الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / ماذا بعد بقاء الأسد؟

ماذا بعد بقاء الأسد؟

ادريس هاني

انظر إلى الضجيج الذي سبق قرار الجيش العربي السوري دخول الغوطة الشرقية والصمت الذي أعقب النتائج غير المتوقعة: هروب جيش من المسلحين الذين تباكى عليهم الإعلام الدولي والإقليمي تحت عنوان: أطفال الغوطة..المسافة الزمنية ليست بعيدة لاستعادة الوعي بسياسة التشويش على مهام الجيش في تطهير البلد من آثار الإرهاب..لكن لسقوط الغوطة الشرقية التي تحوّلت إلى حدث عالمي يذكّرني في أيّام كانت تلك البلدات والقرى معزولة لا يكاد يتعرف عليها أهل الشّام أنفسهم..لكن الغوطة اليوم هي معبر أساسي في التحولات الإقليمية والدولية..وفي السياسة على الأقل سيكون من الأجدى القبول بنتائج المغامرة..بين الأمس واليوم تغيرت وتيرة الخطاب ونوع المصطلح..بالأمس كان الحديث استعجاليا عن سقوط الأسد..لكن اليوم نحن أمام إجماع مستحدث بأن الأسد باقي وفصارى ما يقال: ماذا نعمل يا ترى؟
خلال الفترة القليلة الماضية آخرها قبل أيام فقط بدأنا نسمع عن تزحزح في المواقف..بعد الانقلاب الذي حصل في تركيا خرج وزير الخارجية بتصريحات منها إمكانية التفاوض مع الأسد..ثم سرعان ما خرج وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم ليتحدث عن فشل المؤامرة أو بتعبيره هروب الطريدة بعد الاختلاف على الكعكة..وقبل أيام وفي مجلة التايمز عبر ولي العهد السعودي ابن سلمان عن أن الأسد سيبقى..وإذن ما قيمة حرب الاستنزاف التي غرضها إشغال الجيش العربي السوري وتخريب البنية التحتية التي بناها الشعب وبسواعد الجيش نفسه انبنت الكثير من معالمها..


سؤال ماذا بعد هو أيضا متفاوت: فهناك من يرى الحل في بقاء القواعد الأمريكية على المدى المتوسط أو الطويل كما قال ولي العهد السعودي للتايمز..وهناك من يرى الحل في إنهاك سوريا ، أي تسليم سوريا كأكوام وأطلال..هناك من يقترح ضرب إيران..وهناك من سيسعى لتغيير العناوين والعمل على تجديد النظر للخطاب الديني الذي ساهم في التحريض على الإرهاب بحثا عن أشكال من المراجعة..فالخطاب الديني المتطرف لا سيما الوهابي قابل لكي يمارس كل أشكال التدليس بما في ذلك تبنّي مواقف جريئة في الاتجاه المعاكس لتأمين الهروب التاريخي من المحق الذي ينتظره..
المجندون في الحرب الأيديولوجية على سوريا يبحثون عن أدوار جديدة..وهناك خطط إعلامية لمرحلة جديدة في طور التنفيذ..هذه مرحلة انتقالية..لذا سنجد أنّ هناك عملا مكثفا في هذه المرحلة لتطوير أنماط وتقنية الإقناع..لقد سعى عزمي بشارة لإقناع الرأي العام بحتمية الثورة وسقوط الأسد الذي أمّن له طريقا ، حيث ومن دمشق حاز على شرعية العبور إلى المجال العربي كشخصية مقاومة..وأتنبّأ لعزمي بشارة أن يعود إلى إسرائيل بعد انتهاء المهمّة أو يغير السياسة كما فعل دائما..عزمي لأنه الييوم مكلف بوضع تصورات جديدة لما بعد بقاء الأسد ويشرف على استنبات أيديولوجيا ما بعد الفشل..هل يا ترى كانت إسرائيل غبية حين لم تساهم في وصول عزمي بشارة إلى منصب رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي في انتخابات سابقة؟ حينئذ وقبل أن يتنازل عن منافسه و صديقه إسحاق رابين كيف كان سيدير المعركة الصهيونية مع الفلسطينيين؟ لكن من يدري أننا نحن غير الأذكياء لأن دور عزمي بشارة في صناعة الإلتباس الثورجي والفوضى الخلاقة في البلاد العربية هي من فكّت الحصار عن الكيان الصهيوني وجعلته طيلة 7 سنوات المستفيد الوحيد من ربيع عربي في ذروة إدارة التّوحّش..فالعبرة عند أهل الاستراتيجيا في النتائج لا في التفاصيل..
بالنسبة للدول الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا ودول أخرى فإن مشكلتها تكمن في تخليص أسرى حروبها القذرة..فالحديث قد يتفجّر يوما عن عدد الضباط الأجانب الذين هم اليوم في قبضة الأمن السوري..وما الصراع الحاد بين روسيا وبريطانيا إلاّ شكل من الدخان الذي يخفي نارا مشتعلة للوجه الآخر للحرب الاستخبارية في المنطقة والعالم..تملك سوريا خريطة بكل المؤامرة..والذين يسارعون اليوم لتبرير موقفهم يدركون أن أفضل طريقة للهروب قبل ان يخرجوا في تقارير ووثائق سورية وروسية هو الاعتراف قبل نهاية الماتش للخروج بحدّ أدنى من ماء الوجه..
الرئيس الأمريكي والرئيس الفرنسي وكل حلفائهم في المنطقة يتهيّؤون للقبول بسوريا أسدية، غير أنّ الإعلام المغالط لا زال يعمل وفق قانون القصور الذاتي..ستتوقف ماكنته ولن تتوقف سياسته التحريرية إلاّ بعد حين..أرشيف الهزائم سيكون ضخما..سنتحدث عن مستدرك تجارب الأمم لابن مسكويه قياسا على لعبة الأمم تأريخا لهزائم الائتلاف وأطفال سوريا العافين عن لحاهم الذين ملؤوا المشهد السوري بهذا الخليط من الأحلام: حلم إسقاط الأسد وحلم الظفر بالحور العين وأحلام أخرى..تاريخ جنيف، وبابا عمرو، والقصير، ونبل والزهراء و الغوطة الشرقية.. وملحمة من الكر والفر، والتشويش، والباصات الخضراء والبيضاء، وتناطح العدوّ على تخوم سوريا..كشكول معارضة بلا هوية..العمالة التي أصبحت تسمى في سوريا فقط معارضة، والإرهاب الذي أصبح يسمى في سوريا فقط معارضة مسلحة، والتآمر الذي أصبح يسمى في سوريا فقط حماية للشعب، والقوادة السياسية التي أصبحت تسمى في سوريا فقط دفاعا عن المدنيين، والمقاومة التي تسمى في سوريا فقط قتلا للشعب، والبطولة والشموخ اللذان يسميان في سوريا فقط جبنا، والتطرف الذي يسمى في سوريا فقط ثورة..مستقبل سوريا زاخر بالتسلية بهذا التّاريخ الذي كتب بحروف من الكفاح والصمود..قاموس سوريا واضح وثابت لكن قاموس من حولها سيجد نفسه مجبرا على التغيير..لأنه قاموس بلا معنى..كم يحتاج العالم يا ترى لكي يشفى من هذا المرض..وعلى الرغم من أنّ العالم تواطأ كله يوما لإسقاط الأسد فهو سيبقى..وببقائه سيتغير النظام العالمي..غير أنّني واثق أنّ العالم سيتغيّر والإخوان لن يتغيّروا..

عن prizm

شاهد أيضاً

قراءة في الدلالة الجيوبوليتيكية لزيارة الرئيس الأسد للصين

2 تشرين الثاني 2023 د. حسن أحمد حسن(*) حظيت الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *