تهديد الطائرات المُسيّرة وأثره على شكل المواجهات القادمة!

28 شباط 2022

عصمت منصور

أعادت حادثة نجاح طائرة مُسيّرة تابعة لحزب الله اللبناني في اختراق الحدود الشمالية مع إسرائيل، يوم الجمعة 18 شباط 2022، وعودتها من دون أن يتمكن سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوية الإسرائيلية من إسقاطها أو اعتراضها، إلى الواجهة سؤال حول دور الطائرات الصغيرة والمُسيّرة (على مختلف أنواعها وأحجامها) في الحروب والمواجهات التي تخوضها اسرائيل على أكثر من جبهة مع منظمات فلسطينية ولبنانية، ومع تشكيلات عسكرية غير نظامية تصفها إسرائيل بأنها “ميليشيات شيعية” موالية لإيران في مواقع قريبة جدا من إسرائيل، مثل سورية، أو في مناطق أكثر بعداً، مثل العراق واليمن.

اعترف الجيش الإسرائيلي، عبر بيان للناطق باسمه، أن المُسيّرة نجحت في اختراق المجال الجوّي الاسرائيلي، والتحليق فوق مناطق واسعة في الجليل، ثم العودة إلى الأراضي اللبنانية، بدون أن تتمكن أي من منظومات وترسانة الدفاع الجوي الإسرائيلية من وقفها أو السيطرة عليها أو إسقاطها، وشمل هذا الفشل الذي عدّه كثيرون إخفاقا ذريعا، كلا من منظومة القبة الحديدية والمضادات الأرضية، والطائرات الحربية والطائرات السمتية (المروحيات) التي حلّقت في الأجواء طويلا في محاولة لإسقاطها من دون طائل.

قوة إسرائيلية في حالة استنفار على الحدود مع لبنان بعد اختراق مُسيّرة في 18 شباط 2022. (أ.ف.ب)
قوة إسرائيلية في حالة استنفار على الحدود مع لبنان بعد اختراق مُسيّرة في 18 شباط 2022. (أ.ف.ب)

هذه الحادثة جسدت جدية التهديد الجديد الذي تمثله الطائرات من دون طيار أو المُسيّرات، وكونها إحدى الأدوات التي ستلعب دورا مهما في أي مواجهة قادمة، دون أن يخفف من حدة هذا التهديد وجديته، كون هذه المُسيّرة “لم تحمل موادّ متفجرة، وكانت في مهمة استخبارية، لجمع المعلومات، ولم تلحق أضرارا بالغة”، وفق ما نشرته القناة 12 يوم 18 شباط بالتزامن مع التغطية التي رافقت الحدث.

موقع “واينت” التابع لصحيفة “يديعوت أحرونوت“، أكد بدوره أن المسيرة لم تحدث أي ضرر أمني يُعتد ّبه “إلا أنها سجلت نصرا إعلاميا ومعنويا لخصم إسرائيل اللدود – حزب الله”.

ولَفَت تسفيكا حيموفيتيش، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي، في مقال له في “معاريف” بتاريخ 23/2/2022، إلى توقيت الحادثة التي جاءت مباشرة بعد استعراض زعيم حزب الله حسن نصر الله للتطور في قدرات حزبه العسكرية ومن بينها الصواريخ الدقيقة، والمنظومات المضادة للصواريخ الإسرائيلية. وانتقد القائد العسكري الإسرائيلي السابق محاولات التقليل من أهمية الحادثة، مؤكدا أن الجهة التي أرسلت الطائرة تسعى للتعلم من هذه الواقعة وتطوير قدراتها في المستقبل، وهو ما يخلق تحديات جديدة أمام إسرائيل ويستدعي العمل لتطوير قدراتها في الكشف عن هذه المخاطر في مهدها ثم التصدي لها وتدميرها.

أكد حزب الله بدوره عبر مصادر خاصه به لصحيفة “الأخبار” اللبنانية، أنه وعلى الرغم من كل وسائل الإنذار المُبكر والرصد، لم تتمكن إسرائيل من اكتشاف الطائرة المُسيّرة إلا بعد نصف ساعة من اختراقها المجال الجوي الإسرائيلي، بعدما قطعت نحو 30 كيلومترا، ووصلت إلى منطقة روشبينا، قرب صفد، وذلك في مسعى من الحزب لتعزيز صورة الانتصار الذي سجّله.

تهديد جدي ومستجد

ليس التهديد الذي تجسده الطائرات المُسيّرة جديدا، ولا يقتصر على إسرائيل، خاصة بعد أن تزايد في السنوات الأخيرة استخدامها في مناطق مختلفة من العالم، ربما أكثرها كثافة وحساسية وتأثيرا، تمثل في الآونة الأخيرة في لجوء جماعات “أنصار الله” المعروفة باسم “جماعة الحوثي” وهي المقربة من إيران، والتي تتحكم منذ سنوات بالعاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية لاستخدام هذا السلاح ضد كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وكان من أبرز هجماتها التي أحدثت صدى عالميا الهجوم على منشآت شركة النفط الكبرى (أرامكو) في منطقة الظهران بالسعودية في شهر أيلول 2019، وكذلك الهجوم على عدة أهداف ومنشآت اقتصادية في دولة الإمارات من بينها مطار في أبو ظبي خلال شهر كانون الثاني الماضي ما أوقع خسائر في الأرواح والممتلكات، واللافت أن كلتا الجماعتين (أنصار الله وحزب الله اللبناني) هما من المجموعات التي تحظى بدعم تمويلي وتسليحي إيراني ظاهر، وتعتبرهما إسرائيل وعديد الدوائر الإقليمية والدولية جزءا من أدوات التأثير الإيرانية في المنطقة.

موقع “واللا” الإخباري الإسرائيلي سبق له أن وصف في وقت مبكر وتحديدا في 21 أيار 2021، المُسيّرات بأنها “الخطر القادم ضد اسرائيل” خاصة على ضوء ما أسماه “الاستخدام المتزايد لهذه الطائرات من قبل المنظمات الارهابية”، وهو ما يخلق ساحة مواجهة “غير معروفة” ويضع إسرائيل أمام تهديد جدي.

فتِّش عن إيران!

المعضلة الأخرى التي تعترض أجهزة الأمن، وفق ما نشره موقع “واينت” في 18 شباط 2022، هو أن هذه المسيرات “أصبحت منتشرة على نطاق واسع، وفي متناول أيدي كل الجماعات التي تتهمها اسرائيل بالإرهاب بدءا من داعش وحزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى الحوثيين”، وأنها تحولت إلى سلاح يستخدم في كل الهجمات التي تنفذها هذه المنظمات، وهو ما أكده مصدر سياسي لذات الموقع حيث اعتبر أن ” إحدى أبرز القضايا التي تشغل العالم اليوم هي قضية المُسيّرات وسهولة تنفيذ عمليات من خلالها”.

عامل آخر يدعو للقلق لدى منظومة الأمن الاسرائيلية هو “أن إيران هي الدولة الأكثر نشاطا في مجال الطائرات المُسيّرة، والطائرات الصغيرة، وأنها (إيران) لا تبقي هذه التقنية لديها بل تنشرها عبر أذرعها والميليشيات التابعة لها في الشرق الأوسط” وفق ذات التقرير على موقع “واينت”.

ذهب وزير الدفاع الاسرائيلي بيني غانتس إلى أبعد من ذلك، حيث اتهم إيران خلال مشاركته في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية في أميركا الشمالية الذي عقد في مدينة القدس، بأنها “زودت فنزويلا بطائرات مُسيّرة بدون طيار وأسلحة متطورة، فضلاً عن تزويدها بالمعرفة والتكنولوجيا اللازمة لإنتاج هذه الطائرات على أرضها”.

تهديد المُسيّرات ليس جديدا، فقد لجأ إليه حزب الله مبكرا في العام 2005 لجمع معلومات “في عملية شبيهة جدا بهذه التي وقعت مؤخرا”، وفق المحلل العسكري لصحيفة “معاريف” طال ليف رام، في مقالة نشرها في 20 شباط 2022، الا أنه عاد وكرر “إرسال ثلاث مُسيّرات مفخخة تم إسقاط اثنتين منها داخل المجال الجوي الاسرائيلي” بعدها بعام، وتم أيضا إطلاق طائرة ثانية في العام 2018 في الجولان، هي الأخرى تم إسقاطها، وكل هذا مع الإشارة إلى أن طائرتين مُسيّرتين تم إسقاطهما في السابع عشر من شباط على الحدود مع غزة ولبنان، أي قبل يوم واحد من نجاح المُسَيّرة في اختراق المجال الجوي في الشمال، تبعها تمكُّن الجيش الاسرائيلي من إسقاط طائرة مُسيّرة قادمة عبر الأجواء شمال قطاع غزة يوم الأربعاء 23/2/2022، وهو ما يعزز الانطباع بجدية هذا التهديد، والذي تشير الأحداث إلى أنه آخذ في التنامي والتطور، حيث نقلت صحيفة “معاريف” عن مصدر عسكري كبير تعبيره عن قلقه من أن حزب الله اللبناني “أحدث نقلة نوعية في قدراته في مجال الطائرات المُسيّرة” وهو ما يخلق ما يشبه الصراع على الحيز الجوي، ويهدد حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء اللبنانية، حيث نقل موقع “واللا” في هذا الخصوص أن التقديرات في الجيش الإسرائيلي تفيد بأن الاحتكاك بين حزب الله والجيش في المجال الجوي اللبناني سيتصاعد، وأن ضباطا كبارا في الجيش “لا يستبعدون إمكانية أن يقود ذلك إلى جولات وأيام قتالية إذا خرق حزب الله التوازن الناعم والهش الموجود على طول الحدود منذ حرب تموز 2006”.

وتابع الموقع أن سلاح الجو الإسرائيلي يخوض “حربا مكشوفة” مع حزب الله على التحليق في سماء لبنان، من أجل جمع معلومات استخبارية حول أنشطة الحزب الذي يسعى إلى وقف طلعات الطيران الإسرائيلي، والطائرات بدون طيار في الأجواء اللبنانية، بينما قال ضباط إسرائيليون إن “سلاح الجو كثّف طلعاته في الأجواء اللبنانية، مؤخرا”، وأضاف “نحن نُلمِّح لهم أننا لا نتنازل عن هذا الحيّز”.

وما يعزز هذه التخوفات ما ذكرته صحيفة “يسرائيل هيوم” يوم الجمعة 18 شباط من أن “مسؤولين في الجيش يقدّرون بأن لدى حزب الله ترسانة تعد بالمئات من المُسيّرات، بأحجام وقدرات مختلفة، مصممة لجمع المعلومات الاستخبارية، ويمكن تسليحها بالمتفجرات واستخدامها كسلاح هجومي دقيق، ورخيص الثمن ويمكن تشغيله بسهولة”.

آفاق الحلول لمواجهة التهديد!

مع تنامي خطورة هذا التهديد، واتساع رقعة ووتيرة استخدام المسيرات، يبرز للعيان الاعتراف الضمني من قبل السياسيين ومنظومة الأمن في اسرائيل بأن لا حلول رخيصة وسريعة لهذا التهديد.

فقد اعترف موقع “كلكاليست” في مقال نشر بتاريخ 12/4/2021 بأن “إسرائيل لا تملك حلولا دفاعية لمواجهة تهديد المسيرات” وذلك على ضوء تقرير مراقب الدولة الجديد الذي نوّه إلى أنه بعد أربع سنوات من تقرير مراقب الدولة السابق (المقصود تقرير العام 2017) ما تزال “إسرائيل غير محمية من هذا التهديد الذي يستهدف منشآت عسكرية واستراتيجية ومطارات مدنية”، وأن “صراعات داخلية ومشكلات في الموازنة والأزمة السياسية الداخلية” هي العوامل التي تحول دون تطوير منظومات دفاعية تتصدى لهذا التهديد.

تشكل الطائرات المُسيّرة، التي تعتبر رخيصة، ويسهل الحصول عليها، تحديا، ليس في معركة الوعي، أو الجوانب العسكرية فقط، بل إن مواجهتها ستترتب عليها كلفة اقتصادية كبيرة، حيث أشار موقع “كلكاليست” إلى أن سلاح الجو “أنفق على هذه الحادثة، مئات الآلاف من الشواكل، مقابل اعتراض فاشل، وهو اعتراض سيكون شائعاً جداً في المواجهات القادمة، مع الأذرع الإيرانية في لبنان وغزة، في ظل الاستخدام المتزايد من قبل القوات الإيرانية وحلفائها، للطائرات من دون طيار (المُسيّرات) للهجوم وجمع المعلومات”. وأضاف الموقع أن “تكلفة طائرة حــزب الله المُسيّرة لا تزيد عن بضعة آلاف من الدولارات” وهو ما يحفز الصناعات العسكرية الاسرائيلية على البحث عن حلول “عملية وغير مكلفة”.

حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، طمأنة جمهوره ومستمعيه بأن يزفّ لهم بشرى عن قدرات إسرائيلية للتصدي لهذا النوع من المخاطر، وقال في تصريح له أمام معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب في الأول من شباط من العام الحالي، أن “قوات الدفاع الإسرائيلية سوف تشغّل نظام اعتراض يعمل بالليزر في غضون عام”. جاءت هذه التطمينات التي لم يثبت ما يسندها في ضوء الإدراك المتزايد لتعاظم هذا الخطر، والتكلفة الباهظة التي تستنزفها أنظمة الدفاع الجوية الحالية، وحالة الرعب التي ترافق كل عملية اعتراض، حيث اضطرت إسرائيل إلى تشغيل صافرات الإنذار وإطلاق طائرات حربية ومروحيات، واللجوء إلى القبة الحديدية في مواجهة مُسيّرة حزب الله الأخيرة وهو ما لخصه موقع “واللا” بعبارة “اعتراض بكلفة الملايين في مواجهة طائرة مُسيرة رخيصة الثمن”!

على الرغم من أن نفتالي بينيت أوضح أن “نظام اعتراض الصواريخ والطائرات عبر الليزر” لن يكون جاهزا للاستخدام خلال العام وأن “تشغيلا تجريبيا” فقط سيكون جاهزا، وذلك قبل استخدامه في العمليات في الجنوب أولا ثم في الأماكن الأخرى، بما يمكّن إسرائيل “مع مضي السنين، من إحاطة نفسها بحائط من الليزر يحمينا من الصواريخ والمقذوفات والطائرات المُسيّرة وغير ذلك من التهديدات”، إلا إن الكثير من المحللين العسكريين شككوا في دقة ما قاله بينيت.

لم تكن تصريحات بينيت الآنفة الذكر بعيدة عن حملة الترويج التي أطلقتها أوساط أمنية وسياسية إسرائيلية عن عقود واتفاقات أولية لتزويد دولة الإمارات المتحدة، وربما زبائن آخرين على امتداد العالم، بمنظومات دفاع جوي تعمل بأشعة الليزر لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها، ففي تقرير لصحيفة “يسرائيل هيوم” في الثالث من كانون الثاني الماضي أعلنت شركة “إلبيت الإسرائيلية” عن تأسيس فرع لها في الإمارات بهدف تطوير تعاون طويل الأمد مع هذه الدولة التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل وباتت تقيم علاقات سياسية ودبلوماسية وتجارية وعسكرية معها، ويتحدث التقرير عن أنظمة تعمل بالليزر والأشعة تحت الحمراء لمواجهة صواريخ أو مسيّرات أو مقذوفات، وكانت مصادر إسرائيلية أخرى ذكرت في وقت أسبق أن الإمارات طلبت من إسرائيل تزويدها بأنظمة دفاع جوي متطورة لكن إسرائيل هي التي رفضت ذلك.

تأتي هذه العروض والتطمينات الإسرائيلية وسط غموض وتضارب بشأن جدوى وجاهزية مثل هذه الأنظمة، حيث نقلت القناة السابعة ووسائل إعلام اسرائيلية مختلفة عن مصادر أمنية متعددة وعلى ارتباط بتطوير النظام، قولها إن نظام الليزر لن يكون جاهزاً للاستخدام قبل عام، وأن “التجارب لا زالت مستمرة لتطويره، مرجحة أن يستغرق الانتهاء من العمل بالنظام ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام، حتى يصبح جاهزاً للعمل، فيما أعربت مصادر أخرى عن استغرابها من تصريحات بينيت”.

تهديدات وفرص

على الرغم من المخاطر والتهديدات التي تحملها الطائرات المسيّرة، فهي تحمل معها أيضا فرصا يمكن لإسرائيل استثمارها سياسيا وعسكريا وتجاريا، ففي الوقت الذي يتعاظم فيه خطر المُسيّرات تجاه إسرائيل والسعودية والإمارات، وبينما تعمل إسرائيل على تطوير منظومات دفاعية “غير مكلفة”، كشفت القناة 12 في العشرين من شباط الحالي عن “تشكيل تحالف دفاعي ضد تهديدات الطائرات المسيرة الانتحارية يضم إسرائيل ودولا في المنطقة أبرزها السعودية والإمارات” وذلك بهدف “الاستفادة من القدرات على اكتشاف الطائرات والتهديدات واعتراضها”.

وميزة هذا السلاح، صغير الحجم، والجديد في ميادين الحروب، والذي يحلّق بشكل منخفض ما يجعله قادرا على التملص من معظم أنظمة الرادار، وقادر على جمع المعلومات وحمل مواد متفجرة، أنه نجح في أن يستنزف طاقات جيوش كاملة، وأن يقرّب دولا من بعضها البعض، وأن يستنفر الأذرع التكنولوجية والصناعات العسكرية، وهو ما يجعله التهديد الأبرز الذي سينعكس على شكل المواجهة القادمة، إن لم يكن السبب في اندلاعها.

عن Amal

شاهد أيضاً

إعلام إسرائيلي: كيف شارك كبار ضباط الجيش في إخفاق 7 أكتوبر؟

شباط 23 2024 صحيفة “معاريف” تتطرق إلى دور ضباط خدموا في مناصب عليا في الجهازين …