الرئيسية / Uncategorized / موسم الحج .. إلى الشام

موسم الحج .. إلى الشام

5/11/20013

امال وهدان

هذه ليست فتوى .. حاشى لله! فاختراع الفتاوي إذعاناً لطلب السيد في عصر الظلام الغيبي هي من اختصاص جهلة أنظمة النفط. هي اجتهاد! نعم، فالوضع الطبي في الحالة العربية الضبابية والفوضوية السائدة يوجب أن يكون الحج هذا العام وكل عام باتجاه الشام وليس مكة طالما يحكمها ملوك الطائفية بكل ما أصابهم من لوث وضلال!! وبعد، ألم تكن دمشق دوماً ملتقى حجيج العلماء والأئمة ونبعاً للروحانيات لا ينضب ومهداً للحضارة عبر التاريخ قديمه وحديثه؟

أعلم أن هذا الاجتهاد المنطقي والموضوعي سيستثير رعاع البيت الأبيض في أنظمة الفساد التابعة بدءاً من الجزيرة العربية وليس انتهاءً ب “مملكة المغرب” وما بينهما من أشباه أنظمة وحركات وأحزاب طفيلية تتلفع بالدين زُرعها السيد كالطحالب على خارطة الوطن العربي ضماناً لهيمنته. وسيستفز أيضاً حفيظة “شيوخ” اتحاد علماء التجهيل والفتنة والقتل -وأتباعهم المنتشرون على فضائيات النفط الأسود الحاقد- الذين تلقوا علومهم الشرعية والفقهية على يد موظفي السفارات الأمريكية وعملاء المخابرات المركزية ومراكز دراساتهم المنتشرة في صحراء الجزيرة العربية وأرجاء الوطن العربي وجامعاته “الوطنية” فأتخموا عقول البسطاء من شعبنا العربي بوصفات شرعية معلبة للقتل والتنكيل والدعارة (باسم جهاد النكاح) وجندوا المثقفون والأكاديميون لتشويه وتحريف الوقائع والحقائق بحيث تساووا مع شيوخ الفتنة بأدوار العمالة والقتل وتناغموا بالفتاوي من على ذات شاشات الفضائيات المحمومة.

فإن باتت دمشق والحالة هذه وجهة الحج بقوة الحق التاريخي وبأمر واقع فرضته معادلة الصمود الأسطوري لشعبنا السوري وجيشنا البطل وقائده العام وقيادته السياسية والعسكرية المتماسكة غيرت من خلاله الخارطة الجيوسياسية للمنطقة وللعالم بأسره، فإن الحج إلى مكة الآن بات مؤجلاً حتى شرعاً طالما بقي القتلة ومجرمو الحرب من آل سعود يمنعون عنها أهلنا في الشام ويتحكمون في مفاتحيها وطوافها وسعيها وزمزمها وأضاحيها وطالما بقيت عصابة المجمع الصناعي العسكري والرأسمالي الأمريكي تحكمها من داخلها وتهندس أدوراها.

والحالة هذه، كيف ممكن لعاقل من بين العرب أن يقبل لعصابة من القتلة والمرتدين واللصوص من آل سعود أن تتحكم بمصيرهم وشعائرهم وتحول ركن أساسي من أركان عبادتهم إلى آداة للابتزاز السياسي فتسمح وتمنع الدخول لمكة كما تشاء؟ كيف يسمحون لهؤلاء الجهلة أن يحولوا شعائر الحج إلى تجارة رابحة للشركات العابرة للقارات والأديان والقوميات والإرهاب ويدعون زوراً ونفاقاً أنهم خَدَمة “البيت الحرام” بينما يتجاهلون ويتعامون عن احتلال “ثالث الحرمين” ويتخلون فعلياً عن القدس وأهلها ويتركونهم فريسة لجرائم المستوطنون الصهاينة، ويمنعون أهلنا في المناطق المحتلة من دخولها لأكثر من ثلاثة عقود، بينما يجندون ويسلحون ويمولون عشرات الالآف من الإرهابيين ويزجون بهم للقتل في سورية باسم الدين والجهاد؟ أليس هذا تماهياً واضحاً لا لبس فيه ل “خَدَمة الحرمين” مع المشاريع الاستيطانية الفاقعة للكيان الاستيطاني الإحلالي وقوى الاستعمار العالمي ونواياهم تجاه فلسطين المحتلة وكل الوطن العربي؟

بالبدء كان الموقف

وبالمقابل، نحن نقر بشرعية الحج السياسي إلى الشام من منطلق التعاضد والتآخي والتحالف الاستراتيجي مع الشام شعباً وجيشاً وقيادة ورئيساً، وأن تتحول دمشق إلى ملاذ للتطهر من الذنوب والخطايا لمن اهتزت بوصلته الوطنية والسياسية فأخطأ التقدير في قراءة الموقف السياسي وضل الطريق وأراد العودة إلى جادة الصواب، فهذا مشروع ومقبول. لكن أن يحاول البعض ركوب موجة الأحداث والتوهم بأنه يمكنه الدخول إلى دمشق “بطلا” و”فاتحا”، فهذا تضليل لا ينطلي على العقلاء، ويسمى في لغة السياسة بالانتهازية والوصولية. فالبطولة موقف يستدعي أن يملك هذا البعض الاستقلالية ورباطة الجأش والشجاعة الكافية للتصريح به على رؤوس الأشهاد والعمل بمقتضاه لحظة يدعوه الواجب القومي والوطني ذلك. والبطولة هي حين تتحول حكمة شهيد الموقف والكلمة الإمام علي بن أبي طالب (ع) الشهيرة “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة السائرين فيه” إلى مبدأ عام وثقافة يمارسها العامة ويذكٍروا ويضغطوا بها على من فقد بصيرته من الساسة واستنجد بالأعداء على شعبه ووطنه، وحينما يتمكن العامة من تمييز خط الشفق الفاصل بين نور الشمس الساطعة وعتمة الليل الحالكة، بين الحق القاطع والباطل المراوغ، بين الفتوى النابعة من روح الأديان وتلك المفروضة من أقبية مراكز المخابرات، بين معسكر الحلفاء ومعسكر الأعداء.

انطلاقاً من هذه القاعدة الهامة نستطيع أن نحاكم التحولات التدريجية في مواقف القيادة المتنفذة في “منظمة التحرير الفلسطينية”[i] وسلطة أوسلو للحكم الذاتي في رام الله وغزة تجاه سورية وفتح الخطوط المعلنة والسرية مع قيادتها، والتي تكثفت بعد الثورة المليونية في مصر في 30 حزيران الماضي والسقوط المدوي لمشروع الإخوان المسلمون بسقوط مرسي وانعكاس ذلك على المنطقة ككل بما فيها حركتي فتح وحماس. فالأخيرة باتت مجبرة على إعادة تموضعها السياسي وتحديد خياراتها: فإما أن تختار وتنتمي للوطن وتحافظ على وزنها ودورها في معسكر المقاومة الممتد من إيران إلى جنوب لبنان مروراً بسورية وإما أن تنتقل بالكامل إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمون وعرابه القطري التركي. لكن بكل الأحوال لا يمكنها الإبقاء على علاقة مزدوجة بين مشروع المقاومة من ناحية وتنظيم الإخوان العالمي من ناحية ثانية لأن هذا الأخير يتعارض تماماً مع جوهر المشروع التحرري الوطني الفلسطيني بل ويتناقض بالمطلق مع أسس ومبادىء إقامة دولة ديمقراطية تقدمية واحدة على كافة التراب الوطني المحتل ولها امتدادها الطبيعي الشمولي في البيئة العربية المحيطة والتي تعرف ببلاد الشام.

كذلك أدى انهيار مشروع الإخوان المسلمون في المنطقة من ناحية والصمود الأسطوري للشعب والجيش والقيادة العربية السورية من ناحية ثانية وانعكاسه على خارطة التوازن الأممي لصالح قوى السلام والتعاون والقانون الدولي ممثلة بدول البريكس ودول الألبا في أمريكا الجنوبية، إلى صفعة قاسية لمشاريع الامبريالية العالمية في المنطقة وتحديداً الكيان الاستيطاني الصهيوني الذي لعب دوراً بارزا مع حلفائه الخليجيين في إشعال وتأجيج نار الفتنة الطائفية والمذهبية وتدمير أكثر من دولة عربية حتى اصطدمت خططه التوسعية على صخرة سورية العرب، فكان لا بد لهذا المشهد الإقليمي والدولي أن ينعكس على القيادة المتنفذة للمنظمة وسلطة رام الله التي تعاني من انعدام التوازن السياسي وضعف بنيوي شديد حكم عليها بالتبعية المذلة لمركز القرار الأمريكي وحليفه الاستراتيجي الصهيوني حتى في أشد المنعطفات خطورة في تاريخ اللجوء الفلسطيني المعاصر عندما هاجمت العصابات الإرهابية المدعومة قطرياً وتركياً مخيم اليرموك للاجئين في سورية بتواطىء مفضوح مع أطراف فلسطينية معروفة موقعة خسائر بشرية هائلة في صفوف أبناء شعبنا ودمار بنيوي هائل في المخيم وإجبار سكانه على الهجرة مجدداً سواء إلى مراكز الإيواء التي أقامتها الدولة السورية أو إلى الأردن ولبنان.

فعلي مدار عشرة أشهر من اقتحام الارهابيين مخيم اليرموك للاجئين لم تقدم هذه القيادة الفلسطينية التابعة على أي خطوة إيجابية سواء باتجاه القيادة السورية أو علاقتها بالأطراف الإقليمية الفاعلة في لعبة الدم الدائرة في سورية من أجل وقف مسلسل الجرائم الإرهابية في المخيم وتهجير أهله. بل أمعن البعض من هذه القيادة المتنفذة في المنظمة في تنفيذ أدواراً مرسومة له بتوجيه أصابع الاتهام زوراً إلى القيادة العامة وتحميلها مسؤولية الدم النازف. هذا البعض الواهم اعتقد بانتهازيته وغبائه المعهود وأميته السياسية وارتهانه لمصالحه الضيقة أن الدولة السورية وقيادتها على طريق الزوال وأن الدبابات الأمريكية والصهيونية باتت على أبواب دمشق، فسارع إلى اتخاذ مواقف مشينة على حساب شعبه ولصالح مشغليه في واشنطن متناسياً أن الأخيرة لديها حساباتها الخاصة وأنها عندما تقتضي مصالحها العليا أن تتخلى عن أقرب حلفائها فهي لا تفكر مرتين فما بالك عندما نتحدث عن متعهدين من المستويات المتدنية جداً!

الآن وقد بدأت غيوم الحرب المفبركة بالانقشاع تدريجياً عن سماء دمشق تدفقت التصريحات وفتحت قنوات الاتصال وبدأت وفود الحج للقيادة المتنفذة في التقاطر على الشام آملة في أخذ موقع ما في قطار الترتيبات السياسية الإقليمية، معتقدة أنها تستطيع استنساخ البراغماتية الأمريكية على الحالة السورية لكنها أخطأت بسذاجتها السياسية المعهودة تقدير حجمها وقوتها وتأثيرها على مسار الأحداث السياسية الاستراتيجية في الإقليم بينما هي مكبلة في اتفاقيات تم تصنيعها في واشنطن لخدمة الكيان الاستيطاني، ذراعها العسكري والأمني والاقتصادي في المنطقة.

وقد يكون المطلوب اليوم من هؤلاء جميعاً هو استخلاص الدروس والعبر من الصمود الأسطوري للشعب والجيش والقيادة العربية السورية بوجه حلف واشنطن على قاعدة المبادىء والمصالح القومية العليا للوطن، والقطع تماماً مع النهج السياسي المتخاذل والتابع للمعسكر المعادي للعرب وقضيتهم الأولى، قضية فلسطين، والتنحي جانباً لاتاحة الفرصة للشعب في كل تجمعاته لمواصلة نضاله الوطني واختيار قيادة أمينة على مصالحه وقادرة على اتخاذ القرارات المصيرية في إطار حلف المقاومة العربية.

المصدر: http://www.allnewstoday.net/

**كاتبة وناشطة سياسية

البيرة – فلسطين المحتلة

عن Amal

شاهد أيضاً

رسالة للأخوة الأشقاء بالخليج

28 كانون أول 2023  نشر  د. حمود النوفلي*، عبر حسابه الشخصي على منصة إكس  في …