيذية للمنظمة تضع في صلب مهماتها لم شمل شعبنا وقواه الحية وإلى إطلاق حقنا في النضال الدءوب حتى التحرر من قيد الاحتلال والاستعمار الاستيطاني البغيض، رغم إدراكنا التام من حتمية المواجهة مع مشروع الاستعمار المعولم اليوم الذي لن يقف مكتوف الأيدي وهو يشاهد أحجار الدومينو في العالم العربي تنهار أمامه حجراً إثر حجر، فها هو يعيد ترتيب حساياته مجدداً ويستنجد بخبرائه الاستراتيجيين من أجل إتقاذه من هذه الورطة، ويمسك بحجر ليبيا من أجل قلب حقائق التاريخ التي حققتها ثورتي مصر وتونس، لتذكيرنا بقدرته على إحداث خللاً في جدار هاتين الثورتين من خلال الخلايا الناشطة لعملائه بليبيا الذين استيقظوا على إيقاع ثورة مصر وتونس واليمن، في محاولة لرسم سيناريو آخر يشبع نهم الاستعمار وجشعه من ثروات البلد. المعادلة اليوم في كل ثورة من ثورات الوطن العربي الكبير: إما نحن وإما الاستعمار الأبيض وعملائه في المنطقة.

عباس: لقد تأخرت بالرحيل!

فمتى تفهم أنك انتهيت حين اخترت أن تكون في الجانب الخاطىء من التاريخ؟ ومتى تدرك أنك حين قايضت الوطن والشعب وتقاطعت مصالحك مع أسيادك البيض إنما قررت أن تكون في معسكر الأعداء؟ متى تفهم أنك خسرت كما خسر من قبلك صديقك بن علي ومعلمك مبارك؟ فقد انتهى زمن الاستبداد والقهر والاستئثار بالسلطة والتحكم بمقدرات الأوطان والشعوب.

لقد قالها الشباب الفلسطيني المحتج منذ أيام ل”زعرانك” الذين أطلقتهم لتخريب مظاهراتهم أنك لن تدوم على رأس هذا الهرم الوهمي الذي بنيته لنفسك. ولطالما قال لك الشعب أن رهانك على حصان أوسلو والسلطة وأمريكا والكيان هو صفقة خاسرة ولن تجلب لك سوى الهزيمة تلو الأخرى، تماماً كما سيهزم الشباب مناورتك في الدعوة للمصالحة على أساس الانتخابات الرئاسية والتشريعية. يجب عليك أن تعرف متى تتوقف عن هذه المهزلة، ويجب أن تمتلك شيئاً من الجرأة لتعترف أنك اقترفت خطأً قاتلاً قد يكلفك حياة الذل، أو ما بقي منها. فاجمع ما تبقى لديك من بعض شجاعة وتصرف كرجل ولو لمرة واحدة وارحل عن قمة الهرم الوهمي الذي بنيته لنفسك وانتظر محاكمة الشعب الغاضب فهي آتية لا محالة حتى لو بعد حين. حينها لن ينفعك سيد البيت الأبيض ولن ينفعك الندم.

عن prizm

شاهد أيضاً

الحرب على قطاع غزة أمام لحظة فارقة…

21 شباط 2024 أنطوان شلحت ليس من المبالغة القول إن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *