الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / قي ذكرى مثلّث الموت: أوّل رسالة من جيش التحرير

قي ذكرى مثلّث الموت: أوّل رسالة من جيش التحرير

ادريس هاني

تبدو المقاومة المغربية ضدّ الاستعمارين: الفرنسي والإسباني مثقلة بجرح تاريخي..لا زالت الذاكرة تبحث عن عصر تدوين حقيقي..كفاح أمّة ونضال مستميت ضدّ المحتل بإمكانيات بسيطة وفي عزلة عن العالم وفي تواطئ كبير بين الجغرافيا والسياسة..قاوم آباؤنا الاستعمار وكان دائما مصيرهم التجاهل والنّسيان..ككل شيء معرّض للنسيان في بلد مغرب الشمس الذي بات يتطاول عليه من ليس بينه والتاريخ سوى الخير والإحسان..هل بسبب العزلة الجغرافية أم عدم اكتراث المغاربة بتاريخهم أو هو سوء الفهم لتاريخ شهد ميلاد أوّل أشكال المقاومة وحرب العصابات المسلحة في العصر الحديث..تلك ذاكرة أخرى قد نعود إليها..وهي تفيض بالوثائق والمحطّات الفارقة..قام جيش التحرير بما يجب القيام به على كل حركة تحررية ضدّ الإمبريالية..من يا ترى سيكتب تاريخ المقاومة المغربية ضدّ الاستعمار وتجربة جيش التحرير التي كان كانت ضاربة على امتداد المجال المغاربي وبتنسيق محكم مع المقاومين الشجعان على امتداد هذه الجغرافيا لا سيما في الجزائر المجاهدة وتونس..هذه المقاومة هي اللاّمفكّر فيه في زمن المغالطة..في زمن يُستضعف فيه التّاريخ أيّما استضعاف لينطق الإسفاف..إن كان هناك من يجهل من أي طينة خُلقنا فلا بدّ من تحريك هذا الأرشيف..أرشيف ليوث الأطلس وفرسان الصحراء..هذا الهابتوس العميق لمقاومة لا زالت تدفع فاتورة العبث الاستعماري بأشكاله المختلفة بما فيها المقنّعة..سأتحدث من حيث نحن اليوم في ذكرى مثلّت الموت: الإسم الذي أطلقه الفرنسيون عن المقاومة التي تحملها ذاكرة 2 أكتوبر1955، قادها المحلّيون ضد قوات فرنسا وكبدوها خسائر باهضة في الأنفس والعتاد..وهي من العمليات التي ساهمت إضافة إلى نظيراتها في التعجيل بخروج المستعمر..إنّني من خلال التمعن في تجربة المقاومة المغربية أجد أنّ فرنسا تحمل حقدا خاصّا لهذه المقاومة، لأننا وكما سنبيّن في محطات أخرى ، كانت مقاومة عنيفة وقاسية تدخل فيما يشبه إدارة التّوحش في التحرير..في بعض التجارب أكل المغاربة أكباد المستعمر وهي حكاية يذكرها إخواننا المشارقة في الجولان..هذا الواقع وهذا ما جعل فرنسا وإسبانيا تحمل حقدا تاريخيا خاصا على المقاومين المغاربة وربما حاولت تشويههم..لقد قطع جنود الاحتلال رؤوس الكثير من المقاومين، عذبوهم فتكون بهم ولكن المقاومين المغاربة أيضا فتكوا بالمستعمر والذاكرة لا زالت تحتفظ بتلك الصور..فالاستعمار لم يخرج بالكلام بل خرج بفعل الصمود والمقاومة..وكان زعيم جيش التحرير عباس المسعدي واعيا بخطواته..مدركا بأنّ مهمة جيش التحرير وجب أن تمضي إلى الأخير..كان للسياسيين رؤية أخرى..وثقوا في الاستعمار الذي سيضعهم أمام إكراهات استقلال ملغوم..ماذا لو استمر جيش التحرير في إنهاء مهمّته؟

حاول جيش التحرير أن ينفذ أولى عملياته ضد قوات الاحتلال في ريف تازة وهي مناطق بورد ونيزي وسلي وأكنول..هاجمت كتائب من المقاومين مواقع الجيش الفرنسي حيث تمت إبادتهم ومسح كل المواقع التابعة لقوات الاحتلال..كانت الحصيلة ما يقارب 500 قتيل فضلا عن مئات الجرحى من الفرنسيين مقابل 50 تقريبا من شهداء المقاومة خلال شهر كامل من المواجهة..لقد تألّف جيش التحرير من مقاومين مغاربة سبق وتمرسوا في المقاومة في فلسطين 1948 الأفواج التي انتقلت من المغرب بتنسيق مع محمد ابن عبد الكريم الخطابي، كما تمرسوا في معارك فيتنام -الحكاية التي تتطلب شرحا وافيا – والكثير من المتمردين من الجنود الذين فروا من الخدمة في الجيش الفرنسي من المغاربة..كان الشحن الأيديولوجي في منتهاه وكانت قضية تحرير الأرض من الاستعمار هدفا ثابتا..بدأ جيش التحرير أول عملياته بما سمته الصحافة الفرنسية يومئذ بمثلث الموت..وهي البداية التي حددت مصير الوجود الفرنسي بالمغرب..مغرب المقاومة الذي تسيّس قبل الأوان…

عن prizm

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *