الرئيسية / الملف السياسي / العالم / ثلاث رؤساء وثلاث سياسات أمريكية(3)

ثلاث رؤساء وثلاث سياسات أمريكية(3)

ادريس هاني

ربما ذهب البعض إلى التسامح في مفهوم القوة الصلبة فأدخل ضمنها أساليب أخرى مثل الضغط الاقتصادي والحرب الديبلوماسية..من شأن هذا التوسيع في مفهوم القوة الصلبة أن يحدث التباسا تندك معه حدود ومستويات القوة الأخرى..وهنا لا مناص من تحديد القوة الصلبة كما تحددت تقليديا في العنف القائم على القوة العسكرية..ربما وسع بعضهم من مفهوم العنف فأدخل فيه أساليب الإرغام الأخرى مثلما فعل جوزيف ناي، غير أنّنا نعتقد أنّ مفهوم العنف واسع جدّا في العلاقات الدولية لا سيما في العلاقة غير المتكافئة بين الشمال والجنوب في ظل نظام عالمي يقوم على مستويات مختلفة من العنف..وعلى هذا الأساس نعتبر أنّ أساليب الحرب الناعمة هي نفسها شكل من العنف الذي ينتهي بفرض النموذح أو الإخضاع بواسطة النموذج..سنتفادى هذا التسامح الذي جعل البعض يوسع من مفهوم القوة الصلبة لنتحدث عن المفهوم الكلاسيكي لها، أي بتعبير مختصر: اعتماد التدخل العسكري كخيار أولوي..كما أننا نعتبر أنّ مستويات القوة الأخرى مورست بأشكال موازية أحيانا بحيث لا يلغي بعضها بعضا..لقد مارست الولايات المتحدة الأمريكية القوة الصلبة معتمدة على التدخل المباشر في مناطق كثيرة من العالم..وقامت عشية أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة بإعلان الحرب المباشرة تباعا على كل من أفغانستان والعراق، وانتهت بتفكيك النظامين وتركتهما كيانين يصارعان المجهول..لكن لا يخفى أنّ أمريكا خلال هذه الحروب المباشرة تكبّدت خسائر كبيرة انتهت بالسؤال داخل الولايات المتحدة الأمريكية عن جدوى استعمال القوة الصلبة..

نشأة الولايات المتحدة الأمريكية على أساس القوة الصلبة..ولقد كانت تكلفة قيام هذا الكيان إبادة أمّة بكاملها من السكان الأصليين..واستمرت في غزو الهندوراس والمكسيك ونيكارغوا والشيلي وبنما وكوبا..تاريخ حافل بالدم تجلّى مرة أخرى بوضوح في الحرب العالمية الأولى التي كلفت الخزانة الأمريكية 334 مليار دولار والحرب العالمية الثانية التي كلفتها أكثر من 4 تريليون دولار، بينما بلغت التكلفة البشرية ما يفوق 400 ألف جندي قتيل، ولقد كانت ضربة بيرل هاربر موجعة في تلك الحرب بينما كانت تكلفة تلك الحرب على الصعيد الإنساني خرابا كبيرا وملايين من القتلى والجرحى والمنكوبين، كما انتهت باستعمال القنبلة الذرية ضد اليابان في هيروشسما وناكازاكي..وحتى خلال الحرب الباردة استمر استعمال القوة الصلبة حيث كلفت الحرب على فيتنام أكثر من مليونين قتيل من الشعب الفيتنامي وملايين من الجرحى والمنكوبين أيضا ومع ذلك تكبدت أمريكا على الرغم من استعمالها للقوة المفرطة هزيمة كبرى وخسائر تقدر بأزيد من 58 ألف قتيل أمريكي فضلا عن آلاف الجرحى بينما بلغت تكلفتها 738 مليار دولار..وكلفت الحرب على أفغانستان منذ 2002 الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب 2000 قتيل حتى عام 2012، بينما فاق عدد الجرحى المئات وخسارة الكثير من الطائرات والمعدات..وحسب بعض الإحصائيات بلغت حصيلة قتلى الجنود الأمريكيين 2403 منذ 2001 و تسببت في 17000 قتيل مدني في 2014.. بينما بلغت تكلفة حرب الخليج الأولى 76 مليار دولار، ولا حديث عن حجم الخسائر والكوارث في العراق..تبدوا الإحصائيات المعلنة مرعبة غير أنّ مردودية الحرب لم تكن ناجحة..لقد واجهت أمريكا في أفغانستان مقاومة شديدة وكانت نتائجها على السلم العالمي كارثية لا سيما مع بروز ظاهرة الإرهاب والتطرف نتيجة استعمال القوة الصلبة..وسوف ندرك بأن الإرهاب هو نتيجة للقوة الصلبة في منشأه الأول ثم سرعان ما تمّ توظيفه في مستويات القوة الأخرى كالقوة الذكية والإرغامية والحروب بالوكالات..أمّا في العراق فقد تكبدت الولايات المتحدة الأمريكية خسائر كبيرة نتيجة تنامي المقاومة العراقية التي أجبرت أمريكا على الانسحاب من العراق..

استعمال القوة الصلبة في الشرق الأقصى وفي أمريكا اللاتينية وفي الشرق الأوسط والخليج انتهى بخسائر كبيرة يصعب تحمّلها في المرحلة الراهنة لأسباب عديدة أهمها تراجع القدرة على تمويل الحروب الكبرى والطويلة، فضلا عن أن القوة الصلبة لم تغير مواقف الدول التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية عدوّا لها وكذلك تقويض النظام الدولي..كان هذا كافيّا لبحث خيارات جديدة في السياسة الأمريكية غير القوّة الصلبة التي باتت مردوديتها تتراجع يوما بعد يوم، دون أن يعني ذلك التخلي عن هذه العقيدة، لكن محاولة البحث عن وسائل تجعل الأولوية لأشكال القوة غير الصلبة..لم تعد أمريكا رغم خوضها الحروب بعيدا عن حدودها الجغرافية بمنأى عن الأضرار التي تسببها القوة الصلبة..كان عهد جورج دابليو بوش آخر عهد في الرهان على القوة الصلبة وخيار التدخل العسكري المباشر والشّامل…يتبع

ادريس هاني

عن prizm

شاهد أيضاً

انهيار اقتصادي عالمي في 2024 أو انقلاب بالولايات المتحدة في 2025

8 كانون أول 2023 *ألكسندر نازاروف بلغ دين الولايات المتحدة حينما دخلت الحرب العالمية الأولى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *