الرئيسية / الملف السياسي / الوطن العربي / الأميركيّ يجمع قوى العدوان لمرحلةٍ حاسمة.. والجيش السوري يُبادر بالنّار

الأميركيّ يجمع قوى العدوان لمرحلةٍ حاسمة.. والجيش السوري يُبادر بالنّار

15 آب 2023

جو غانم

تشير جميع وقائع الميدان السوريّ ومعطياته، على صُعدهِ العسكرية والسياسية والاقتصادية، أنّ إدارة الاحتلال الأميركيّ قد بدأت بالفعل مرحلةً جديدة من الصراع مع الدولة السورية وحلفائها، وأنّ واشنطن عملت بجدّ مؤخّراً، وما تزال على مدار الساعة، على محاولة خلط بعض الأوراق في سوريا والإقليم لمصلحة خططها المستجدّة، وأنها ماضية في ممارسة أشدّ أنواع الضغوط على الجبهات المؤثّرة كافة.

وفيما يتبارى المحلّلون والمراقبون في استشراف الخطط والأهداف والاستراتيجيات الأميركية النهائية التي وضعتها واشنطن، وتبغي الوصول إلى النتائج المرجوّة لهذه المرحلة، عاد السوريون إلى تشييع شهدائهم العسكريين والمدنيين بشكل شبه يوميّ منذ أكثر من 10 أيام، وذلك نتيجة اعتداءات متفرقة على مختلف جبهات القتال وعلى امتداد جغرافيا الصراع من الجنوب إلى الشمال، وصولاً إلى أقصى الشرق، مروراً بالتفجيرات الإرهابية التي حدثت مؤخّراً في العاصمة وريفها، والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، التي تكرّرت في الأسبوع الأخير بشكل لافت، من دون أنْ نُغفل الحرائق المفتعلة التي يعدّها كثير من السوريين، شكلًا جديداً من العدوان والحصار. واللافت هنا، أنّ خيوط جميع تلك الهجمات والاعتداءات والعمليات الإرهابية والتخريبية، تنتهي في يد الأميركيّ، وتتوافق مع خططه في التصعيد وزيادة الضغوط، ما يشير بشكل واضح إلى استمرار قدرة الأخير على لعب دور “المرجعية العدوانية” الأخيرة والأقوى لجميع قوى وأدوات العدوان على سوريا ومحور المقاومة، وتمكّنه من اللعب على التناقضات التي تُفرّق بعض أدوات العدوان تلك عن بعضها البعض، وتحويلها إلى فرص ومكاسب له ولمشاريعه وخططه.

ففي الشمال، حيث الاحتلال التركي ونفوذه المطلق على أدوات العدوان، عادت العمليات الانتحارية إلى الواجهة في الأيام الأخيرة، وعاد “الانغماسيون” التكفيريون إلى التسلّل إلى مواقع الجيش العربي السوري في ريف اللاذقية خصوصاً، ومحاولة تنفيذ عمليات جريئة لم نسمع عن مثلها في السنوات الثلاث الأخيرة، انتهى بعضها إلى الفشل الذريع بسبب يقظة الضباط والجنود السوريين، كعملية “عين البيضا” ليل الخميس الفائت، فيما أسفرت عملية “قمة النبي يونس” التي سبقتها بأيام قليلة، عن استشهاد ضابط و3 جنود، بينما استمرت محاولات إرسال الطائرات المسيّرة إلى مواقع جديدة في العمق السوري في اتّجاه الساحل والداخل، مع تكثيفٍ في عمليات إطلاق تلك الطائرات في اتّجاه قاعدة “حميميم” الروسية في ريف اللاذقية. وتتزامن تلك الاعتداءات والهجمات مع نشر تقارير تركية وغربية عن تفاهمات أميركية – تركية جديدة تتعلّق بالتنسيق العدواني على الساحة السورية، وإيجاد خطط مشتركة جديدة تصبّ كلها في خانة العداء للدولة السورية وحليفيها الروسيّ والإيرانيّ. وبحسب معلوماتنا، فإنّ هذا التنسيق قد أسفر مؤخّراً عن تلقّي فصيل “حركة تحرير الشام” الإرهابي، الذي يقوده زعيم جبهة النصرة سابقاً، أبو محمد الجولانيّ، أسلحة جديدة ومعدّات للطائرات المسيّرة من أنقرة، وذلك بتوجيه أميركيّ مباشر، وكذلك افتتاح معسكر تدريب جديد في محيط مدينة إدلب، استقبل 200 مقاتل من جنسيات أجنبية مختلفة، يتبعون لما يُسمّى بـ “الحزب الإسلاميّ التركستاني”، بهدف تدريبهم على القيام بعمليات “انغماسية” على مواقع الجيش السوري، وهو ما حدث بالفعل بعد انتهاء المعسكر التدريبيّ.

أمّا في الجنوب، فقد تصاعدت عمليات استهداف ضباط وجنود الجيش العربي السوري والقوى الرديفة له تزامناً مع الأوامر الأميركية الجديدة، وذلك من خلال نصب الكمائن والاعتداء على السيارات والعربات العسكرية العابرة، والتي بلغت حدّ تنفيذ هجمات إرهابية طالت المدنيين والإعلاميين على الطرقات، إذ أسفرت إحدى العمليات عن استشهاد مراسل ومصوّر يعملان في الإعلام الوطنيّ السوريّ.

وفي الشرق، حيث الصورة الأكثر وضوحاً للدور الأميركيّ التخريبيّ والناهب، فقد تصاعدت هجمات تنظيم “داعش” الإرهابي في الأيام الأخيرة، وذلك في مثلث البادية الممتد من “التنف” عند الحدود السورية – الأردنية – العراقية، حيث تقع القاعدة الأميركية الأبرز، وصولاً إلى أرياف محافظتَي دير الزور والرقة، فقد شنّ عناصر التنظيم الإرهابي هجوماً على حاجز للجيش السوري في بلدة “معدان عتيق” في نقطة تقع على الحدود الإدارية بين محافظتَي الرقة ودير الزور، بالتزامن مع مرور حافلة تقلّ جنوداً من القوات الرديفة للجيش، ما أسفر عن استشهاد جنديّ من الجيش ومقاتل من القوات الرديفة، ليقوم التنظيم بعد أقلّ من 48 ساعة، بتنفيذ اعتداء على حافلة مبيت عسكريّ تتبع للجيش العربي السوريّ، وذلك على مقربة من المحطة الثانية “تي2” الواقعة جنوب شرقيّ بادية منطقة الميادين في الريف الشرقي لمحافظة دير الزور، ما أسفر عن استشهاد 23 جنديّاً وجرح 10 كانوا على متن الحافلة، واللافت هنا، أنّ تصعيد التنظيم الإرهابيّ لهجماته في منطقة البادية وشرقي الفرات، حدث بعد قيام قوات الاحتلال الأميركيّ بنقل أعداد من سجناء التنظيم من بعض سجون “قسد” في اتّجاه بادية التنف.

على الجبهة المقابلة، فإنّ كل المعطيات والوقائع تشير إلى أنّ القيادة السياسية والعسكرية في دمشق ولدى المحور الحليف لها أيضاً، تتعاطى مع التصعيد الأميركيّ الأخير بدرجة عالية من الجدّية والتأهّب، وفي حين لامست حالة التحفّز تلك، حافة الاصطدام والمواجهة بين الطيران الروسيّ والطيران الأميركي في السماء السورية، تطوّر الأمر في الأيام الأخيرة إلى درجة تفعيل أجهزة التسديد في طائرتَي أف 35 أميركية، وإغلاق الرادار على 4 طائرات روسية من طراز “سو 35″، فيما فُعّلت أنظمة الحماية والهجوم في الطائرات الروسية على الفور، وهي حادثة تكرّرت عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، لكن لم يُعلن عن ذلك إلّا في حادثة يوم السبت الفائت، وذلك من خلال بيان صادر من قاعدة “حميميم” الروسية.

لكنّ أبرز وأهمّ مؤشّرات الاستراتيجية السورية والحليفة، حيال الاحتلال الأميركي وخططه وتحرّكاته العدوانية المستجدة، والتي مثّلت نهجاً جديداً يعتمد على المبادرة لا الدفاع فقط، تمثّلت في الهجوم الصاروخيّ الشامل الذي استهدف معظم القواعد الأميركية في الشرق السوريّ، وتحديداً تلك الواقعة على طول الضفة الشرقيّة لنهر الفرات، حيث أمطرت صواريخ “المقاومة السورية” قاعدة “حقل العمر” بـ 4 صواريخ، وقاعدة “حقل كونيكو” بـ 5 صواريخ، وقاعدة “الشدّادي” بصاروخٍ واحد، في حين قامت الطائرات المسيّرة بتوجيه ضربات دقيقة على مطار الشدّادي المحتلّ، بالإضافة إلى نقاط عسكرية أخرى تتبع لقوات الاحتلال الأميركي في المنطقة المحيطة. والجديد هنا، هو تبنّي “المقاومة السورية” لهذا الهجوم في بيان صدر عقب الهجمات مباشرةً، وتوعّد البيان باستمرار “دكّ معاقل القوات الأميركية المحتلة أينما وُجدت، حتى تطهير كامل التراب السوري من المحتلّ الأميركيّ”.

وعقب هجمات المقاومة بساعات، وجّهت البوارج الحربية الروسيّة الموجودة قبالة سواحل مدينة طرطوس، ضربةً صاروخية دقيقة بعدد من الصواريخ الموجّهة التي استهدفت مواقع ومقرّات تتبع لتنظيم “داعش” الإرهابي في عمق البادية السورية، وذلك بعد ساعات قليلة أيضاً، من توجيه الطيرانين السوري والروسيّ صواريخهما في اتّجاه مواقع تتبع لتنظيمات إرهابية مدعومة من تركيا في إدلب وريفها وريف اللاذقية في الشمال السوريّ، وتلك مؤشّرات لا تدلّ على مدى الاستعداد لمواجهة المشروع الأميركي الجديد وأدواته وحسب، بل على احتماليّة الانتقال إلى مرحلة المبادرة والهجوم، وعدم إعطاء الأميركي والتركيّ مجالاً أوسع للتخطيط وتجميع الأوراق وتفعيلها معاً ضد الدولة السورية وحلفائها الروس والإيرانيين وقوى المقاومة على الأرض السورية وفي الإقليم.

ولعلّ في كلام الرئيس السوري، بشار الأسد، خلال المقابلة التي أجراها مع إحدى القنوات الخليجية مؤخّراً، تكثيفاً مهمّاً للواقع الحالي الخاص بالصراع ضدّ سوريا وحلفائها على الأرض السورية وفي الإقليم، حيث كان الأسد واضحاً في شرحه للخطط الأميركية القديمة والمستجدة، وفي تأكيد الاستعداد لمواجهتها حتى التحرير. كذلك الأمر بالنسبة إلى مستقبل الصراع في الشمال، والنظرة السورية إلى الدور التركيّ في العدوان على سوريا، وفي خلق تلك البيئة الإرهابية المدمّرة في الشمال، وفي دحض كل الوعود الإردوغانية وكشف زيفها، والتأكيد أنّ لا مستقبل للعلاقات مع تركيا – إردوغان إلّا بعد الرحيل عن الأرض السورية والتوقف عن دعم الإرهاب. كذلك كان الأسد شفّافاً في عرضه للعلاقات مع الحكومات العربية وحدودها، وقد بدا من خلال حديث الرئيس السوريّ، أنّ دمشق مستعدة لكلّ الاحتمالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأنّها لا تُعوّل على أيّ وعود أو تسويات مبتورة، وأنّها ماضية في تحالفاتها العميقة والمتينة مع الحليفين الإيراني والروسيّ، ومع قوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن، وتملك القناعة التامة بأنّ لا طريق إلى الخلاص سوى بالقتال حتى تحرير الأرض من جميع أنواع وأشكال قوى الاحتلال والإرهاب.

الميادين

عن Amal

شاهد أيضاً

التنمية بعيدا عن التبعية حلم بعيد المنال..!

4 تشرين الأول 2023 د.محمد سيد أحمد* ليست المرة الأولى التي نتحدث فيها عن التنمية …