الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / دردشة لمقاومة الألم

دردشة لمقاومة الألم

المخابرات الأمريكية تقر براوية إيران حول عدم ضلوعها في محاولة إغتيال السفير السعودي بواشنطن

دردشة لمقاومة الألم

أحمد حسين

من نقاط ضعف الغزو الإستراتيجي، سواء كان بواسطة القوة المباشرة، أو بالقوة شبه المباشرة (ليبيا – سوريا) هو أنه من المستحيل إخفاء أهدافه بالإعلام والتضليل والتكتيكات السياسية. والسبب هو أنه في هذه الحالة، لا يمكن إخفاء التناقض بين ما يقال وما يفعل، لأن التكتيك الإعلامي لا يستطيع أن يتابع بالكذب الأداء الإستراتيجي، الذي من الملزم أن يتطابق في السلوك الميداني مع تحقيق الأهداف الحقيقية للغزو. وعندها يبدو التكتيك أشبه بمحاولة إخفاء سطح بحيرة كبيرة بشرشف مائدة. ففي العراق مثلا، تبين للعقل البسيط، أن العنف المدمر، والإستئصال الحضاري والثقافي المنهجي، وتمزيق العراق اجتماعيا وسياسيا وجغرافيا، واغتيال النخب العلمية والثقافية، وتدمير المعالم الأثرية، وسرقة المتاحف، وتدنيس كرامة ومعنويات البشر، لا تتناسب مع محاولة اكتشاف بضعة غالونات مزعومة من الأسلحة الكيماوية، بعد أن تخلى الإعلام عن وجود أسلحة ذرية في العراق قبل بداية الغزو. كما أن حماية المدنيين في ليبيا بطائرات حلف الناتو الإستراتيجية، في بلد مثل ليبيا، هو ذات حكاية الدب الذي أراد قتل الذبابة على وجه صاحبه. ومن هنا فإن استخدام العبث الجنسي المتطور في الإعلام، يثبت أن ألغرب وأطراف الربيع العربي الأخرى استخدمته ليس كغطاء تكتيكي، وإنما كمجرد وسيلة لنشر الفوضى وإشاعة البلبلة من ناحية، وتقديم عرض إغوائي شهي، لاستجلاب المتنزهين الشباب في الشارع العربي إلبائس، المثقل بفوائض المني والشبق، إلى ساحات الربيع العربي الملون بالبمبي والأخضر والأصفر والليلكي، من ناحية أخرى، وليس للتغطية السياسية على أهدافها الشاملة، بالملابس الداخلية الصغيرة لليبراليات الإعلام.

ملخص القول أن كل الناس في المشاعة العربية، يدركون الآن الحقيقة كاملة. وأن الثوار في الربيع العربي لم يعودوا مجرد مضللين، بل أصبحوا منتسبين باختيارهم مقابل ثمن. فهم يعرفون الحقيقة كاملة، ولكنهم غارقون في النوايا السيئة، كطائرات الناتو. وبنفس المدى، فإن الأنظمة المستهدفة، لديها نواياها السيئة المشروعة تجاههم، ولكنها تمثل الطرف المطارد عربيا ودوليا، والذي لم يهيء نفسه، كما يبدو لرد مكافئ، حتى على المستوي الإعلامي.

فعلى سبيل المثال، فإن النظام السوري، الذي يدرك، أنه ليس هناك أية صدفة يمكن أن تجنبه الغزو العسكري من جانب الغرب والناتو، فإنه يهمل الرد المعنوي العلني على تحريض كلينتون للثوار بعدم تسليم السلاح، ويفضل عليه الرد الديبلوماسي، عن طريق الجامعة العربية. أي أنه يطلب من نبيل العربي وآل جبر، أن يردا على أمريكا نيابة عنه.

مهلا ! لا تستعجلوا !! إنها لفتة ذكية حقا لو كان لها فائدة سياسية. ولكن الطرف الآخر، كان مشروعه منذ البداية، مبنيا على التجاوز العام والشامل لكل الإعتبارات، عدا اعتبارات التنفيذ بكل وسيلة. وقد أسقط المسايسة من اعتباراته قبل بدء الغزو. ولو قام النظام السوري بملاقاة الأهداف الأمريكية في منتصف الطريق، لما تراجعت أمريكا عن غزو سوريا، لأن الغزو العسكري هو سياق ملزم، حيث التدمير الجذري للبنية السورية الشعبية والنظامية هو الغاية منه، ولأن استئصال نماذج الرفض في العالم عموما، وفي العالم العربي قطعا، هو الخط الإستراتيجي الموصل إلى العولمة. فإذا كان النظام والشعب السوري قد قررا المواجهة الحاسمة، وهي قادمة لا محالة، بحكم أنه ليس لها بدائل لدى الغرب، وهو الآن في عين الإستهداف، فما معنى الدخول في العبث السياسي وكل ساعة تمضي ليست في مصلحته ؟

لا يوجد هنا مكان للسياسة أبدا ! فالإشتباك قائم، والبحث في هذه الحالة يكون عن الكسب المعنوي، فلماذا إعطاء الفرصة للمسايسة العبثية، على حساب الفرصة للكسب التعبوي ؟ هدف كلينتون الرئيس الفعلي الآخر لأمريكا، من تصريحاتها المتجبرة، هو ضرب معنويات الشعب السوري، وبقايا الممانعين في المشاعة الهجرية العامة، ورفع معنويات شبيحتها على الساحة. فالقضية من جانب كلينتون، هي ميدانية يشكل الحسم التناحري جوهرها التطبيقي. وتصريحاتها الأخيرة ليست سوى مواصلة لنهج التدمير المعنوي، الذي كان على مدى عقود طويلة هو الأسلوب المقرر للتعامل مع العرب، لسحق نموذج المواطن والإنسان العربي. ويشير السلوك الأمريكي الميداني ان قرار الغزو يتضمن بندا وحيدا، هو استغلال البلطجة، وكل مظاهر الزعرنة في المشاعة الهجرية، وفي المجتمع الدولي، من أجل صياغة جديدة للمنطقة العربية، ولوعي ” مستوطنيها “، بحيث تتلاءم مع أهداف الإستعباد الديموقراطي المعولم. ولن يكون الشرق الأوسط منطقة أمان شامل بدون تصفية التلوث القومي العربي نهائيا من الوجود، وإدخال الهجريين في سياق شامل آخر، قائم على الإرتزاق الإستهلاكي بالعمل الإنتاجي المسخر. إذن فالحرب التدميرية جزء من الهدف، والتحكم عن بعد جزء آخر، ولا مكان لخيار موضوعي آخر لأقطاب العولمة سوى إنهاء التاريخ العربي كما انتهى التاريخ الفلسطيني، ولم يبق منه سوى عباس وحماس. أي الإسلامويون والليبراليون كما حدث في مصر وتونس وليبيا والحبل على الجرار. القضية قضية استئصال هوية عنصر بشري، وعقل وثقافة وإنسانية كيان اجتماعي بإجماع من نخب الغرب الإمبريالي، فكيف يمكن تعريض مثل هذه الجريمة المبتكرة للنقاش السياسي. العرب والناس عموما معتادون على البلطجة والإستقواء في التجربة، ولكنهم غير معتادين، على مفهوم الجريمة المبررة بمنطوقها الذاتي؟ وهكذا فإن فعلا كهذا، بحاجة إلى التنفيذ العفوي، وحظر التبرير كمنزلق ليس في صالح التنفيذ.

إذن، مرة أخرى، ما هو هدف النظام السوري من أية خطوات مسيسة في هذا الخضم من النوايا التنفيذية المحددة والمحتمة للغرب؟ هل يريد إثبات شيء غير مثبت بعد، عن طريق إحراج نبيل العربي وآل جبر والجامعة العربية؟ أم لعله، حاشاه من الضلال، يقصد إرباك أمريكا بالجامعة العربية؟ هل يريد كسب الوقت؟ كسب الوقت من أجل ماذا؟ لقد فات الوقت على الوقت. فقد ظل زمام المبادرة المطلق بيد أمريكا طيلة الوقت. وكان التركيز من جانبها هو على الاغتيال المعنوي للشعوب العربية، ولكل احتمالات التماسك الإجتماعي أو الوطني، وإعداد آليات الغزو الإخوانية والليبرالية المرتبطة عضويا بالجريمة، وإسنادها بجبش الشبيحة من المرتزقة والحشاشين وطبقات الحضيض، كفصائل ميدانية متحفزة، وكمساحات اختراق شامل الأهداف في جسد المجتمع الهجري. وقد نجحت أمريكا وآلياتها المذكورة، في تحويل التعدديات العرقية والدينية إلي مشاعات تناقض وتحريك وصراع، يمكن شراؤها بالمال عند الحاجة. أما الأنجزة المدنية الحزبية وغير الحزبية، فمعظمها كان مواقع اختراق تأسيسا. بذلك تم تحييد المصالح الوطنية المشتركة داخل المشاعات الإجتماعية العربية، واستقوى التنافر الفئوي والعدمية الإجتماعية، إلى درجة التفتت والخروج من المصطلح العملي لمعنى المجتمع، وأصبحت الجماعات العربية مشاعات ديموغرافية متحللة من أية التزامات اجتماعية، مقسمة بخطوط وحدود فئوية انفصالية وارتزاقية، وبؤر فراغ تعشش فيها الهوام والطفيليات. وانقسمت هذه المشاعات الإجتماعية، بين الدينوية الإخوانية، والعدمية الليبرالية، ورموز النظام السيادي العميل، كثلاثة مشاريع خيانية جاهزة ومعتمدة، لتقديم الصورة الأكثر ترويعا لتمرير النظام الربيعي القادم، عبر التحالف الخياني بين هذه الفئات الثلاث، حول الديموقراطية والتعددية كبوابة واسعة لدخول الربيع الدموي بالقوة. خيانات صريحة، وشعارات تافهة ومظاهرات غنائية وشهيق وزفير إعلامي كقمامة دور اللهو الرخيصة، ورائحة حشيش وخمر ومني سياسي، تكون مشهدا مثيرا سخيفا ومثيرا للقرف. هذا القرف، بدعم القوة المسلحة لشبيحة الغرب، ودولارات قطر، وساقطات الإعلام ودياييثه، تحول إلى أداء ثوري.

كان باعتقادي على النظام السوري، أن يواجه مشهدا كهذا بصرامة ثورية حقيقية، لا تعبأ بالمسايسات والتبريرات، ومناقشة مذيعات الجزيرة على الهواء. كان عليه أن يعتبر كل من يشارك في مواكب الدعارة المسرحية هذه، حتى لو كان معارضا حقيقيا ونزيها لسياسة النظام، وكأنه جزء من اللعبة لأنه اختار اللحظة الخطأ وركب الموجة الخطأ التي لا علاقة لها بوعي المعارضة وإنما بوعي الخيانة. الإهمال جائز في حالة عميل يعوي خارج السياج، أما من يعوي داخل السياج فهو يهيء لمن خارجه. أي أنه عميل في متناول اليد، فيجب معاملته على هذا الأساس. لقد حاول النظام السوري أن يلتقي مع هؤلاء الذرائعيين أكثر من مرة، ولكنهم ركبوا موجة إسقاط النظام، وهم يعلمون البديل، فماذا بقي من ولائهم لشعبهم وليس للنظا م، على ضوء البديل المعد سلفا. إنهم خونة بامتياز. وحماية الوطن والشعب من الإحتلال الخارجي لا تحتاج مفاوضة أو تبريرا.

حاشا أن تكون هذه المرافعة دعوة للعنف. إنها دعوة لإنقاذ الشعب السوري بأي ثمن، ووقف زحف ربيع الموت العربي على سوريا، المعقل الأخير للتحرر في المشاعة الهجرية، التي أصبحت مساحة للتبول الدولي. والمواجهة إذا لم تصل مداها المكافيء الأقصى مع عنف الخيانة المقابل فستخسر المعركة. الإنهيار الإجتماعي العربي ليس له سابقة في الخيال العلمي، حيث تبين أنه لا وجود لمجتمع عربي مدني، ولا لمواطنة، ناهيك عن الوطنية. وتبين أن معظم النخب الثقافية الوطنية والقومية، حولتها أمريكا إلى ليبرالية بدون أن يشعر أحد. وأن أي واحد من هؤلاء يستخدم كلائحة مكتوبة، أي كطرطوع ثقافي مثير للإشمئزاز.

وأفقنا على واقع لم نلحظه قبلا، وهو أن بنية الشعوب العربية مكونة من خلايا فردية وفئوية وطائفية عميلة، ونظام واسع الحيلة أو قليل الحيلة، وشعب لا يلتفت إليه أحد، يعيش بعيدا عن الجميع، في وحدة حميمية مع التجاهل أو الجهل. النظام العميل يرى فيه عبئا وخطرا يجب إقصاؤه عن الوعي الإجتماعي والسياسي. والأنظمة القومية، في مصر الناصرية والعراق الصدامي فشلت في مقاومة التيارات الدينية، لآنها اعتبرتها موضوعا للمسايسة وليس فئات عدمية مفتوحة على الإنحراف، يقودها دجالون دوليون عملاء لمن يدفع. والنظام السوري البعثي، لم يتعلم الدرس ويضع الشعب في مقدمة المواجهة الوطنية والقومية والتحررية، منذ بداية ربيع الخزي العربي.

في هذه الأثناء، حين كانت أمريكا تقيم هيكلها النظامي داخل المشاعة العربية، كانت أنظمة الممانعة العربية مشغولة، باغتيال رفيق الحريري، شهيد المحراب السعودي الخليجي السني. وكانت مشغولة بالرد على الفرية الأمريكية بالأيمان المغلظة، وجمع القرائن التي تؤكد براءتها، وكأنها تصدق أن اغتيال الحريري يمكن أن يشكل قضية بالنسبة للغرب. أما شعوب تلك الأنظمة الممانعة فلم يكن لها ما تقوله، لأن أحدا لم يخبرها بما تقول، ولم يدعها أحد إلى التدخل بشكل من الأشكال. لم يدعهم للجهاد ” الثوري ” سوى الإخوان، وإلى الوعي سوى الليبراليين والليبراليات، بمختلف مهامهم التعبوية المثيرة للشهية. وضاع الشعب بين العزلة ومقاومة إغراءات الشيطان. وقام الإخوان والليبراليون بمهاجمة شعب أعزل غير موجه وغير منظم، لم يواجههم بسلاح مقابل سلاح، أو بوعي مقابل وعي، لأن النظام كان مشغولا عن هذا بألاعيب كلينتون. حتى حينما دعت كلنتون شبيحتها إلى عدم تسليم السلاح، لم يقم النظام السوري باستغلال زعرنتها للإعداد المعنوي لشعبه، واكتفى أن يشتكي عليها إلى خزانة أحذيتها العربية. كان يمكن أن يقال لها على سبيل المثال، وبلسان الأسد أو المعلم على الأقل: في مثل سنك يجب أن تغلب الحكمة على الرعونة، فالشعب السوري هو نسخة محسنة ومعدة جيدا لتلقين أعدائه دروسا جديدة لم ىعتادوا عليها. حتى ولو كان هذا غير صحيح فأنها فرصة للتعبئة المعنوية لشعبه، وليست بإية حال من الأحوال فرصة للإحراج السياسي في فضاء خال من السياسة. وربما كانت فرصة لعملية قوية مدوية في إحدى ” دول ” الخليج ؟ فالعائلات المستأجرة هناك، هي اليوم في وضع حمر مستنفرة، تفر من كابوس ملح، لذلك تعمل في تسليح وتوريد المرتزقة إلى سوريا. فهي خائفة من غول الفشل الأمريكي،لا سمح الله، الذي سيحولهم إلى حمر مستنفرة فرت من قسورة. وكان يمكن شغلهم بالخوف عن التآمر. ولكن النظام السوري فعل أسوأ ما يمكنه فعله، وهو محاولة إحراج ممتهني العمالة الأكثر خسة في التاريخ البشري. وهي ضريبة عبثية دفعها النظام السوري وهو يعرف ذلك. فلا شيء يجعل عاهرة ممتهنة تخجل، لأن الريح أطارت ثوبها عن ساقيها. ويخطيء النظام السوري إذا أعتقد أن أحدا يكره سوريا والعرب في العالم، كما يكرههم شيوخ الخليج.

هذا المقال هو مجرد دردشة فقط من ناحيتي، فقد فتشت في الربيع العربي، وفي الوضع الدولي والسوري والعربي عن نقطة واحدة غامضة، أتمظهر بكشفها، فوجدت أن الوضع يعاني من شدة الإنكشاف، ولم يعد فيه حظ لمتصيدي الغموض حتى ولو افتعالا. أمريكا أغلقت ملف التنبؤات منذ زمن. والجملة التي أغلق بها الملف هي جملة كلينتون التي دعمت فيها المكشوف بالرسمي، وهو أن أمريكا هي سيدة الربيع العربي. والعرب والجامعة العربية يرقصون عراة بالتمام والكمال كما فعلوا دائما ولا شيء يمكن أن يحرجهم. وأمريكا أيقنت أن العقل العربي، لن يرقى أبدا إلى وعي المواجهة ما دام مجردا من وعي ما ينتظره. وباختصار فإن النظام السوري لم يقم بانتداب شعبه للمواجهة مع أليات ربيع الخزي العربي قبل بدايته، وتعبئة قطاعاته، وعيويا وتنظيميا وإعلاميا، ليكون على مستوى التربص الخياني الذي كان الربيعيون، يحشدون له إلى حد استغلال كل المغريات المادية، والمحرمات الدينية، والسفاهات الدينوية والأخلاقية، والإعلام العاري.

ولعل من وراء دوافع النظام السوري للملاينة أنها ما تزال تراهن على أسطورة الدعم الروسي أو الصيني السياسي. ولعلها أرادت بخطوتها التسهيل على الموقف الروسي في دعمها، وكأن هذا الدعم يأتي من موقف ثابت. لكن هذا الدعم غير محتمل موضوعيا. فعلاقة روسيا بالغرب كعلاقة المعوق الذي بحاجة إلى من يدفع عربته. علاوة على خوفها من ربيع روسي يمكن لأمريكا إطلاقه متى شاءت، وهي تعرف أنها مؤهلة بنيويا لربيع روسي مزلزل. وحينما يحين الوقت فإن الرييع الروسي سيحدث على الطريقة التي اكتمل فيها في مصر وتونس، بسرعة وسلاسة واتزان. أما الصين فلن تراهن على العرب لأنها ليست مجنونة سياسيا. وكل ما تحاول فعله الآن هو الضغط على الغرب للحصول على بضعة حقول نفطية من النفط العربي والإفريقي. فمعظم النفط العربي هو ملكية أمريكية صهيونية شرعية دوليا، وبسقوط ليبيا أصبح كله تقريبا ملكية غربية مسجلة. والحصول على بعضه لا يستدعي التوجه إلى حراسه بل إلى مالكيه. لذلك تلعب الصين حاليا لعبة المبادرات. وأمريكا حاليا تنتظر التوقيت الروسي للبدء بتنفيذ صفقة المقايضة. وهي من جانبها مرتبطة، كما يبدو، بالتوقيت الإسرائيلي وليس الأوروبي، لساعة الصفر. فأوروبا حليف أمريكي، ولكنها ليست كإسرائيل شريكا أمريكيا.

تصريحات المسؤولين الروس والصينيين، تظهر أنهما تتوقفان عند حد معارضة الغزو. أما من الناحية السياسية فإنهم مع الموقف الدولي الذي يمثله بان كي مون. وهم يدينون عنف النظام السوري ضد “مواطنيه” كل يوم. وهذا الموقف يعني أن الموقف الروسي هو مع الموقف الدولي، بشرط ضمان مصالحه في بلدان الربيع العربي. هذا موقف تفاوضي صريح. نحن نعارض الغزو العسكري فقط، لأننا نريد ضمان مصالحنا. أعطونا ذلك الضمان وسنتفق. والذي يستمع إلى قناة الجزيرة الروسية والمسماة ” روسيا اليوم ” يدرك أنها تؤيد الربيع العربي وبذات أسلوب التبجح الجنسي الذي تقدمه الجزيرة.

ومع ذلك، فإن هناك رهانا روسيا صينيا، كلا على حدة، على إيران. صين هو إيرا ن. روسيا ما تزال تنافق بين إيران وإسرائيل. فهي تعطي لإيران كل تحتاجه بالدولار الأمريكي واليورو، وتقدم لإسرائيل كل ما تحتاجه من معلومات بهذا الخصوص. فالأولى قوة إقليمية تتجذر تدريجيا خارج إرادة كل الأطراف، ومستعدة لإرواء الجشع الإقتصادى لروسيا، والثانية قادرة على التأثير سلبا وإيجابا على مصالح روسيا الأقتصادية، وعلى استقرار الوضع الداخلي فيها. ولكن ما سيحسم الخيار الروسي لصالح المراهنة على إسرائيل، هو استقرار علاقاتها مع الغرب، وقبول الأخير بها كإحدى دول التحالف الغربي. وبنفس المدى فإن التزامها بموقفها الحالي من سوريا، سيكون جزءا من تكلفة رهانها على إيران، إذا استمر الصد الغربي لها على حاله. لذلك فإن سوريا ملزمة بالتشبث بعلاقاتها مع إيران بمنطق الضرورة القصوى. فهي الآن وحيدة في ساحة المواجهة مع الغزو. فالمصطلح العربي بلغ نهايته المخزية. وسوريا متورطة الآن وحدها نيابة عن مصطلح لم يكن له حضور فعلى حتى وهو ما زال نظريا على قيد الحياة. ومن العبث الآن التمسك بأوهام أو أحلام الماضي بنصوصها الضائعة. وعلى سوريا الآن أن تتحول إلى قوة تحرر إقليمي تتحرك في دائرة واحدة مع قوة التحرر الكبرى في المنطقة، ومع عناصر الممانعة الأخرى للغزو الأمريكي. لا فائدة من الرهان على علاقتها المباشرة مع روسيا أو الصين من موقع قومي، تدينه المصلحة الروسية والصينية بتلقائية المصلحة. ومن الأجدى المراهنة على تحالفها مع إيران لتستفيد بشكل غير مباشر من علاقة روسيا أو الصين بها.

رغم هذا تظل المبادرة من جانب إيران وحلفائها في المنطقة، إلى حرب شعبية استباقية تحت عنوان التحرر العالمي من الإمبريالية، والتحرر من الهيمنة الأمريكية على المنطقة، وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدولها، هو الرد الإستباقي الملزم موضوعيا ومنطقيا، على ضوء إصرار أمريكا والغرب على تصفية مواقع التحرر في المنطقة بالتدخل العسكري. إن إثارة حالة من عدم الإستقرار حول مصالح أمريكا وحلفائها في منطقة الخليج سوف يؤدي حتما إلى زعزعة السيناريو الأمريكي السهل، ويخلط الأوراق بينها وبين حليفاتها الأوروبيات، ويسهم في زيادة متاعب الأوروبيين الإقتصادية. وهو الأمر الذي حاولت القيادة الإسرائيلية وضع توقيت إسرائيلي له، من خلال تصريحات بيرس وتسريبات قناة الجزيرة. ولكنها لم تقصد الحرب الشعبية، وإنما جر النظام الإيراني إلى خطوة عسكرية في الخليج أو العراق. ولكن يبدو أن إيران كانت تعي اللعبة مقدما، فلم تنسق وراء التصريحات سوى بالتصريحات الأكثر حدة. ولكن ذلك لا يعني التنازل عن التحريك الشعبي الإستباقي حول الخليج، إذا أرادت إيران عدم تضييع الفرصة، والقفز من موقع الحصار إلى موقع الإقتحام. فالنظام الإيراني لن يصمد إلى الأبد تحت أقسى أنواع الحصار الخانق، والتهديد المستمر، والتخريب الداخلي، ونسج المؤامرات. وإذا قررت إسرائيل والغرب مهاجمة إيران عسكريا، فستكون الضربة ماحقة يرافقها اجتياح أرضي، قد لا يعطي لإيران فرصة الرد. ولكن البدء بالحرب الشعبية سيكون رصيدا محققا، إلى جانب القوة النظامية. كما أن شغل الأطراف المعادية، بحرب اقتحامية شعبية من جانب إيران وسوريا ولبنان الوطني وربما العراق، قد يعيد خلط الأوراق المنطقية والدولية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة.

لا يمكن لإسرائيل أن تحارب بدون أمريكا، ولا يمكن لسوريا أن تحارب بدون إيران. إن إيران بحسابات المأزق الذي يعيشه العرب، هي بلد مسلم وفارسي أى شبه عربي بالثقافة القومية، وكونها شيعية يشكل تميزا لها على صعيد المرحلة. فهي ترفض التبعية والمهادنة السياسية مع الغرب. وهي نظام شعبي في جوهره، يستخدم دينامية الجهاد الشيعية. ويزداد تميزا على ضوء أن السنية السياسية تشكل تيارا عالميا تابعا للغرب، ومناهضا لكل أشكال التحرر. وإذا كان التيار الشيعي المسيس هو الرهان التحرري الوحيد، الممكن أمام التحرر القومي من أمريكا والغرب، فلم لا. وحتى بالمنطق الديني الطائفي، من هو المسلم الحقيقي؟ هل هو المؤيد لعملاء أمريكا، شاربة الدماء، وقاتلة الأطفال، وهاتكة الإعراض، وناهبة قوت المسلمين، في كل البلاد الإسلامية، أم هو المجاهد ضد الظلم والإستعباد واستباحة دماء وأقوات ومصالح المسلمين؟ قد يقول البعض من عباقرة التنكيت المعادين لإيران، أنها تلعب لعبة معادية للعرب مع الغرب. طبعا هذه نكتة هجرية يحتمون بها من الخيانة بالعروبة، أو هي أحيانا من عقابيل حرب العراق. ونقول لهؤلاء: أولا أين هم العرب الذين تتحدثون عنهم؟ هل تعنون بهم أحدا غير الهجريين، أي عرب أمريكا وإسرائيل؟ فلماذا تعادي إيران، العرب وهي إذا كانت متواطئة مع الغرب يجب أن تكون حليفا لهم؟ ولماذا وأنتم تخدمون الغرب بالمجان ضد شعوبكم، تحرمون على إيران أن تتعامل مع الغرب على قدم المساواة , لتحقيق مصالحها القومية كما تراها هي؟ إيران مثل كل دول العالم المعاصر لا تصادق ولا تعادي مجانا. أي أنها غير مبتلاة بحب الغرب رومانسيا أو شرعيا وفقهيا مثلكم. أنتم الذين تعادون إيران لآنها تعادي ٍأسيادكم، فلم الكذب؟ لقد أعتدتم عليه إلى درجة أن أمريكا صارت تستغلكم ككذابين فقط؟ العرب قالوا مرة على لسان رئيسهم: نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، هذه هي السياسة في حدودها الإنسانية والعملية معا، فقلبتموها إلى نعادي من يصادقنا ونصادق من يعادينا، مثل شأنكم دائما كهجريين. فهل تظنون أن مثلكم أحدا في هذا ا لعالم؟ خسئتم أنتم مثلكم فقط:

لم أجد مثلك وصفا

حينما شاهدت وصفك

فتلعثمت وقلت:

يا حبيبي أنت مثلك

لو تركت العنان لهذه الدردشة لما انتهيت، حدود كل شيء الزمان والمكان، أي العمر وكمية الحضور. إلا ملحمتنا مع العبث، وملحمة الآخر مع دمنا وإنسانيتنا، فإنها تتجاوز وعي الحقيقة. لأنها من ظواهر ما وراء الطبيعة.

عن prizm

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *