الرئيسية / الملف السياسي / العالم / الصين.. .. الشعب الفلسطيني تعرّض لظلم تاريخي يجب تصحيحه

الصين.. .. الشعب الفلسطيني تعرّض لظلم تاريخي يجب تصحيحه

شكلت عملية “طوفان الأقصى” اختباراً كبيراً لرغبة الصين وقدرتها على المزيد من الحضور في منطقة الشرق الأوسط. وقد رأى كثيرون أن بكين ستحاول النأي بنفسها عما يجري اليوم في المنطقة، لكن الوقائع تثبت عكس ذلك؛ فالموقف الصيني مما يجري اليوم في غزة لم يلقَ قبولاً لدى كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” والاتحاد الأوروبي والدول الغربية عموماً، إذ طالبوا بكين بإدانة وضحة وصريحة لما أقدمت عليه حركة حماس تجاه المستوطنين.

من جهتها، اعتبرت بكين أن ما يجري اليوم في غزة نتيجة طبيعية للظلم التاريخي الطويل الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، والذي لم يتم تصحيحه، معتبرة أن الطريقة الصحيحة لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هي الدفع بحل الدولتين واستئناف محادثات “السلام” في أسرع وقت ممكن.

ورأت أن الولايات المتحدة الأميركية أدت دوراً كبيراً في تأجيج الصراعات بين دول المنطقة، نتيجة إصرارها على احتكار خيوط الحل بيدها ورفضها الاعتراف بفشلها في تحقيق ذلك.

فشل أميركا نابع من انعدام الثقة بها من قبل دول المنطقة، نتيجة انحيازها الفاضح لـ”إسرائيل”، ونتيجة لعدم توفر الرغبة الأميركية الحقيقية في إيجاد حل للصراعات القائمة في المنطقة، ما يجعل دول المنطقة بحاجة دائمة إليها، لكونها الدولة الوحيدة الممسكة بخيوط الحل، كما روج الرئيس السادات في حينه.

نجاح الصين في تحقيق المصالحة بين السعودية وإيران كشف زيف تلك القاعدة، وشجع الدول العربية على المزيد من التقارب مع بكين. الموقف الصيني من القضية الفلسطينية كان موقفاً مبدئياً داعماً لحق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما تتفهمه بكين جيداً، وخصوصاً أنها عانت ويلات الاحتلال البريطاني لأراضيها.

بريطانيا التي سعت لتحويل الشعب الصيني إلى شعب مدمن على المخدرات من خلال ما سمي بـ”حرب الأفيون” هي ذاتها التي أعلنت وعد بلفور لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهي التي ما زالت حتى اليوم تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار في هونغ كونغ بعد مرور نحو 3 عقود على طردها منها، وهي التي كان رئيس وزرائها السابق جونسون أول من ربط بين ما حدث في أوكرانيا وما سيحدث في تايوان، في مقاربة غريبة لطالما رفضتها بكين واعتبرتها حلقة من حلقات مسلسل “مكر السياسة البريطانية” ودهائها.

الموقف الصيني من “إسرائيل” كان موقفاً ثابتاً ومبدئياً، إذ رفضت بكين الاعتراف بـ”إسرائيل”، ولم تقم علاقات دبلوماسية معها حتى عام 1992.

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، سحبت الصين اعترافها بـ”إسرائيل”، وهو الاعتراف الذي تم بضغط من الاتحاد السوفياتي في حينه؛ فالأخير (صديق العرب) كان يرى في “إسرائيل” الدولة الشيوعية الوحيدة في الشرق الأوسط، وطلب من الصين الاعتراف بها في حينه.

كانت الصين ترى أن “إسرائيل” قاعدة متقدمة للإمبريالية في الشرق الأوسط، وأن قتال العرب لها يشبه صراع الصين مع تايوان التي تشكل القاعدة الخلفية للإمبريالية، وكان الرئيس ماو يرى أن آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية هي “ريف العالم”، وأنها تقاتل المدن الاستعمارية في العالم (أوروبا وأميركا الشمالية)، في استحضار للثورة في الصين.

وعام 1950، وبينما كانت الصين لا تعترف بـ”إسرائيل” في حين تعترف الأخيرة بالصين، كانت الجامعة العربية تعترف بتايوان! وعام 1955، رفضت الصين انضمام “إسرائيل” إلى حركة عدم الانحياز.

ومنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، أرسلت الصين دعوة إلى قيادة المنظمة لزيارة بكين، وقدمت لهم السلاح والتدريبات، ورفضت قراري الأمم المتحدة 242 و338، ورفضت وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر 1973.

بعد وفاة ماو، وصل الرئيس دينغ شياو بينغ، وجاءت معه قيادات شبابية وتكنوقراط أكثر براغماتية وواقعية، فطرحوا فكرة: “ليس المهم لون القط إن كان أبيض أو أسود، المهم أن يكون قادراً على اصطياد الفأر”، بمعنى أن البراغماتية والواقعية أصبحت أهم من المبادئ والأيديولوجيا. لذا، أيدت الصين اتفاقية كامب ديفيد عام 1979.

وبقيت الصين داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني وباقي الدول العربية، حتى جاء مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، إذ ذهب العرب إلى هذا المؤتمر من دون أن يشترطوا مشاركة الصين فيه، بوصفها الدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي تقف معهم وترفض الاعتراف بـ”إسرائيل”.

بعد مؤتمر مدريد للسلام، شعرت الصين بأنها ربما كانت ملكية أكثر من الملك. لذا، بدأت تفكر في الموافقة على إقامة علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”، وهو ما تحقق بالفعل عام 1992.

على الرغم من ذلك، كانت “إسرائيل” ترى أن بكين منحازة أكثر إلى العرب. لذا، رفضت انضمام الصين إلى اللجنة الرباعية الدولية (أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) بعد انتفاضة الأقصى عام 2000.

عام 2013، تقدمت الصين بمبادرة من 4 بنود لحل القضية الفلسطينية، نصت على: قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والمفاوضات هي الطريق الوحيد للحل، والاعتماد على مبدأ الأرض في مقابل السلام، وطرح القضية على المجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته في إيجاد حل لها.

وبعد معركة “سيف القدس” عام 2021، تقدمت الصين أيضاً بخطة لإيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد تضمنت الخطة 4 نقاط: الوقف الفوري لإطلاق النار، وتقديم مساعدات إنسانية للفلسطينيين، ورفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، وتولي مجلس الأمن الدولي والمنظمات الاقليمية قيادة الجهود لحل الصراع.

عام 2022، قالت الصين في الأمم المتحدة إنه لا يحق لأحد استخدام الفيتو لتقرير مصير الفلسطينيين، وأكدت “أهمية التمسك بالنزاهة والعدالة إزاء القضية الفلسطينية”، وأكد مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، تشانغ جيون، خلال الاجتماع المنعقد لمجلس الأمن الدولي أن “ما ينقص حل القضية الفلسطينية ليس خطة كبرى، بل ضميرٌ حي لإقرار العدالة”.

وفي شهر آب/أغسطس 2022، تحدثت وسائل الإعلام عن رسالة صينية قاسية وجهتها بكين إلى الكيان الصهيوني، محذرة إياها من الانجرار وراء الاتهامات الأميركية بحق بكين فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان…

وفي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات الصينية الإسرائيلية توترات كثيرة نتيجة للموقف الصيني من إيران وتوقيعها شراكة استراتيجية معها، وكذلك موقف الكيان الصهيوني المؤيد للاتهامات الأميركية لبكين حول قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والموقف من تايوان…

ومع بدء عملية “طوفان الأقصى”، قامت السفارة الإسرائيلية في بكين بفتح حساب لها في تطبيق “دوين” (نسخة “تيك توك” المستخدمة في الصين)، بهدف حشد دعم وتأييد مستخدمي هذا التطبيق من المواطنين الصينين لها في صراعها الأخير مع حركة حماس، لكن المواطنين الصينيين أمطروها بعبارات لاذعة مثل: “من المسؤول عن قتل آلاف الأطفال من الفلسطينيين؟ ولماذا تتناقص مساحة الأراضي الفلسطينية في كل عام؟”، وهو ما دفع السفارة إلى منع التعليقات على المنشور.

وقامت القنصلية العامة الإسرائيلية في مدينة شنغهاي بنشر مقطع على منصة “ويشات” الصينية لنائب القنصل العام الإسرائيلي يطلب فيه من الشعب الصيني إعلان تأييده لـ”إسرائيل”، لكن عبارة “ندعم الشعب الفلسطيني” تصدرت التعليقات، وحصلت على أكثر من 20 ألف إعجاب.

وتحدثت الخارجية الصينية عن مقتل 3 مواطنين صينيين ومفقودين آخرين خلال عملية “طوفان الأقصى”. وعند نشر صحيفة “غلوب تايمز” الصينية خبر قيام مسلحي حماس بأسر جندي إسرائيلي، كانت التعليقات تدور حول فكرة أن على “إسرائيل” أن تعيد الأرض لأصحابها الفلسطينيون لإنهاء العنف الدائر هناك.

جاءت تصريحات وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال لقائه الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيف بوريل، والتي تحدث فيها عن دعم بكين للشعب الفلسطيني وسعيها لتقديم مساعدات إنسانية عاجلة لقطاع غزة والضفة الغربية عبر قنوات الأمم المتحدة، معتبراً أن القضية الفلسطينية تشكل جوهر قضايا الشرق الأوسط، وأن الشعب الفلسطيني تعرض لظلم تاريخي يجب تصحيحه.

ولدحض الأكاذيب الإسرائيلية والأميركية بأن حركة حماس قامت بقطع رؤوس 40 طفلاً، قام مراسل قناة “فينيكس” الصينية بزيارة كفار عزة ميدانياً، ليعلن للرأي العام الصيني زيف تلك الادعاءات التي تندرج في إطار سعي “إسرائيل” لتشبيه حركة حماس بتنظيم “داعش” الإرهابي.

وجاء خبر تعرض دبلوماسي إسرائيلي يعمل في الصين للطعن ليزيد مخاوف الكيان الصهيوني، وليشعره بأنه ما زال مرفوضاً من العديد من شعوب العالم.

وأشارت مواقع التواصل الصينية إلى انحياز محرك “غوغل” للكيان الصهيوني، فعند كتابة كلمة القدس يكتب غوغل أنها عاصمة “إسرائيل”!

وكان لافتاً العدد الكبير لمقاطع الفيديو المترجمة إلى اللغة الصينية التي تداولها مواطنون صينيون، والتي أسهمت في تشكيل رأي عام داعم ومساند للقضية الفلسطينية داخل المجتمع الصيني.

وباتت قصائد محمود درويش تترجم بشكل كبير إلى اللغة الصينية، باعتباره رمزاً من رموز نضال الشعب الفلسطيني.

وقد قامت صحيفة “China Daily” ببثّ مقطع من لقاء السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط مع قناة “بي بي سي” لتظهر للصينيين ازدواجية المعايير الغربية والأميركية.

تلك المواقف الرسمية والشعبية تظهر مدى اهتمام الصين حكومةً وشعباً بالقضية الفلسطينية وموقفها الداعم لها الذي فاق مواقف عدد من الدول العربية، وخصوصاً المطبعة منها أو اللاهثة خلف قطار التطبيع.

واللافت هو ثقة الشعب الصيني بحتمية زوال المستعمر، مستشهدين على ذلك بنضال الشعب الجزائري 130 عاماً ضد الاحتلال الفرنسي.

كل تلك المعطيات تشير إلى إدراك الشعب الصيني للقضايا العربية وتأييده المطلق لها، إنصافاً للحق، ورفضاً لتقبل سياسة القوة التي باتت شيئاً من الماضي

الميادين

عن Amal

شاهد أيضاً

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا …