الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / استخدام هيئة الأمم المتحدة كأداة لتقنين العدوان

استخدام هيئة الأمم المتحدة كأداة لتقنين العدوان

استخدام هيئة الأمم المتحدة كأداة لتقنين العدوان:

حول التقرير الأخير عن الخسائر البشرية في سوريا

أ.د. محمد أشرف البيومي

قد يظن البعض أن “المثقف” العربي قد تعلم بعض الدروس من العدوان الإجرامي علي دولتين عربيتين هما العراق وليبيا ولكن للأسف هذا الظن ليس في محله حيث أن الكثير يبتلع المعلموات الكاذبة أو المخادعة والمضللة وكأنها حقائق دامغة.

كثير من “المثقفين” العرب صدق كولن باول عندما حذر وفي يده أنبوبة تحتوي علي مسحوق ابيض زاعما أن ملعقة شاي بها مثل هذا القدر الضئيل من مسحوق الأنثراكس الفتاك تقتل آلاف الآلاف من البشر وأن صدام يملك أسلحة دمار شامل منها صواريخ وأسلحة كيمائية وبيولوجية، كما أظهر صورا تؤكد علي وجود عربات متنقلة بها أسلحة بيولوجية. فضح الأمر واعترف باول نفسه بكذب المعلومات بعد أن دمرت العراق. ندم باول حيث لا ينفع الندم واعتبر خطابه بهيئة الأمم في فبراير 2003 وصمة في تاريخه. صور الأمر عبر الإعلام الغربي أن استئصال صدام سينقذ العراق من كل الشرور وسيجلب الديمقراطية والرخاء والنعيم و الاستقرار . مضت سنوات عديدة بعد أن قتل وشرد وجرح الملايين نتيجة للعدوان والحصار الإجراميين علي العراق. ودمر جيش العراق احد الجيوش اُلثلاثة التي هي ركيزة الدفاع عن الامة العربية في وجه الكيان الصهيوني وهو نفس الجيش الذي هب للدفاع عن دمشق و أبلي بلاء حسنا علي الجبهة السورية في حرب 1973. ودمرت البنية التحتية للعراق ودمر معها برنامج تنمية كان له امكانات مستقبلية هائلة. طالب بعض مثقفي النخبة بالتدخل الأجنبي لإنقاذ شعب ليبيا ودمرت ليبيا من قبل قوات حلف الناتو وأمريكا. وشاهدنا رئيس ليبيا الجديد يرفع يديه معلنا النصر مع كامرون البريطاني وساركوزي الفرنسي كما رأينا الصهيوني العتيد برنارد هنري ليفي في غرفة العمليات العسكرية بليبيا.

والآن تدور حرب طاحنة للقضاء علي سوريا لإضعاف الدولة وتمزيق الشعب، هذه الحرب التي تستخدم فيها كافة أدوات التضليل والخداع هدفها تبرير العدوان وكثير من “المثقفين” العرب يمارس هوايته من تصديق الأكاذيب بل ونشرها. فالدولة السورية متهمة باستخدام السلاح الكيمائي ضد مواطنيها مما يتناقض مع القانون الدولي، كما أن مقولة “النظام الدموي الذي يقتل شعبه” تكررت حتي أصبحت وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش حتي ممن يسمون أنفسهم بقوميين عرب أوبناصريين أو تقدميين!!. هذا يؤكد مقولة وزير الإعلام النازي جوبلز بأن الكذبة إن تكررت مرارا تصبح حقيقة.

في هذا المناخ أصدر مكتب حقوق الإنسان بهيئة الأمم المتحدة (OHCHR) في 2 يناير الماضي تقريرا يعلن مقتل ستون ألفا من المواطنين السوريين منذ اندلاع الأحداث. ومنذ ذلك الوقت استخدم هذا الرقم الذي تم رفعه إلي سبعون ألفا لإدانة النظام بحجة أنه يقتل الأطفال و أبنائه ومن ثم تبرير المطالبة بإزالته . المسألة هنا ليست فقط دقة المعلومات ولكن مدي الخداع المستخدم ومدي سذاجة ما يسمون أنفسهم بمثقفين. السؤال هنا من الذي كتب التقرير؟ وكيف وصل الباحثون لهذه الأرقام؟

لا شك أن القتل المتعمد لمواطن واحد أو لمواطنة واحدة هي جريمة لا تغتفر ولكن المسئولية تقع علي من يؤجج الصراع والذي يعتدي علي كيان الدولة. لقد أعلنت قوي الهيمنة الغربية وحلفائها من أمراء النفط والكيان الصهيوني أن النظام لابد من إزالته لأنه لم يمتثل لإملاءات هذا الثالوث البغيض وبالقطع ليس دفاعا عن الديمقراطية. لقد حاولت الحكومة الأمريكية ودولا أوروبية علي رأسها فرنسا إغراء النظام ورئيس الدولة بشار الأسد حتي يمتثل لمطالبها الأساسية من عقد معاهدة سلام مع العدو الصهيوني والتخلي عن دعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية وفك ارتباطها بإيران ولكنها فشلت ولهذا أعلنت حربها بالوكالة علي الدولة والنظام والشعب.

ماهو الدرس من هذه المأساة؟ وهل تعلمناه؟ الدرس هو المعتدي يستخدم كافة الأدوات والاساليب في عدوانه وانه غير ملتزم باي قواعد قانونية أو دولية. ما أهمية أن يكتشف الكذب والتضليل بعد فوات الأوان؟ الأساليب ليس فقط ماهو واضح من أدوات دمار واستخبارات ولكنها أيضا وبنفس الأهمية إن لم تكن تفوقها ألإعلام المضلل الذي يروج المعلومات الكاذبة. هكذا يستخدام العامل النفسي بحيث تجعل الضحية تصدقك وتصفق للعدوان بل تستدعيه وتطلبه وتبرره الضحية بدلا من ان تقاوم. ومثل ما كان الموقف المؤيد للأعداء في العراق وليبيا، تتكرر المأساة في سوريا.

والمفاجئة أن تقرير هيئة الأمم المتحدة والذي أعلنته Navi Pillayالمنسق العام لحقوق الإنسان لم تعده هيئة الأمم، كما أن الأرقام التي جائت بالتقرير لم تكن أرقام الأمم المتحدة أيضا. ورغم ذلك ذكرت الصحف البريطانية الرئيسية أن الأرقام هي أرقام الأمم المتحدة”UN Figures”. الحقيقة هي أن هيئة الأمم كلفت شركة إسمها Benetech ببالو ألتو بكاليفورنيا لإعداد التقرير من قبل فرعها المسمي ب Human Rights Data Analysis Group (HRDAG). والجدير بالذكر أن وزارة الخارجية الأمريكية وصندوق الوقف الأمريكي NED هما من ممولي هذه الشركة. هذا يكشف بوضوح تناقض المصلحة والشك في موضوعية التقرير برمته.

كيف أتت شركة بنيتك Benetech بالأرقام؟ كما يذكر التقرير فالشركة اعتمدت علي سبعة مصادر هي: مركز توثيق الانتهاكات Violations Documentation Centre التابع للجان التنسيق المحلية(المناوئة للنظام) والشبكة السورية لحقوق الانسان و مجلس العام للثورة السورية وموقع شهادة السوري ومجموعة 15 مارس. والمرصد السوري لحقوق الانسان والحكومة السورية.

إذا الأرقام ليست أرقام هيئة الأمم المتحدة كما يدعي التقرير ومصادر التقرير أغلبها من أعداء النظام السوري والذي جمعتها شركة ممولة من الحكومة الأمريكية. فهل يثق عاقل في مثل هذه التقارير؟

والجدير بالذكر أنني عندما كنت أعمل مسئولا بهيئة الأمم المتحدة في برنامج الغذاء العالمي المنوط بها تقييم كفاءة وعدالةو وكفاية الغذاء الذي توزعه الحكومة العراقية من أموال نفطها وذلك أثناء الحصار الإجرامي علي العراق، كلفت هيئة الأمم مسئولا هولنديا اسمه فاندرشتول لكتابة تقارير دورية حول أوضاع حقوق الإنسان بالعراق،رغم أنه لم تطء قدميه العراق في هذه الفترة. شملت تقاريره أكاذيب رقمية متعلقة بالمبلغ الذي يدفعه المواطن للحكومة العراقية وهو مبلغ ضئيل يغطي بالكاد تكاليف النقل. لكن فان دير شتول ضاعف الرقم عشرة مرات، وكانت هناك اتهامات تثير السخرية موجهة للرئيس صدام حسين بتحصيل هذه المبالغ الضئيلة جدا. ومن التناقضات الصارخة أنه في الوقت الذي يعدد التقرير انتهاكات النظام العراقي لحقوق الانسان كان الانتهاك الحقيقي والخطير لهذه الحقوق هو وفاة مئات الألوف من أطفال العراق من جراء الحصار الاجرامي الذي كانت تديره هيئة الأمم المتحدة نفسها وقوي العدوان وعلي رأسها أمريكا. هذه القوي تسببت في جرائم إنسانية بشعة بسبب الحصار والاحتلال والتي سيحاسب عليها مرتكبوها يوما ما، هي نفس القوي المتربصة بسوريا الآن والتي تعتدي علي الشعب السوري من تدمير وتشريد وحصار وقتل.

لكن صمود الجيش والشعب والنظام السوري ستكون الدعامة الأساسية لإجهاض العدوان وخروج سوريا منتصرة لتكون نواة لوطن عربي مقاوم ومتقدم.

* أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الاسكندرية وجامعة ولاية ميشيجان سابقا

القاهرة في 28 مارس 2013

عن prizm

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *