الرئيسية / الملف السياسي / العالم / ثلاثة رؤساء وثلاث سياسات(13)

ثلاثة رؤساء وثلاث سياسات(13)

ادريس هاني

كل أمّة تحاول أن تحيط ثقافتها ونموذجها بعوامل الجذب، حتى هنا لا شيء غير طبيعي..فما هي مميزات سياسة الجذب لدى القوة الناعمة؟ إنّها لا تعتمد الطرق الموضوعية والعادلة في عرض صورتها بل تلجأ إلى التأثير السلبي في رؤية الآخر وصرفه عن الاختيار..فسياسة الجذب في القوة الناعمة تعمل وفق جدلية الإبهار والتشويه..يقتضي الأمر أن يقوم فعل الإبهار على تشويه كل النماذج والثقافات، وهذا يتطلّب نهج سياسات عدوانية..كان هنتنغتون قد بذل جهده للبرهنة على تفوق الحضارة الغربية على ما سواها ماديا ورمزيا..ولكنه لم يدعوا إلى الجذب وبالتالي لم ير أي جدوى أو أهمية للإقناع بالنموذج الغربي بوصفه نموذجا خاصا غير قابل للتقليد..وهذه تقع في صلب نظرية دي جوبينو ذات الميول العنصرية..غير أننا ما أن نحاول تعميم الثقافة وهو ما عرف بسياسة الأمركة حتى تبدأ أزمة العلاقات الدّولية..فأن أحاول أن أبهر الآخر بتفوق ثقافتي هذا لا يحدث أي مشكلة..فالحضارات أصلا تتصادم لأنها تتنافس ولا تقبل بالحوار بل بتناسخ الحضارات: الفكرة التي دافعت عنها منذ الجلبة التي أحدثتها نظرية الصدام الحضاري قبل عشرين عاما..وهي الجلبة التي أسقطت قوما كثيرا في تبسيط جوهر المسألة، وبدأت البدائل الموغلة في الغباء والسذاجة تصرف الوعي عن محلّ النّزاع..فمن يعاقر إشكالية صدام الحضارات من منظور أخلاقوي ولغواني وبعيدا عن حسابات الاقتصاد السياسي يكون جزء من التّفاهة التي عمّت المشهد العربي سياسيا وثقافيا أنذاك..لكن حين يصبح التفوق جزء من جدلية طرفها الآخر هو التشويه لسائر الثقافات فهذا يفرض وجود برنامج لمحق الآخر..سياسات ممنهجة للتخليف الإقتصادي وتمكين التّفاهة ورهن العالم الثالث في ثنوية حتمية : إمّا أنظمة استبدادية أو أنظمة تافهة، زرع اليأس في نفسية الشعوب، جعلهم يكرهون كل شيء محلّي حتى مشاعرهم، العمل على جعل المجال الآخر منكوبا متشبثا برمق من التنمية لا تتحقق بفعل الملاحقة لنظام بروتن وودز وسياسة الديون التي تؤمّن التبعية كخيار بديل عن الاستعمار المباشر..ولقد طبقت هذه الجدلية في المنطقة خلال السنوات السابقة: نموذج أوردوغان المنقذ، البطل، الخليفة، الديمقراطي مقابل بشار الأسد الذي أحاطوه بصورة فائقة التهوين..سياسة التهويل والتهوين..على القوة الناعمة أن لا تسمح للنموذج الآخر بأن يحقق تطورا ونموّا..

خاضت أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية حربا عالمية بوسائل أخرى..هي حربها على العالم وليس حرب العالم فيما بينه..وكل ذلك لتخريب النماذج الناجحة وإعاقة النمو الطبيعي لاقتصادات العالم الثالث..يحاول عزيز نيسين وهو كاتب تركي ساخر في كتابه “آه منّا..نحن المثقفون الجبناء” أن يعزز فكرة أن الحرب الثالثة والرابعة وما فوقها قائمة ولكن من دون أن يطلق عليها إسم رسمي..وذلك بناء على تعريف معنى الحرب وحجم الكوارث..وبناء على بعض الإحصائيات اعتبر أن 25 مليون من القتلى في الحروب الإقليمية و15 مليون قتلى الحروب الداخلية و50 مليون كل عام بسبب الجوع منذ الحرب العالمية الثانية هو شكل من هذه الحرب العالمية الجديدة..

تحاول القوة الناعمة أن تقدم نفسها كخيار بديل عن الحروب، ولا يفتأ الساسة الأمريكيون أن يقولوا بأنهم يعملون جهدهم لعدم قيام حرب أهلية، وربما ساد الإنطباع أنّ القوة النووية كانت رادعا عن قيام تلك الحرب العالمية ، كل ذلك كان بمثابة مقطوعة موسيقية للقوة الناعمة حيث أنّ ما يفوق ضحايا الحرب العالمية يقضون تحت سياسات القهر والحروب بالوكالة والسياسات التخليفية المفروضة التي تصنع الجوه والتهميش والجريمة..القتل المنظم وغير المباشر بالحرب الاقتصادية والتدبير الخبيث للحروب الإقليمية..إننا بفضل القوة الناعمة نعيش الحرب العالمية الجديدة من دون ضوضاء..حربا عالمية بالتقسيط..

إحدى تجلّيات هذه الحرب ما يحدث في الشرق الأوسط حيث الحرب بالجملة..تستمرّ النظرية المالتوسية كجزء أساسي في برنامج الإمبريالية التي تسعى عبر افتعال الحروب الإقليمية أن تخفّف من الثقل الديموغرافي العربي في منطقة الشرق الأوسط..منطقة النفط والغاز..في منطقة تعرف ارتفاعا في منسوب الخصوبة..تقليل الديمغرافيا وتفتيت الكيانات لتصبح على مقاس دولة الاحتلال..الديمغرافيا هنا عقدة بينما لا مخرج من هذه العقدة سوى افتعال الحرب..الحروب تعيد المجتمعات إلى الوراء..تعزز التبعية..تشغل الأمم بنموذجها المتعثر..امقاومة الفوضى وآثار اللاّدولة..القوة الناعمة تجعل العالم في قلب حرب عالمية غير معلنة..فلكي تستمر سياسة الهيمنة والتحكم وجب وضع العالم في وضعية الحرب العالمية الثانية حيث برزت الحاجة الحتمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية..

تجلت الحرب العالمية الجديدة في سوريا لأنها الساحة التي تحمّلت فيها كل الأطراف مسؤوليتها في الحرب..كانت سوريا هي الحلقة الأخيرة في ربيع استطاعت القوة الناعمة أن تزفه في فستان العروس، لكنه سرعان ما سقط عنه القناع في سوريا وأصبحت المعركة بين الحلفاء لتحديد مصير نظام عالمي جديد..البلهى لم يروا آثار الحرب العالمية في سوريا، بل سقطوا مرة أخرى في التّفاهة، وكان الاختزال سيد الموقف..وحين قلنا منذ البداية إن سوريا لن تسقط فإن ذلك كان بناء على وعينا المسبق بأن الحرب على سوريا هي جزء من مشروع إمبريالي وأنّ المقاومة كانت واعية بأبعاد هذه الحرب الجيوستراتيجية..لم تكن المقاومة قادرة على إقناع الأغبياء بهذه الحقيقة حيث الزمن لا يسمح..لكنها ذات الحقيقة التي ستكشفها يوميات الحرب وأساليب الخداع..في هذه الحرب حاولت الميديا أن تخلع كل صفات هتلر على بشار الأسد..وكان الأغبياء في كل مكان يصرخون: ماما أمريكا..النجدة..

الحرب العالمية الجديدة قائمة لكنها غير معلنة..والساسة الأمريكيون لا يملكون الشجاعة لقول تلك الحقيقة كما يقولها خصومهم..هم زرعوا في ذهن العالم بأن الحرب العالمية الثالثة إن وقعت فستكون بداية لنهاية العالم ، بينما هذه خدعة، لأنّ الحرب العالمية الثالثة قائمة بطرق غير مباشرة وبالتقسيط ووفق تدبير محكم وهي ما سيكون بداية لنهاية الأمبراطورية وبروز نظام عالمي جديد سيفرض على أمريكا نمطا آخر من السياسات، وهذا ما يعني الحاجة إلى مستوى جديد من القوة، ورئيس جديد قادر على تمثيل سيناريوهات القوة الجديدة…يتبع

ادريس هاني:18/8/2018

عن prizm

شاهد أيضاً

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *