الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / ذروة الإمبريالية(47)

ذروة الإمبريالية(47)

ادريس هاني

سيكون من الصعوبة بمكان أن ألخّص آراء ومواقف البروفسور مهدي المنجرة في بضع فقرات، فلقد كان في رأيي أنشط موظف دولي تعددت نشاطاته ومواهبه ما بين الوظيفة في أكثر من جناح أممي وعمدته اليونسكو، التأسيس لكثير من المؤسسات الدولية والإقليمية، المحاضرة في أغلب جامعات العالم، التأليف حيث تعتبر أعماله الأكثر مبيعا حيث خصص ريعها لجائزة المهدي المنجرة، تمنح لأصحاب الإبداع في مجالات إنسانية وقيمية..اختلافي مع د. المنجرة ليس في المفهوم بل في المصداق، في بعض من الأمثلة التي يسند بها آراءه..حين يصبح المفهوم في واد والمصداق في واد آخر تصبح هناك مشكلة قد يكون لها أثر كبير على بنية الوعي..أقول ذلك مع أنّ المنجرة واعي بأهمية التشخيص(fixation) التي عادة ما تلجأ إليها الدعاية الإمبريالية..إنها مشكلة في إيجاد مصاديق داعمة لتلك المفاهيم..من هنا كانت دعوتي إلى إعادة بناء الأفكار الكبرى للمنجرة وفق معجم مصاديق جديدة، وهو ما قد أفعله إذا أمكنني ذلك يوما.. نعم لقد اختلفنا حول موضوع الإهانة لا مفهومها..في بداية التسعينيات جلسنا معا في مكتبه الذي يقع مقابل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بحي أكدال بالعاصمة(الرباط)..كنت أتساءل ماذا لو كان المنجرة من بلد يحسن الدعاية لرموزه.. مكتب متواضع جدّا تحتقره أمام مكاتب أنصاف الخبراء والمثقفين الموزعين كالفطر على أرصفة العالم العربي..كان مزهوا كمناضل عالمثالثي وهو يخبرني بأنه ترك الأمم المتحدة بعد عشرين عاما من الخدمة لأنه وجدها تعمل وفق نظام لا يحترم نظام القيم..تخلى فيها عن حقه في المعاش والراتب..قال لي إنّني أشعر بالسعادة اليوم حين ألتقي مع طلبتي بالكلية، هذا أهم شيء، كما أخبرني بأنّ رئيس صندوق النقد الدولي “مكنمار” ونائبه عرضا عليه العمل كنائب لرئيس المؤسسة، لكنه رفض، وأخبره أن رفضه يتعلق بموقف أخلاقي، بالقيم..وأجاب على سؤال نائبه “ستيرن” الذي حمل له المقترح: ما علاقة الأخلاق بالعمل في المؤسسة، فكان جواب المنجرة بأنّ كل أبحاثه تدور حول نقد صندوق النقد الدولي وبأنه يقوم بأدوار هي بمثابة جرائم ضد العالم الثالث، فكيف أكون نائبا للرئيس في مثل هذه الحالة..المنجرة من هذه الناحية مستقيم، وثائر ويائس من نظام الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية التي أنجز حولها أطروحته الجامعية بلندن ..قال لي يومئذ: أسأل الله أن يبعث زلزالا يحرق كل هذا النفط لأنه لا يجلب سوى العجرفة..كان خلافي معه في الصغرى لا في الكبرى..في الأمثلة والنماذج لا في المفاهيم كما قلت..لا أريد أن أتوسع في هذا الأمر أكثر، ولكنها مناسبة لتوضيح الموقف..

أشرفت قبل سنوات على ملف حول المستقبليات، وشاركت فيه بدراسة تحليلية لمستقبليات المنجرة تحت عنوان: نحو أركيولوجيا مستقبلاتية، منتقدا انحدار المستقبليات لهيمنة المقاربة الأيديولوجية..أدلجة المستقبل وهي لا تقلّ عن أدلجة التاريخ: تبسيط الأمثلة، النزعة السلفية التي هي مكوّن من مكوّنات الأيديولوجيا العربية وتحديدا المغربية: السلفية الوطنية كما ناهضها عبد الله العروي وإن كانت نظرة المنجرة المتأثرة بثقافة الحركة الوطنية تعتبر السلفية الوطنية المغربية مناهضة للوهابية في تبنيها للعقل والتقدم والنزعة الحضارية..دعوة إلى تحرير المستقبل من هيمنة الأيديولوجيا بمعناها الفقاعي..كما نحفر في التّاريخ يمكننا أن نحفر في بدائل المستقبل..سميتها أركيولوجيا مستقبلاتية، وهو العنوان الذي سيضمّه البروفسور صالح جواد الطعمة استاذ اللغة العربية والأدب المقارن والدراسات الإفريقية في جامعة إنديانا في الولايات المتحدة إلى المدونة العربية والاستعمالات اللغوية الحديثة: المستقبلية والمستقبليون، والتي صدّرها بالقول: “تعكس المدونة توسعا كبيرا يلفت الأنظار في استعمال كلمتي “المستقبلي” و”المستقبلية” كصفة منذ نهايات القرن الماضي حتى اليوم. إذ يلاحظ مثلا أن كلمة “المستقبلية” لا ترد خلال القرنين التاسع عشر الا مرة واحدة وفي القرن العشرين بكامله (280) مرة تقريباً حسب إحصائيات المدونة، بينما يتجاوز تكرارها (18500) مرة في السنوات الأولى من هذا القرن (2000 – 2011)”..هذه نتيجة الاختلاف حين يكون علميّا وليس كما يفهمه بعض الدخلاء كما أقحم أحد السماسرة الصغار نفسه يدافع عن المنجرة من انتقادي له في موضوع محدّد، وهو لا يدرك أين نختلف وأين نتّفق وبأي المقاييس المعرفية والمفهومية نختلف..فالاختلاف في نظر كلّ دخيل على الصناعة يُقرأ بعين الحقد والتخلف الذهني..كان ذلك سوء تفاهم حول قضية تدخّل فيها الخارجون عن المعنى..

بما أن الأمر يتعلق بالوعي، فقد كانت ملاحظتي على مفهوم النّمذجة نفسه: كيف يصبح المثال نموذجا وكيف يكون اليابان مثالا للعالم الثالث بينما وجب التأكيد على نسبية النمذجة والنموذج..لقد تحدّثت إليه قبل سنوات حول مراحل النمو والتمييز بين النمو والتعاظم، وحين أثرت موضوع مراحل أنماط الإنتاج في التقسيم الماركسي الخماسي – حصل هذا قبل أن تتبلور لدي فكرة أنّنا لم نخرج بعد من النمط العبودي وبأنّ الفيودالية هي النمط الوحيد الذي عرفته البشرية في تاريخها وإنما يكمن الخلاف في مظاهرها وأساليبها المتجددة -، وأيضا تحدثت عن المراحل الخمسة للنمو كما تحددت عند روستوف، كان المنجرة ينظر إليّ كما لو أن لا قيمة لهذا النوع من التقسيم القديم، وكأنه وتحت ضغط تنامي أساليب الميغا-إمبريالية كان يشعر بالتبرم من ترسيمات الاقتصاد السياسي التقليدية..لكنه في مثال اليابان يراها ليست منعطفا خاص في التنمية كما اعتقدت دائما بل يعتبرها نموذجا..غير أن النموذج هو ما نستطيع تمثّله من دون عوائق بنيوية تجعله مستحيلا..والعوائق هنا في نظري هي الإمبريالية نفسها..كيف تسمح الإمبريالية بيابان عربية مثلا في ظلّ وجود إسرائيل والنّفط؟ لا يمكن أن يكون اليابان نموذجا لكل العالم الثالث، لسبب بسيط هو أنّ تقاليد اليابان التي استطاعت احتواء الديمقراطية في نظامها الأبوي وأيضا تنفيذها لبرنامج أمريكي في قطاع التجارة والمال، ضمانات أمريكية لقاء تنفيذ الاستسلام التّام للولايات المتحدة الأمريكية في مجال الأمن الاستراتيجي.. ثم من قال أن المشكلة هي مشكلة نمذجة وليس مشكلة إعاقة؟ وهل الإمبريالية تسمح للعالم الثالث أن ينهج النموذج الياباني؟ وماذا يعني النموذج الياباني؟ كنت حينئذ ومن خلال مقارنة النموذج الياباني بالصيني اعتبرت أن الصين هي أفضل نموذج يمكن العالم الثالث الاحتداء به لأسباب كثيرة..مثلا الجغرافيا التي تجعلها بلدا ذو إمكانيات ديمغرافية وزراعية كبيرة..لعله ولسعة حدودها كانت تمارس الخداع كما ذهب هنري كيسنجر بخلاف اليابان، لكنني أعتبر أن الأمر يتعلق بالمناورة..لقد ناورت الصين بما فيه الكفاية لحماية عملية التراكم الآمن للرأسمال قبل أن تنفتح على التجارة العالمية..لقد قاومت، ولم تكن أمّة إمبريالية كما هي اليابان التي التقت مع المحور ليس لمقاومة الإمبريالية بل لمنافستها في صميم خطة التوسع والاستعمار..وكنت قد ذهبت يومئذ إلى قلب النمذجة حين قلت بأنّ اليابان قد تصلح افتراضا مثالا لإسرائيل بينما الصين هي النموذج الممكن للعرب إن لم أقل وجب ابتكار نموذج خاص، لاستثقالي التقليد الأصولي في مجال التنمية والتطوير..كنت أدرك أنّ الخلاف حول المصاديق من شأنه التشويش على المفاهيم..فما أقوله يصحّ وفق قواعد التفكير التي أرساها في الميغا-إمبريالية، وسوف يتحدث بعد ذلك عن أنّ الصين قادمة وهي من سيتوقف عليه بروز النظام العالمي الجديد حين تقول كفى، بل أثبت بأنّ أمريكا تستطيع أن تقطع الأكسجين عن اليابان التي لا تستطيع أن تستقل عن أمريكا..في مثل هذا التناقض وجب التفكير مع المنجرة ضدّ المنجرة..ويبقى القول الفصل ما تناوله في كتابه العمدة الذي يعتبر مرجعا في المجال الأنغلوساكسوني حول نظام الأمم المتحدة، بأنّ هذه الأخيرة انتهت نظريّا..

سأعود مرة أخرة إلى مهدي المنجرة، وللأسف كان لدي موعد معه لتحيين النقاش، ولكن خانني الزمان وكنت المقصّر والمسوّف إلى أن سمعت بوفاته رحمه الله..ولا أخفي سرّا اليوم أنّني كنت عازما على تقديم نصيحة ومبادرة لوضع استراتيجيا للنهوض بمشروعه وتحريره من الشعبوية..فرق بين النضال من أجل الشعوب وبين الشعبوية..كانت المبادرة التي لم تنجز يومئذ الدعوة لتأسيس مدرسة للمستقبليات تعتمد الأسس النظرية التي أرساها والعمل إلى تطوير بعضها وإدخال نماذج وإعادة نظم هذا الخليط من الأفكار ذات الطبيعة المكثّفة والتي عادة تصبّ صبّا دون أن تتحوّل إلى باراديم منجري في الأبحاث المستقبلاتية المناهضة للميغا-إمبريالية التي يعتبرها مرحلة فائقة وشاملة ومتغلغلة في كل القطاعات..لقد لاحظت أنّه في نهاية المطاف خضع بفعل الإثارة والاستفزاز والمحيط إلى حالة شعبوية بامتياز..لازالت كلماته التي تحمل نظرة نهاية رجل شجاع في أذني حين رتبنا موعدا لم ينجز..

عدت إلى المهدي المنجرة تحت طائلة الإهانة، وذلك حين قدمت عرضا بالأردن في لقاء حول المستقبيلت في أفريقيا والشرق الاويسط بإشراف من بعض المؤسسات التابعة للأمم المتحدة..لاحظت في ذلك الملتقى الكثير من التكرار والنزعة الأداتية أو المهنية المولعة بتحديد المصير من خلال البيانات والأرقام التنموية الحالمة..الكل يبدي شكلا من البكائية على أفريقيا، وكأن المخرج لها هو انخراطها في المسار التنموي ذاته الذي قاد سائر القارات نحو الاستنزاف البيئي..كانت مداخلتي معنية بالبدائل الحضارية ومستقبل القارة الأفريقية وتحليل المفاهيم الخاطئة عن التنمية، والمستقبل، وفي تلك الأثناء عرّجت على مستقبليات المنجرة وضمنتها بعضا من ملاحظاتي..كان انطباع الخبراء من أفريقيا وأوربا جيدا، قال أحدهم: شكرا لأنك أخذتنا إلى أبعاد فلسفية جديدة للمستقبل..كان الانطباع مريحا..تقدمت نحوي خبيرة فرنسية اشتغلت في نادي روما ولا زالت تعمل في نطاق الأمم المتحدة، قالت لي أحييك، لقد كنت شجاعا ولأول مرة أجد شخصا ينتقد مهدي المنجرة..قلت لها: لا شك أن هناك أمورا كثيرة قابلة للنقاش..والنقاش لا بد أن يستمر..كنت أعتقد أنها تؤيّدني فيما أخالف فيه المنجرة لكنني اكتشفت أنها تختلف معه فيما أؤيده فيه..قالت أنه كان يخلق لنا مشاكل في كل اجتماعاتنا فهو يحولها إلى فوضى، ويعبر عن أفكار ذات خلفية متعصّبة..لقد بات مجنونا حتى أنه يدخل دائما للاجتماع سكرانا.. ولقد حاولنا معه كثيرا ولكن كان يجيبنا: لا أستطيع أن أحيا من دون أن أكون سكرانا(je ne peut pas vivre sans être ivre)..ربما أخفيت إحساسا عارما بالضحك..قلت في نفسي لقد حوّل المنجرة الأمم المتحدة إلى مبولة الحانة..كنت أعرف أنّ تلك هي مشكلته، فلقد كان مدمنا جدا في نهاية حياته حدّ المرض..لا أدري كيف يتحول ثوّارنا إلى مدمنين في نهاية مطافهم..اليأس والإحباط وهشاشة الذّات البسيطة التي تحمل ركاما من الأفكار المعقدة في رحلة صعود سيزيفي لا حدود لها..بالفعل لا حدود للنذالة في عالم الميغا-إمبريالية..هل هو تمرين للانتحار أم جلد الذات…لقد شهدت هذه الخبيرة الفرنسية على مدى الازعاج الذي كان يقوم به المنجرة حين كانت تشتغل في فريقه..إنهم يكرهونه في الوقت الذي تمدحت لي ببعض الخبراء من الصنف المتدني فقط لأنها رأت فيهم ما أسميه خبراء ميكانيكيين أرقام وبيانات وتكرار ومحفوظات لبضعة بنود من الميثاق..النجاح داخل الأمم المتحدة يتطلب أن تكون من جنس عبيد المنزل..لقد فضّل المنجرة أن يكون متمردا، لقد لفتت انتباهي الخبيرة الفرنسية بأنّ المنجرة بالفعل هو إنسان غير أخلاقي ومهني من منظور فريقه في العمل داخل الأمم المتحدة، مع أنه دعى في كل نضاله داخل وخارج الأمم المتحدة إلى إعادة بناء أمم متحدة على أسس قيمية..ماذا يعني أن تكون مناهضا للإمبريالية في زمن الميغا-إمبريالية؟ هذا يعني أنّك تفكّر خارج القانون والعرف الدّولي..قبل سنوات خلت حاول المستشرق الفرنسي دومينيك دومالي أن يقدّمني أو بالأحرى يذكّر زميلة له باحثة فرنسية، فقال لها: هذا هو صاحب الحديث عن الإمبريالية والاستعمار..هل يا ترى تعرّض العالم إلى عملية تلقيح فكري لممارسة النّسيان حيال أخطر ما يلفّ حياته الفردية والجماعية على هذا الكوكب؟ هل فعلا تفكّر النخب خارج سياق نظام السيطرة في العالم..قد أتفهّم وضعية مثقّف غير متحزّب أو منخرط في السياسة اليومية لكن كيف أفهم مثقّفا يتبع الإمبريالية بـ”النّافخ”..

بعد “نحو أركيولوجيا مستقبلاتية” سأتناول مفهوم القيم لدى المنجرة في دراسة طلبت منّي في مجلة محكمة حار الزملاء في عنوانها: “الفجور المستقبلي”..أخبرني أحدهم بأنه بدل جهدا للدفاع عن العنوان حين قال لهم : لا تتدخلوا فهؤلاء المثقفين وهذا الرجل تحديدا هم غريبي الأطوار…وفيها أعدت الاعتبار لمستقبليات المنجرة وفق منظور القيم…وعن حكاية ثائر من داخل الأمم المتحدة..كنت أقصد بمفهوم الفجور المستقبلي وضعية نظام دولي يفرز الأزمات وينتج حالة الفجور في هذا الزمن الإمبريالي الممنوح في الحاضر والمستقبل..لكي ندافع عن مستقبل غير فاجر في تاريخ مستقبل الأمم علينا أن نتحمّل مسؤولية النضال المستقبلي..هي حكاية مثقف عالمثالثي اختلفت معه في الصغرى لا في الكبرى.ولكنه أثار بشجاعة قضية الإهانة والإعلان غير الرسمي عن موت الأمم المتحدة وانهيار النظام الدّولي..يتبع

.ادريس هاني:

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

المرزوقي وابن تيمية معلم الأنوار

ادريس هاني أي قيمة لخطاب ديني أو فلسفي في بيئة يتغلّب فيها نمط من الأحاسيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.