الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / من فلسطين الى السودان لكي لا تبقى النكبة هي العنوان؟!!!

من فلسطين الى السودان لكي لا تبقى النكبة هي العنوان؟!!!

السودانيون يتظاهرون أمام وزارة الدفاع في الخرطوم ابتهاجاً باستعادة حجليج من قوات جنوب السودان

من فلسطين الى السودان

لكي لا تبقى النكبة هي العنوان؟!!!

محمد النوباني

اعتقد ان انفصال جنوب السودان عن الوطن الام في التاسع من تموز 2011 وصيرورة الكيان الانفصالي الجديد وبسرعة هائلة راس حربة ومخلب قط لتدمير الوحدة الجيوسياسية لهذا البلد العربي الكبير بمساحته والغني جدا بخيراته ومصادره المائية وبعلاقته بالامن المائي للسودان ومصر، كان بمثابة نكبة كبرى حلت ليس بالشعب السوداني فحسب بل وبالامة العربية برمتها.

ولكي ندرك بانه ليس ثمة مبالغة فيما ذهبنا اليه، يكفي ان نذكر بان مساحة السودان كانت قبل انفصال الجنوب تبلغ 2.589000 كيلومتر مربع فيما اضحت بعد الانفصال1.812000 كيلومتر مربع وهذا يعني انه خسر 777000 كيلومتر مربع أي (30% من المساحة الاجمالية) أي اكثر من مساحة دولة كفرنسا ووثلاثة اضعاف مساحة بريطانيا وسبعين ضعف فلسطين التاريخية.

وبلغة الارقام ايضا فانه بقيام جمهورية جنوب السودان الانفصالية خسر السودان قرابة 75% من نفطه المستغل، و80% من غطائه النباتي، بما فيه من ثروة حيوانية كبيرة وحيوانات نادرة، ومعظم مصادر مياه الامطار التي كانت تهطل عليه، حيث لا يزيد المعدل المطري السنوي في شمال السودان عن 20 ملم في السنة بالاضافة الى فقدانه للحدود مع ثلاث دول مجاورة هي اوغندا وكينيا والكونغو الديمقراطية.

ومما يزيد الطين بلة ان الاخطار الوجودية التي تحدق بالسودان لا تقتصر على المؤامرة التي تنفذها حكومة “سلفا كير” انطلاقا من الجنوب والتي كان اخرها احتلال منطقة “هجيليج النفطية” التابعة للشمال قبل ان تجبر على الانسحاب منها بقدر ما تتجاوزها الى الشمال حيث تتضطلع الحركة الانفصالية في اقليم درافور بدور مكمل لكي يصل قطار التجزئة الى مرحلته الكارثية الثانية.

فأقليم دارفور تبلغ مساحته 510000 كم متر مربع أي زهاء خمس مساحة السودان الاصلية ، وتشير بعض المصادر بانه يقوم على بحيرة من النفط ويحتوي على كميات كبيرة من اليورانيوم عالي الجودة والذهب والمعادن النادرة وثروة حيوانية كبيرة، بالاضافة الى غابات من شجر “الهشاب” الذي يثمر الصمغ العربي فضلا عن حقول القطن والتبغ والفاكهة والخضار وغيرها الكثير.

وإذا ما قيض لهذه الحلقة من المؤامرة الكارثية ان تمر من خلال انفصال” اقليم دارفور” عما تبقى من السودان فان ذلك سوف يفتح شهية حركات مسلحة اخرى للانفصال عن السودان على اساس جهوي او طائفي او عرقي سيما وانه توجد في شمال السودان حركات معارضة مسلحة اخرى تضم بالاضافة الى حركات دارفور الحركة الشعبية ” اقليم الشمال” والجبهة الثورية او تحالف” كاودا” مما سيؤدي في حال عدم الحاق الهزيمة بتلك الحركات بدعم من ابناء الامة في مختلف اقطارهم الى تلاشي الوحدة الجوسياسية لهذا البلد العربي المحوري وتقسيمه الى دويلات قد يجري ضمها الى الامم المتحدة ربما لتكون على غرار دولة “مايكرونيزيا” الصغيرة جدا والتي هي عبارة عن مجموعة جزر في المحيط الهادي، تصوت دائما في الامم المتحدة الى جانب اسرائيل ضد مشاريع القرارات التي تنتقد الممارسات الاسرائليية ضد الشعب الفلسطيني.

وبمقدور كل من يرغب بالاطلاع على الحقائق ان يقرا ما كتبته وتكتبه وسائل الاعلام الاسرائيلية عن دور اسرائيل في دعم الحركة الانفصالية في جنوب السودان ومدها بالسلاح والعتاد منذ الخمسينيات وصولا الى دورها الواضح في اقامة دولة جنوب السودان ودعمها لبقية حركات التمرد في دارفور ناهيك عن دعمها المعروف لكل الحركات الانفصالية في الوطن العربي.

ومن الواضح ان دعم اسرائيل للحركات الانفصالية في السودان وعلاقاتها المتميزة مع دول منبع ومجرى نهر النيل مثل اثيوبيا واوغندا وكينيا ورواندا وبورندي وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومساعدتها لبعض تلك الدول مثل تنزانيا لاقامة سدود في تلك الدول لحجز مياه نهر النيل له علاقة بمطامع اسرائيل المائية في المياه العربية وتحديدا المصرية والسودانية حيث ستودي الى تقليص حصتهما من مياه النيل الى حدوث كوارث حقيقة فيهما سيما اذا عرفنا ان مصر تعتمد بنسبة 97% على مياه النيل فيما تعتمد السودان عليه بنسبة 77%.

ومن نافلة القول ايضا ان تفتيت وحدة السودان الجغرافية والسياسية وتجزئته سيقضي على حلم راودنا منذ ان كنا تلامذة على مقاعد الدراسة الابتدائية حيث اوضح لنا اساتذتنا الاكارم انذاك بان السودان بمقدوره ان يكون سلة غذاء للوطن العربي اذا ما استثمرت به الاموال اللازمة لذلك، كونه يملك زهاء 200 مليون فدان صالحة للزراعة، أي ما يعادل 45% من الاراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي بالاضافة الى توفر المياه لاغراض الري في ربوعه بكميات كبيرة.

وأذكر انني قرات في احد المصادر انه لو استثمرت في السودان بعض الاموال الكافية في مجال استغلال وتصنيع الصمغ العربي لتحول بفعل ذلك الى دولة غنية، فتصوروا كيف سيكون الحال لو تم استثمار بضع مئات من المليارات العربية التي تذهب سدى على شراء اسلحة عبارة عن” خردة” تستخدم في الاستعراضات العسكرية فقط في الزراعة السودانية وفي تنمية الثروة الحيوانية التي تقدر بزهاء(103) مليون من الغنم والماعز والبقر والابل.

فلو تحقق ذلك فانه سيكون بمقدور العرب ان يضمنوا امنهم الغذائي ويتحرروا من تبعيتهم وارتهانهم للسياسات الاميركية والغربية التي تستخدم القمح وما يسمى بالقروض واموال المساعدات ومعاش اخر الشهر لابتزاز مواقف وسياسيات عربية مؤيدة لاسرائيل ومعادية للمصالح العليا للامة العربية.

إستنادا الى كل ما تقدم فان المطلوب اليوم من الشعوب العربية في المقام الاول الالتفات وبقوة الى ما يحدث في السودان والادراك بان ما حصل من اقامة دولة انفصالية وتوسعية في جنوبه كان بمثابة نكبة لا تقل خطورة عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني في 15 من أيار عام 1948 والتي تحل ذكراها الرابعة والستين في الخامس عشر من الشهر القادم.

وانسجاما مع هذا الادراك اعتبار المعركة الجارية على ارض السودان هي معركتها ومساعدة الحكومة السودانية بكل الوسائل لالحاق الهزيمة بالانفصاليين في جنوب السودان وشماله وتحرير تلك البقعة الغالية من الوطن العربي من سيطرتهم.

وبما ان الخطر الذي يستهدف السودان هو من النوع الوجودي فان ذلك يجب ان يشكل حافزا لكل القوى الوطنية السودانية لتناسي خلفاتها البينية وكذلك مع حكومة البشير والانخراط في المواجهة المصيرية لان السؤال هو بالتعبير الشكسبيري إما ان تكون السودان وإما ان لا تكون.

عن prizm

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *