الرئيسية / الملف السياسي / العالم / ثلاث رؤساء وثلاث سياسات أمريكية (5)

ثلاث رؤساء وثلاث سياسات أمريكية (5)

ادريس هاني

أصبحت حظوظ القوة الناعمة أكبر عشية الكوارث التي خلفتها سياسة القوة الصلبة بتشخيص جورج بوش الإبن..في عملية القفز على حبال السياسات وجب أيضا أن ننسى العلل  والذرائع المصطنعة، لأنّه لا بدّ من وجود مداخل مقنعة لتبدّل السياسات، وهذا ما حدث بالفعل: ذريعة أسلحة دمار شامل في العراق، حادثة برجي التجارة، التغيير في المنطقة، الحرب على الإرهاب..كل ذلك هو جزء من الأغنية التي ترافق وقائع الفيلم الجديد..تراجع الحديث عن الكثير من الأفكار التي تصبّ في أيديولوجيا القوة الصلبة لصالح أطروحة سبق وبلورها جوزيف ناي من جامعة هارفارد: القوة الناعمة ( Soft power)..يمكن تعريفها باختصار شديد بالتأثير المقنع بالنموذج أو استعمال جاذبية النموذج في الاحتواء السياسي..في 1990 قام جوزيف ناي بوضع كتاب تحت عنوان:”وثبة نحو القيادة”(Bound to lead)..سيعززها سنة 2002 بكتاب: مفارقة القوة الناعمة(the paradox of american power)..وعمل على تطوير الفكرة في كتاب جديد تحت عنوان: “القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية” سنة 2004..جوزيف ناي أستاذ في الجامعة المذكورة وفي الوقت نفسه تولّى مناصب في الدولة كمساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني..عرفت فكرته انتشارا واسعا وبات مصطلح القوة الناعمة دارجا على كل ألسنة القادة بما في ذلك الصين وروسيا باعتباره مفهوما علميا تأكّد تطبيقه في سائر الدول بل أي دولة تفشل في القوة الناعمة فهي غير قادرة على الصمود..كانت أفكار جوزيف ناي هي الملهم الأكبر للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما..كانت أمريكا بدأت تفقد قوتها الناعمة بفعل المردود الكارثي للقوة الصلبة، غير أنها حافظت على مرتبتها الأولى في القوة الناعمة حسب نتائج مسح مونوكل للقوة الناعمة عام 2014..القوة التي سيعمل أوباما على ترميمها خلال ولايتين تمهيدا لمرحلة جديدة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية..

تعتمد القوة الناعمة على قوة النموذج والنجاحات التي تحققها الدولة والتي تزيد في رصيدها من الجذب..تستطيع في نظر جوزيف ناي أن تجني الولايات المتحدة الأمريكية من نموذجها هذا ما لا تستطيع أن تجنيه بواسطة القوة العسكرية..وهذا يتطلب إنفاقا على الشؤون المدنية والعلمية والثقافية وما شابه..لنذكّر هنا أنّ القوة الناعمة أو غيرها من القوى البديلة لا تعتبر بديلا عن القوة الصلبة بل تعتبر نفسها تطويرا أو على الأقل تجعل القوة الناعمة أولوية بدل القوة العسكرية..إن القوة الناعمة وفق منظور جوزيف ناي لا حدود لها، وهي مهما كانت ناعمة لا تخلوا من عنف رمزي وسياسة للقهر بالنموذج الذي يفرض التبعية والإخضاع..وتدخل سائر السياسات والألاعيب في القوة الناعمة حيث اعتبر جوزيف ناي استعمال الويكيليكس نفسه كشكل من القوة الناعمة..يضعنا جوزيف ناي أمام إشكالية الحدود، حيث بعضا من أشكال القوة الناعمة له علاقة بمستويات أخرى من القوة بما فيها القوة الصلبة كالإخضاع بواسطة الضغط الاقتصادي، إنه بتعبير آخر يضع مفهوم القوة الناعمة مقابل القوة العسكرية..وبهذا المعنى قد تصبح كل سياسات الإخضاع جزء من القوة الناعمة ما لم تستعمل الحرب العسكرية المباشرة..وهذا ما يجعل مفهوم القوة الناعمة غير جامع مانع في التعريف..

ويبدو كما سنرى في تقييمنا لهذه السياسات محدودية القوة الناعمة لأسباب مختلفة، ذلك لأنّ الإقناع يتطلب جهدا ومثابرة مستدامة، وحتى الآن تلعب عمليات غسيل الدماغ والوسائط التواصلية دورا كبيرا في تعزيز النموذج، لكن يبدو أن القوة الناعمية تسعى لاستعمال كل شيء في عملية التحكم..

تبقى القوة الناعمة خيارا طويل الأمد، لكن مردوديته لا ترقى إلى سائر أشكال القوة الأخرى على الرغم من أنّ تكلفتها أقلّ.. تشبه القوة الناعمة جاذبية أصوات حريّات البحر ، وهي جاذبية لا تسمح للتساؤل العقلاني بأي فرصة للاعتراض، فالعالم وفق هذه القوة يصبح في حالة سرنمة على حافّة السطوح، وتكفي أساليب البرمجة العصبية اللغوية لاقتياده والتحكم به..وسوف نتحدث عن الآثار السلبية لهذه القوة على مستوى مصير العقل البشري  وتراجع قدرة العقل على التفكير العميق وتراجع قدرة الإرادة على التحرر العميق..أي سنكون أمام نموذج يعزز السطحية في العقلانية والحرية معا.. ستكون القوة الناعمة هي الخيار الذي ستمثّله حكومة أوباما..كيف أمكنه أداء هذا الدّور بعد نهاية عهد بوشي مكلّل بالإخفاق؟….يتبع

عن prizm

شاهد أيضاً

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *