الرئيسية / الملف السياسي / مدينة نابلس أمام الحصار الاستيطاني

مدينة نابلس أمام الحصار الاستيطاني

27-آذار-2023

محمد قعدان*

“حاول أعضاء مجموعة ‘شخيم’ (نابلس) سبع مرات إقامة مستوطنة في أربعة أماكن مختلفة. باستثناء المحاولة السادسة التي أوقفوا فيها في الطريق، والأولى التي قرروا فيها، في اللحظة الأخيرة، إقامتها في مكان بديل. ولكن جميع المحاولات الأُخرى التي وصلوا فيها إلى المكان المخصص، أقاموا الخيام، أحياناً. أحاطوها بسياج، وأُجبروا على إخلائها حالاً.”[1] وقعت مدينة نابلس تحت الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1967، كما الضفة الغربية بأكملها، وقطاع غزة وصحراء سيناء والجولان. ويمكننا القول إن المنطق الإسرائيلي من الاحتلال هو الاستيطان وتوسيع المجال الحيوي اليهودي/الصهيوني، ويمكننا رصد الحركة الاستيطانية في ديناميات متعددة ما بين المبادرة الفردية/ المجتمعية، أو مبادرة الدولة والمؤسسة الرسمية. ولدى قراءة الواقع من منظور مادي واجتماعي، لا تهم المبادرة بقدر التحولات الجارية، فعلياً، في المشهد الجغرافي البشري على أساس سلب الأرض ومنطق الإبادة للفلسطينيين.

نجد أن الاقتباس أعلاه في وصف “مجموعة شخيم”، وهي أول نواة يمينية (تابعة لشبيبة بيتار، أي اليمين الليبرالي) حاولت بدء حركة الاستيطان في نابلس، إيماناً بأن كل الأراضي المحتلة (فلسطين الانتدابية) هي من حق “الشعب اليهودي”، واجتهدت أكثر من مرة من أجل تحريك ملف الاستيطان وعدم التخلي عن هذه الأراضي. وقد جاء في بيان نشأتها أن “الحكومة قد تسلّم هذه الأراضي ضمن اتفاقيات سلام،” وهذا ما عارضه أعضاؤها، علماً بأن موقفهم مبالغٌ فيه، إذ إن حكومات “العمل” (اليسار العمالي) لم يكن في نيتها أبداً التخلي عن هذه الأراضي في أي اتفاقيات، وخصوصاً في فترة سبعينيات القرن الماضي وما بعدها أيضاً.

وما يهمنا في هذه التجربة التي امتدت عامين (1969-1971) وأكثر من ست محاولات أثّرت في أنوية استيطانية أُخرى لاحقاً، باعتبارها استمراراً لتراث “فرض وقائع استيطانية على الأرض”، بهدف تغيير ميزان القوى، عبر خطوات صغيرة يقودها نشطاء ومجموعات مدنية، تصبح لاحقاً واقعاً سياسياً يتم التفاوض من خلاله، وكذلك الأمر في مستوطنة “ألون موريه” وما تلاها. في المقابل، من الواجب علينا عدم الاكتراث لادّعاء نشطاء اليمين، سواء الليبرالي أو الديني، أن حكومات “العمل” لم تؤيد الاستيطان، لأن الواقع هو عكس ذلك.

تعليم، تجوال وبيئة… هكذا بدأ حصار نابلس

“منذ وقت ليس ببعيد، أطلق وزير الدفاع موشيه دايان خطة لإنشاء مدرسة ميدانية بالقرب من نابلس، كجزء من ‘جمعية حماية الطبيعة’، على غرار المدرسة التي تعمل على قمة “جبل جيلا” [مدرسة استيطانية في القدس]، وفقاً لهذه الخطة، تطمح مجموعتنا إلى أن تكون النواة البشرية التي ستدير المدرسة.”[2]

– رسالة “مجموعة شخيم” إلى مكتب رئاسة الحكومة، 1969.

في هذه الرسالة نرى كيف تتشكل العلاقة ما بين المبادرة المدنية والمبادرة السياسية، باعتبار أن الرسالة تؤكد وجود نية استيطانية للدولة، ولكن بطريقة تدريجية، على أساس تشييد بنية تحتية ثقافية وتربوية، وفقاً لمخطط موشيه دايان. ما يهمنا في هذه الرسالة ماهية التخطيط الاستيطاني للدولة في تلك الفترة، إذ إن جميع محاولات وطرق “مجموعة شخيم” باءت بالفشل، في إثر عزم الدولة على عدم التسرع في الاستيطان البشري وتشييد مدن وبلدات ومستوطنات زراعية جديدة، وخصوصاً أن الاحتلال ما زال حديثاً، علماً بأن الولايات المتحدة أطلقت في تلك الفترة “مبادرات سلام”، من هنا، يجب أن نعي سبب رفض المبادرات الأولى للاستيطان.

أوضحت الرسالة إيمانهم في هذه المبادرة بإحياء قيم الاستيطان داخل المجتمع، وأيضاً أن المجموعة، في مجملها، تحمل على عاتقها مسؤولية تدعيم الاستيطان، وترك أعمالها لهذا الهدف. من هنا، عندما لم ينجحوا في بناء خيام وبؤر استيطانية، اقترحوا العمل ضمن البرامج والمبادرة الحكومية، وخصوصاً أنهم يدركون أن المدرسة ستكون بادرة مهمة في زيادة الإقدام والمتجولين الإسرائيليين، سياحةً ورحلات إلى الضفة الغربية.

ولكن كيف بدأت قصة هذه المدرسة الميدانية بمبادرة من الوزارة، وكيف تحقق غايات الاستيطان بجانب نابلس؟ بادرت “جمعية حماية البيئة” إلى تشييد المدرسة الميدانية في منطقة نابلس، وتم إقرار المخطط نهائياً في 24 تموز/ يوليو 1969 على أساس أن تكون المدرسة ملازمة للقاعدة العسكرية التابعة للجيش في “إدارة نابلس”، وتصبح بالتالي ذراعاً مدنية للجيش ومساعدته في مهمات الحماية والتأمين وأمور إدارية أُخرى، أضف إلى ذلك أن المدرسة ستتحول إلى مساحة للباحثين والأكاديميين في المجال البيئي، كما أن مثل هذه المدارس يهتم أساساً بالتحول إلى مساحة للنوم والراحة لجميع المتجولين والرحالة الإسرائيليين خلال رحلاتهم الاستكشافية في الطبيعة.[3]

اهتمام دايان كان نابعاً من منظور أمني، وطوبوغرافي بتعزيز قمة الجبل المقابلة لنابلس، فلم يكن لديه نية بعد في إدخال مستوطنين إلى المدينة، أو على أطرافها، ولكن فكرة المدرسة كانت تعزيز المواقع العسكرية وزيادة الحركة في المنطقة، ومع ذلك، يبدو أن مخططه باء بالفشل بسبب فقدان دعم الحكومة، خوفاً من أن يقود هذا الأمر إلى مستوطنة ثابتة لا تلائم “مخطط ألون”، باعتباره حجر أساس في سياسات الحكومة آنذاك.[4]

مشروع “شخيم عيليت”… استيطان وابتلاع مدينة

“شخيم عيليت، ستبتلع مدينة نابلس كما ابتلعت تل أبيب مدينة يافا.”[5]

– يوفال نئمان، عضو اللجنة الوزارية لشؤون الاستيطان.

مع وصول حكومة يمينية إلى السلطة بقيادة تجمُّع قوى اليمين الليبرالي والقوى الحريدية والدينية تحت اسم “الليكود” في سنة 1977، بادرت إلى تجاوُز محاذير متعلقة بشكل الاستيطان، والتي وضعتها حكومات “العمل”، مثل تقنين الاستيطان البشري في الضفة الغربية، علماً بأن مستوطنة ألون موريه، كونها أول استيطان في أثناء تولّي حكومات “العمل”، إلّا أنها شُيدت وفقاً لمحاذيرهم، أي إخلاء المستوطنة، ولكن نقلها إلى جانب قاعدة عسكرية للجيش يضعها في توازُن قانوني سياسي ضبابي.

مع وصول اليمين، بدأ تشريع المستوطنات، فوصلت سريعاً إلى أكثر من 30 مستوطنة، بتخطيط من وزير الزراعة آنذاك أريئيل شارون، باعتبار أن “وحدة أرض إسرائيل” ليست قابلة للتفاوض السياسي، علماً بأن مناحم بيغن وافق على خطة “حُكم ذاتي في الضفة الغربية وغزة” ضمن اتفاقيات سلام واسعة مع مصر (كامب دايفيد، 1978)، وتُعد هذه الخطة إدارية مدنية، وليست سياسية، من دون اعتراف بشعب فلسطيني يملك حق السيادة، وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأ التحضير لمشروع “شخيم عيليت” الذي جاء ضمن اعتبارات أمنية واستيطانية لمحاصرة الكتل الفلسطينية الكبرى.

في هذا الصدد، ناقشت مقالة نُشرت في أيار/مايو 1983 أهمية تشييد المشروع ضد معارضيه، بصفته استمراراً لمشروع “نتسريتعيليت” (مستوطنة الناصرة العليا)، وهي تُعتبر المدينة الاستيطانية التي أقيمت، بهدف تقويض ومحاصرة الناصرة وحتى ابتلاعها، وتجفيفها اقتصادياً وحضارياً وسياسياً. كما حدث تحديداً في مدن فلسطينية أُخرى، مثل حيفا عندما ابتلع حي الهدار المدينة بأكملها، وتم تهويدها ابتداء من تلك البؤرة، وأيضاً كما حدث في مدينة يافا وابتلاعها من خلال تل أبيب.[6]

أضف إلى أنه في رصد صحافي لجريدة “دافار” (1983)، يتبين أن منظمات يسارية، مثل “السلام الآن”، عارضت مثل هذه المخططات، إلا إن التطبيق كان سرياً، بهدف إقامة نواة “هار برخا”، وهي نواة المدينة الجديدة، حيث نُظّمت احتجاجات مقابل الاحتفال في النواة الاستيطانية على جبل جرزيم، والذي حضره ممثلو ونشطاء دعم الاستيطان، بالإضافة إلى نائب رئيس الوزراء ووزير الإسكان، وهو ما يوضح لنا النية التدريجية لتطوير مشاريع الاستيطان في منطقة نابلس.[7] أما جريدة “الاتحاد” فنشرت تقريراً في 13 نيسان/ أبريل في العام نفسه، بشأن أهداف الحكومة في بدء عملية تغيير ديموغرافي في الضفة الغربية عموماً، وخطة تمتد على مدار ثلاثة عقود قادمة، لمضاعفة عدد المستوطنين، من 30 ألف (1983) حتى مليون و300 ألف مستوطن (2010)، وقد وصل عددهم في سنة 2010 إلى 311 ألف مستوطن فقط، بحسب إحصائيات منظمة السلام الآن[8]، وتخلل الخطة أكثر من 50 مستوطنة جديدة في الضفة، وإقامة “شخيم عيليت” ضمن هذه الرؤية الاستيطانية للحكومة، وفعلياً، لم يشهد هذا المخطط نسبة نجاح عالية.

عقد الكنيست بتاريخ 25 نيسان/ أبريل في العام ذاته جلسة خاصة للحديث عن المخطط، بمبادرة من قائمة الجبهة، بهدف معارضة المخطط أو إيقافه، علماً بأن الحكومة لم تعلن رسمياً نيتها إقامة هذا المشروع، في إثر نتائج مثل هذا الإعلان في العلاقات الخارجية الإسرائيلية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وحاولت الالتفاف على هذا المخطط من خلال محاولة تبرير أن لمثل هذه المستوطنات أهمية عسكرية وأمنية، باعتبارها جزءاً من القواعد العسكرية، وهو ما يعطيها شرعية قانونية ضبابية. ثم ورد خبر آخر بشأن نية حكومية لإقامة “شخيم عيليت”، عبر ثلاث مستوطنات مختلفة في منطقة نابلس، كبداية لمخطط ابتلاع المدينة.[9]

العودة إلى المخطط الأولي: عزل وتفكيك وحصار
لم يعد من الممكن استكمال مشروع كبير كهذا، لعدة أسباب: أولاً، شهدت الدولة في هذه الفترة، تحديداً بين 1980و 1985، سلسلة أزمات اقتصادية وتضخماً كان الأكثر تحدياً منذ إقامتها، في إثر “الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية”، وفقاً لتوجهات اليمين الكلاسيكي بقيادة بيغن، الأمر الذي أثّر في جميع مشاريعها الاستيطانية و”الاستثمارات” في الأراضي المحتلة سنة 1967، وخصوصاً في سنة 1983، حين شهدنا الأزمة الأكثر بنيوية، انهيار “البورصة الإسرائيلية” وأسهم البنوك، وبالتالي أصبحت المهمة الأكثر حسماً للحكومة إنقاذ الدولة من سلسلة الأزمات الاقتصادية.

ثانياً، من المهم أن نتذكر أن عدد سكان نابلس في ثمانينيات القرن الماضي بلغ 60 ألف فلسطيني، فلم يكن من الممكن ابتلاع المدينة وحزامها القروي من دون مشروع ضخم، تدريجي، على مدى عقد أو أكثر على الأقل؛ لذا، لم يستطع المشروع الصمود أمام كل المتغيرات السياسية، في غضون أربعة أعوام فقط، ففي سنة 1987، اندلعت الانتفاضة الأولى التي استطاعت، بقوتها واستمرارها على مدى سنوات، أن تفكك العديد من المشاريع الاستيطانية الكبرى.

في المقابل، هذا لم يمنعهم من استكمال المبادرات الاستيطانية لمحاصرة المدينة وتفكيك حزامها القروي تدريجياً، وعلى هذا الأساس، نجد أن سنة 1983 شهدت بناء أنوية استيطانية ما زالت قائمة حتى اليوم، علماً بأنها لم تتحول إلى كتلة استيطانية أكبر وفق المخطط “شخيم عيليت”، وهي “يتسهار”، “هار برخا”، وفي العام التالي 1984، تم بناء مستوطنة “إيتمار”، وعدد مستوطنيها لم يصل إلى 10 آلاف حتى يومنا هذا، ويشير هذا الأمر بشكل حاسم إلى فشل مشروع ابتلاع نابلس. بينما استمر العمل على تفكيك الحزام القروي، إذ إن المستوطنات التي تقع على التلال، مثل “جفعا 725” (تلة 725) والعديد من مستوطنات التلال في منطقة نابلس، جاءت لتقويض القرى، وبدأت جميعها منذ نهاية التسعينيات، وأعداد المستوطنين فيها صغيرة جداً. كما أن الكتل الاستيطانية الأشد عوداً، مثل أريئيل التي أقيمت على أراضي منطقة نابلس أيضاً، بلغ عدد مستوطنيها ما يقارب الـ 20% فقط من سكان مدينة نابلس، وهي لا تقع في محيط المدينة الحيوي.

خلاصة الأمر أن مشاريع الاستيطان لم تنجح حتى الآن في تقويض المدينة ومحاصرتها، وبالتأكيد هناك فشل واضح في ابتلاع المدينة.

*كاتب فلسطيني

المصدر:مركز الدراسات الفلسطينية

عن Amal

شاهد أيضاً

إعلام إسرائيلي: كيف شارك كبار ضباط الجيش في إخفاق 7 أكتوبر؟

شباط 23 2024 صحيفة “معاريف” تتطرق إلى دور ضباط خدموا في مناصب عليا في الجهازين …