الرئيسية / الملف السياسي / تمزق إسرائيل بين الواقع والأسطورة

تمزق إسرائيل بين الواقع والأسطورة

24 تموز 2023

معتز خليل*

تصاعدت على مدار الأشهر الأخيرة حدة الاحتجاجات والاضطرابات في إسرائيل، بصورة دفعت عدداً من المحللين والقنوات العربية إلى الحديث صراحة عن تمزق إسرائيل وغرقها في أتون من الحرب الأهلية، والأدق من هذا هناك من توقع زوال إسرائيل تماما نتيجة لهذه الاحتجاجات.

لقد بات واضحاً اختلاط الأمنية بزوال إسرائيل مع الأسطورة العربية وهو أمر بات ملحوظاً في تحليل الكثير من الآراء لما يجري ويتفاعل ويحصل في إسرائيل، لكن تحليل الواقع السياسي لما يعيشه هذا الكيان من اضطرابات، يستوجب علينا أن نشير إلى بعض الحقائق التي غابت عن الواقع السياسي التحليلي للكثير من المحللين العرب، منها:

1- عدم ارتباط الرغبة في التعديلات الدستورية المتعلقة بالقضاء في إسرائيل بأشخاص، أي إن الموقف السياسي لا يتوقف فقط عند ما يدعو إليه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أو وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أو رئيس وزراء حكومة الكيان بنيامين نتنياهو.

2- هناك رغبة يمينية قوية في الشارع الإسرائيلي بضرورة إجراء هذه التعديلات، وهي الرغبة التي تطالب بها قوى مركزية في الشارع الإسرائيلي على رأسها المستوطنون، والجماعات اليمينية، وجحافل المتشددين اليمينين في الشارع والأحزاب اليمينية.

3- أغلبية القوى اليمينية بالشارع الإسرائيلي تؤيد هذه التعديلات وتدعمها وترى أن المحكمة العليا في إسرائيل يسيطر عليها التوجه اليساري، وللعلم هي حقيقة سياسية، الأمر الذي يفرض القيام بتغيير إستراتيجي مهم يتمثل في تعديل التعيينات القضائية لتكون الحكومة التي انتخبها الإسرائيليون شريكاً في صنع القرار.

4- ترى قوى اليمين العلماني التي يعبر عنها تكتل الليكود السياسي، أن هناك خللاً في العلاقة السياسية داخل إسرائيل بين القوى الثلاث الأهم في إسرائيل وهي السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، حيث بدلاً من التوازن المفترض الذي تنادي به النظرية الديمقراطية بين هذه السلطات الثلاث، تعاني إسرائيل «تغول» السلطة القضائية على السلطتين الأخريين، فقضاة المحاكم يتم تعيينهم من لجنة أغلبها من المستقلين «نظرياً»، بينما في الأغلب وفي الواقع، أصحاب إيديولوجيات بعضها ضد فكرة الدولة والسلطة من الأساس، كما أن المحكمة العليا التي يتم «تعيين» قضاتها بوساطة لجنة خاصة أيضاً، أصبح بوسعها منع صدور قوانين أو إلغاء أخرى قائمة، وافقت عليها أغلبية من نواب الكنيست «المنتخبين»، وهو ما يشكل تناقضاً واضحاً وفق النظرية الديمقراطية ذاتها، وهناك الكثير من الوقائع التي تؤكد ذلك ومنع قوائم انتخابية من الترشح بسبب اعتراض المحكمة.

5- بنظرة عامة فإن الأحزاب الدينية الشريكة لنتنياهو في الحكومة القائمة، لا تؤمن بالديمقراطية ولكنها تقبل بقواعد اللعبة الانتخابية، ولديها أجندتها الخاصة التي كسبت الانتخابات وفقها، وهو ما يعني أنها تعبر عن قطاع من الإسرائيليين ينظر إلى نشر المستوطنات في الضفة الغربية على أنه واجب ديني مقدس، وضرورة أمنية للدولة لا يمكن التنازل عنه، وبالتالي فإن اعتراض المحكمة العليا أو قضاة معينين في المحكمة، هو أمر غير مقبول، بل تذهب بعض من القوى الدينية في إسرائيل إلى الادعاء بأن مثل هذه القرارات تتعارض حتى مع مبادئ الشريعة اليهودية!

وبالتالي فإن الأزمة السياسية الحالية مرشحة للاستمرار في ظل تواصل الأسباب والجذور السياسية لاشتعالها، والشواهد السياسية تؤكد استمرار الأزمة في الشارع الإسرائيلي، خاصة بعد فشل من كان في الحكومة السابقة من منع نتنياهو من العودة للسلطة، ولم يعد أمامها سوى المؤسسة القضائية لكي تكون السلاح الوحيد القادر على تحجيم اليمين، وربما أيضاً الإطاحة بنتنياهو عبر إدانته بتهم الفساد واستغلال النفوذ.

اليوم إن المعارضة الإسرائيلية، سواء اليسارية أم العربية، تعاني حالة تشتت يمكن أن تزداد تفاقماً، حيث ترفض الأحزاب العربية المشاركة في التظاهرات التي دعت لها الأحزاب اليهودية، رغم عدائهما المشترك لنتنياهو، بسبب غضبها من مواقف الأحزاب الصهيونية المعادية لحقوق الأقلية العربية، والمؤيدة في الوقت نفسه لسياسة نتنياهو في قمع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، غير أن تواصل التظاهرات لا يعني بالمطلق انهيار شعبية نتنياهو أو زوال إسرائيل أو اندلاع حرب أهلية بها، ولكنه يعني وفي ضوء المطروح حالياً بعضاً من النقاط ومنها:

1- تشتت الجيش الإسرائيلي الذي انضم الكثير من قياداته وعناصره من قوات الاحتياط لدعوات رفض الخدمة بسبب سياسات نتنياهو.

2- امتدت هذه الأزمة لبعض من المواقع والأجهزة، ومنها مثلاً وزارة الخارجية التي ترفض بعض من القوى الدبلوماسية بها تماماً هذا التوجه، وهو ما عبر عنه أيضاً البعض من القادة الأمنيين في الأجهزة الأمنية الكبرى مثل قيادات الموساد التي تنتقد نتنياهو وبشدة. عموماً فإن هناك أزمة واضحة في إسرائيل، غير أن هذه الأزمة المرشحة للتفاقم لن تعصف بالكيان، ولن تؤدي إلى زواله كما يذهب البعض أو اشتعال الحرب الأهلية به، في ظل تعاظم التهديدات الإستراتيجية دوماً بين إسرائيل وجيرانها، ما يدفع بالقوى الإسرائيلية إلى التوحد سياسياً وعسكرياً، عقب اشتعال الأزمات.

*كاتب سوري

المصدر:الوطن السوريو

 

عن Amal

شاهد أيضاً

إعلام إسرائيلي: كيف شارك كبار ضباط الجيش في إخفاق 7 أكتوبر؟

شباط 23 2024 صحيفة “معاريف” تتطرق إلى دور ضباط خدموا في مناصب عليا في الجهازين …