الرئيسية / الملف السياسي / العالم / ثلاثة رؤساء وثلاث سياسات أمريكية(12)

ثلاثة رؤساء وثلاث سياسات أمريكية(12)

ادريس هاني

لكي تستطيع القوة الناعمة تحقيق أغراضها وفق جدلية الجذب والطرد بخصوص النموذج الأمريكي والنموذج المحلّي، كان لا بدّ من اختراق مجال فهم الدّين وتمكين أسوأ تأويل ديني في عملية التدمير الذّاتي..وكما قلت مرارا إنّ آراء برنار لويس كانت حاضرة هنا بقوة..لقد درس هذا الأخير التنظيمات العنيفة في التاريخ الإسلامي وقدّم سيرة كاملة عن تنظيم الحشّاشين..وهي قراءة مبالغ فيها ساهم في إنشائها المؤرخ العربي نفسه..جماعة تنهج أسلوب التصفيات والاغتيالات..ومع أنه ميّز بينها وبين داعش باعتبار أن الأولى كانت تستهدف القادة المعنيين وليس نهج القتل الجماعي، فإنّ إعادة صناعة هذه الصورة النمطية المتخيّلة في عصر القوة الناعمة والتحكم بنشاط الجماعات التكفيرية ألهم خبراء صناعة الجماعات الوظيفية بإعادة إنتاج حشّاشين بإخراج جديد لخلط الأوراق وإذكاء الفتن. غير أن العائق اليوم هو أنّ جغرافيا الطوائف فرضت إكراهات صعبة..فالإسماعيلية اليوم طائفة مسالمة هي نفسها تعرضت لاعتداء التكفيريين بينما هم اليوم منشغلين بالعمل التربوي الخاص والنشاطات الخيرية..في دائرة الإسلام الشيعي يصعب إنتاج جماعات وظيفية نظرا ليقظة الثورة الإسلامية في إيران ودور المرجعية في إشاعة ثقافة الانضباط الفقهي وعدم اتباع الدّعاة..مجال الإسلام الشيعي بات مجالا مقاوما ومنظما، ومع ذلك كانت محاولات كثيرة استهدف إنتاج جماعات وظيفية من داخل هذه الطائفة من العالم الإسلامي لكن عبثا..بالنسبة للإسلام السّني كان الوضع مختلفا تماما..فلقد عمّت الفوضى وظهرت تأويلات مختلفة للدين وكثر الدعاة المنشقين الذين صادروا دور العلماء في الفتيا والإرشاد، خارج المؤسسات والمراكز الكبرى..وجود فوضى على مستوى الإفتاء والاتباع..كان من السهولة اختراق مجال الإسلام السّني حيث ضربت المراكز الدينية الكبرى وغابت المرجعيات المركزية..لم لا إذن العمل على إنتاج حركة حشاشين من داخل الإسلام السني؟ بالنسبة لبرنار لويس فإنّ الوهابية هي نموذج لكو كلوكس كلان..ومن هنا فإنّ الوهابية هي مثال عن فهم ديني متشدد وعنيف..ومن الوهابية ستتفرع أكثر التطرّفات الدينية..لقد كانت الوهابية حليفا للاستعمار البريطاني إن لم تكن صنيعة له..فهي طريقة في التفكير تميل إلى الأقصى وتعتمد التكفير منهجا لها في تقييم وتقويم المختلف..لكي تنهض الفتنة كان لا بدّ من إعادة توظيف التطرّف الديني..كان هناك مخطط لاختطاف الإسلام السّني حيث حاولوا وضعه بين مطرقة التطرف الديني وسندان التطبيع..إما مع داعش أو التحالف مع إسرائيل..ولا زال المخطط جاريّا..

ثمة أمران يسيران بالتبع: العنف والجنس..لكي يزدهر التطرف لا بدّ من إغراء..لعبت قضية الحور العين دورا جوهريا في التعبئة الجهادية..هكذا تم جلب مقاتلين من هوامش المجتمعات..الجنة لم تعد في مكان هناك بل هي اليوم تقوم هنا: في الموصل، في الرّقة، في دير الزور وأدلب..متعة القتل ومتعة الجنس..لقد بدا وكأن هناك برنامجا كاملا لم يترك ثغرة في عملية الاستقطاب..كل شيء مدروس..لم يكن جهاد النكاح مبالغة من قبل خصوم الجماعات المسلحة..لا ندري من هو أوّل من أطلق هذا العنوان..لكنه كان يصف وضعا حقيقيا..أمامنا عدد كبير من النساء التحقن بساحات القتال..لقد نشأ وضع سوسيولوجي جديد برسم الخلافة..مجتمع واقع بين العالم السفلي والعالم العلوي..مجتمع جاء لينتحر ويستمتع هنا أو هناك..

لقد مُنح هؤلاء المتطرفون فرصة للتغلّب على كثير من القرى والهوامش وتهديد مراكز كثيرة..في تلك الأثناء أصيب الوعي العربي بوعكة صحّية..في العراق اتهموا شعبا كاملا وشمتوا في قتلاه..في سوريا تمّ تصوير النظام الذي قاوم الاستسلام ونهج سياسة اجتماعية وفرت التغطية الصحية والتعليم المجاني لمواطنيه أبشع من صورة تنظيم الدّولة..تسامحت الميديا مع مفهوم الدولة حتى كادت تطبّع مع داعش..حين غزت هذه الأخيرة الموصل فرح الكثير ممن ابتلع طعم المؤامرة وقال بعضهم إنها ثورة اجتماعية..كان الحقد وسيلة القوة الناعمة..لم تعد الكراهية موجّهة للإمبريالية بل أصبحت حالة داخل بنية متشظّية مما منح الفرصة لميلاد هوس الهويات القاتلة..انتفخت خريطة البغدادي حين كسرت الحدود السياسية ولكنها انكمشت حين أعادت ترتيب المجتمعات وفق فهرست الملل والنحل..إذن هي خريطة ملغومة قابلة للتفتيت..لقد طغى خلال هذه السّنوات الخطاب الطائفي وكان ذلك هو الوسيلة التي اعمدتها القوة الخبيثة لتعزيز الفتنة المنشودة في برنامج الفوضى الخلاّقة..كان التحليل السياسي عبر الميديا العربية طائفيا بامتياز، ولم يعد هناك من رادع موضوعي أمام وقاحة الأوصاف الطائفية كما لو أنّ الحرب هنا هي حرب طائفية وليست ذات أبعاد سياسية واقتصادية..صنعوا داعش لكي تقتل المختلف حتى حينما يكون شريكا لها في المعتقد..ابتلع الأغبياء الطعم..لئن كان الأغبياء معذورين فما بال صناعة الميديا والتهييج الممنهج لخطاب يحجب الأبعاد الميركونتيلية للحرب؟..جعلت أمريكا دعاة الفتنة يعتقدون أن المستهدف في هذه الحرب هو الطائفة السّنية في الوقت الذي صرّح ترامب أمام الملأ بأنّ المطلوب هو أخذ نفط العراق..لقد بلغت الطائفية مرحلة الذروة..كان الوضع بالغ المفارقة..لقد استُهدفت سوريا لأسباب تتعلق بدورها في دعم المقاومة غير أنّ البراباغوندا الإعلامية الوهّابية اختزلته في صراع طائفي، تؤيدهم في ذلك إسرائيل التي صرحت على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي ” يعالون” في خطابه في مؤتمر ميونيخ للأمن العالمي بأن ما يحصل في سوريا جزء من الصراع السني – الشيعي..وبهذا المعنى لم يعد هناك صراع عربي – إسرائيلي..الأغبياء الذين ابتلعوا الطعم كما ذكرنا هم كثر.اخترقوا كل المساحات..الكل بات ينبح طائفيّا..الأحكام باتت على الهوية..كل من تبنّى برنامج المقاومة وضعوا له سكّا طائفيّا حتى لو كان فلسطينيّا..

تطبق أمريكا برنامجها وفقا لاختياراتها لمستوى القوّة بينما كان الأغبياء في المجال العربي يطبقون برامج التدمير الذّاتي..أخطؤوا حين اعتبروا أنّ الانتحاريين هم فقط الجماعات القتالية بل إنّ الانتحار بات حالة عامّة..فالسياسات العربية هي الأخرى انتحارية..لقد نشروا الريبة في مشروع التقريب بين المذاهب وفتحوا المزاد للتطبيع..لقد تغيرت العناوين وكثر الاختزال وتضليل الرأي العام..ثمة مجتمعات عازفة عن التديّن أكثر من السياسة أصبحت مجنونة بدين التكفير..عمّت المفارقة..طائفية عارية بلا دين..تكفير من دون صلاة..شاعت ديانة الحقد..وصلّى المرجفون خلف أمريكا..لقد كان حصاد تطبيق برنامج القوة الناعمة مليئا بالمفارقة..التطبيع مع المغالطة بات ضرورة…يتبع

ادريس هاني:

عن prizm

شاهد أيضاً

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *