الرئيسية / ثقافة شعر وفنون / ذروة الإمبريالية(48)

ذروة الإمبريالية(48)

ادريس هاني

ماذا يعني التّحرّر في وضع تاريخي لم يقطع روابطه الخفية مع النّمط العبودي حيث السيطرة والإكراه هما العنوان الثّابت في كل العصور..إنّ نهاية عصر العبودية كان ولا زال أكبر خدعة كرّستها أيديولوجيا الإنسان الحديث..العبودية ليست جزء من الذّاكرة بل هي حالة عالم التفّ على مفهوم الحرية والعبودية وأعاد بناء تصور خادع حيالهما..صحيح أنّنا نتحدث عن مراحل أنماط الإنتاج وأدواته، عن التقاليد والأعراف والنظم..وتغرينا فكرة القطيعة ونقاء البنيات المتحوّلة..مفاهيم غير مكتملة أو مجوّفة تختبئ فيها جيوب العصور التي مورست فيها الأشكال الأكثر بدائية للعبودية..تتغير العناوين ويظل الجوهر واحدا: سلب الحرية، امتلاك ثروات الأمم، اعتماد الأقنان بمظاهر مختلفة..عصر العبودية العارية..لا يتوقف خلاص البشرية من آثار العبودية سوى من شكلها العاري الذي ضمنته المادة الرابعة من الميثاق الأممي بينما لا زال الميثاق متخلّفا عن إدانة الأشكال المتجددة لها في النظام العالمي الجديد..لعلّ أكثر ما يعزز فكرة الإهانة في النظام العالمي هو إقناع العبيد الجدد بأنهم يملكون أنفسهم في نظام يقوم على الإكراه..وما يبدو من مظاهر التحرر هو ليس سوى استراحة سجين..طبعا لا أختزل العبودية المعاصرة فيما تتحدّث عنه تقارير دولية كتقرير منظمة ووك فري (walk free) الدولية 2016، عن مؤشّر العبودية العالمي، الذي كشف عن وجود 40 مليون إنسان في حالة عبودية، منهم 400 ألف داخل الولايات المتحدة الأمريكية و136 ألف في بريطانيا..الأهمّ في هذا التقرير أنه يسمّيها العبودية الحديثة، وهو يرصد حالات الاتجار في البشر والعمل القسري وتجارة الجنس واستغلال الأطفال..فهل يا ترى تقتصر العبودية على حالات شاذّة في العالم أم أنها هي جوهر النظام العالمي نفسه؟

هذه الأخيرة هي مظاهر عبودية حديثة، وهي أيضا في تزايد..كل هذا يعتبر نتاج طبيعي لعبودية رأس المال والعلاقات الاقتصادية التي تنتج التهميش والفقر والمجاعة سواء في مراكزها أو في الوضعيات الهجينة في العالم الثالث..إنّ المقصود هنا بالعبودية الحديثة ليس الحديث عن نسبة بل عن نمط يكرسه النظام الدولي نفسه الذي يتحدّث عن مبادئ سطحية فيما لا يقف على الطبقات العميقة للعبودية الحديثة التي تجد مظاهرها في الكثير من حالات الاستعباد التي تحوز ملكية البشر وترغمهم على القّنّية..سأستعير من تشومسكي عبارة وصف بها خدعة السلام العالمي، حين سماها عبارة أورويلية..أي نسبة إلى مزرعة أورويل الحيوانية القائمة على اللّعب باللأفاظ..فالحرية التي يتم تداولها اليوم بأشكال لا تخلوا من هشاشة المحتوى الفلسفي لها، هي حكاية إنسان مقهور جعلت منه أدوات الإمبريالية ونظامها الممتدّ كائنا مثقلا بالأغلال..عبودية صندوق النقد الدّولي وامتلاك مصائر الشعوب والأمم بسبب الديون، تحرير الاقتصادات من ذلك الذي صورته التقارير النيوليبرالية كإجراء مرعب ومحطّم للاقتصاد، يقصدون السياسة الاجتماعية، ولتحقيق ذلك تقويض السيادة الذي هو مظهر من مظاهر امتلاك الأمم واستعبادها في ظل نظام دولي يكرس الإهانة..أنت في هذه المعركة الدولية في حكم الأسير..لكي لا تتحطّم كيانات الضعفاء عليهم أن يخضعوا للخدمة لصالح السيد الإمبريالي..عصر فيودالي بامتياز..تفرض الإمبريالية إمّا الانقراض أو الاستعباد..يرصد كاتاسونوف مفهوما للعبودية أوسع، حيث يتحدث عن العبودية الأولى لنقل التقليدية وهي امتلاك إنسان لإنسان وفق الملكية التي يقرها قانون الرّق، ويعطي تعريفا عن نوع آخر من العبودية السوسيو-اقتصادية التي تقوم على الاستيلاء على حصيلة إنتاج الغير، وهناك المعنى الأعمق للعبودية الذي يتعلق بأشكال الاستحواذ الروحي والفكري على البشر والتحكم بهم عبر قيم تفرض عليهم من خلال التحكم بوسائل الإعلام وأساليب الدعاية.. هذا التقسيم يضعنا أمام تطور مفهوم العبودية لا إلغاؤه..واحدة من مظاهر هذا التطور هو حسب ماتاسونوف امتلاك ما ينتج الإنسان بذل امتلاك الإنسان..إنّ حالة الهيمنة التي أسميتها في مورد آخر بالهيمنة على الدماغ البشري هي في الحقيقة محاولة نقل العبودية للدماغ لكي يصبح مبرمجا على العبودية التي تظهر وكأنها اختيارية..فالبرمجة المستمرة للدماغ من خلال ملحمة الدعاية وأنماط التوجيه والتواصل اللاّتواصلي أورثت البشر في ذروة الإمبريالية أدمغة الأقنان..القنّ الذي يحمي قانون الرّق الحديث من خلال الاستجابة لذلك النّمط من الإكراه الذي يقاد إليه بسلاسل الرغبة في الاستهلاك..الاستهلاك هنا وبتعبير جان بودريار ليس لحاجة حقيقية ولكنه أيديولوجيا وكذلك استهلاك ذو غايات اجتماعية..أتحدّث هنا عن هبودية الاستهلاك باعتبارها في زمن إمبريالية البضاعة هو صناعة مسنودة بهيمنة الدعاية..فحين تصبح القيمة الاجتماعية للكائن تتحدّد بالقمامة هنا نقطع مع الـ(“homo sapiens”)- انظر الوضع بين قوسين مقصود لارتباك المفاهيم – ..إنّ عبودية الاستهلاك تنتج لا محالة نمطا من البشر أحب أن أسمّيه: (إنسان -القمامة) سأترجمها: (homo-poubelle)..إنّ العبودية الحديثة في ظلّ أسواق داروينية خاضعة للسيطرة هي ما يجعلنا ندرك بأنّنا نعيش طورا متجددا من النظام الفيودالي الدّولي..إنّهم أشعروا العالم بأنّه يمتلك شيئا حين حازوا على الذهب وتركوا البشر والأمم تملك الوهم والعملات الافتراضية..إنّ سلاسل العبودية الحديثة غير مرئية لكنها مؤلمة أكثر من كل عصور العبودية السابقة..

وتعتبر السوق مثالا لنظام الرّق، فهي سوق تفرض فيها البضاعة ويتحقق فيها الربح ليس وفق اليد الخفية لآدم سميث بل هي سوق تخضع لعبودية الاستهلاك واليد الخفية للإعلام الإمبريالي الآخذ بناصية سيكولوجيا الأمم والشعوب..فالجمهور لا يختار بضاعته بل هو مسيّر بأنماط من الاستهلاك لا يملك أن يتحرر منها..لكي يكون عبد منزل يحسن الاندماج في أنماط الاستهلاك ويتميّز عن عبيد الحقل الذين ليس لهم هذا الامتياز..عن عبودية الاستهلاك التي تفرز عبيد المنزل عن عبيد الحقل في هذا الاستحواذ الإمبريالي ذي النّمط الفيودالي المتجدد، يمكنك أن تحلل مغالطات الدعاية، القيود غير المرئية التي تقيد المستهلك..التفكيك الذي تسعى إليه الإمبريالية لتجعل شركات الإنتاج في مواجهة المواطنين مباشرة ..فكرة الدولة أصلا مرفوضة في النظام الفيودالي..ستتولى الشركات الكبرى والمعولمة دور الحلول محل الدولة..فقبل أن نتحدث عن مصير الدولة والسيادة علينا أن نتحدث أيضا عن دور النظام الاقتصادي وهذيان المضاربات والوضعية الوهمية للنقد والنشاط البنكي..من عبودية المقايضة إلى عبودية العملة إلى العبودية الافتراضية، وفي سياق ذلك ما مصير الدولة ومفهومها في العالم الثالث…..يتبع

ادريس هاني:

عن gazett_admin

شاهد أيضاً

المرزوقي وابن تيمية معلم الأنوار

ادريس هاني أي قيمة لخطاب ديني أو فلسفي في بيئة يتغلّب فيها نمط من الأحاسيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.