الرئيسية / الملف السياسي / العالم / هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

هل وصلت أمريكا إلى النهاية؟

ملاحظة: تم نشر هذا المقال في 22 تموز 2020 رداً على مقال نشر على موقعنا في العام 2018. ولأهميته وتقاطعاته مع ما يحصل من اهتزازات في فلسطين المحتلة ومحيطها،  نعيد نشره على صفحات موقعنا: المحرر
عبير بسام
نشرت “ألف ياء جريدة العرب” مقالاً للدكتور فاضل الربيعي في نيسان 2018، تحت عنوان “أمريكا في اللحظة السوفياتية”. تحدث فيه الكاتب عن التشابه ما بين الحالة الأميركية اليوم ووضع الاتحاد السوفييتي إبان سقوطه. ومن خلال العنوان الجريء الذي وضعه “من يلتسن السّكّير إلى ترامب المهرّج: العالمُ في فوضى” نجد مقاربة ملفتة للرئيسين، فالأول انهار في عهده الاتحاد السوفيتي، والثاني ستسطر في عهده نهاية الولايات المتحدة الأميركية كما نعرفها. فهل المعطيات التي تمثل الحالة الأميركية اليوم تتناسب مع ما جاء في مقال الربيعي وغيره؟

قد يبدو كلام الربيعي مستهجناً، ويعتبر بعض الكتاب العرب أنه يأتي في دائرة الآمال والأحلام، ولكنه كلام يستقرأ عبر الحوادث المتتالية التي عصفت بأميركا ابتداءً من حوادث 11 أيلول 2001، إلى الأزمة المالية في العام 2008، إلى حركة احتلوا وول ستريت في العام 2011، إلى انفجار ثورات تم اخمادها بسبب الممارسات العنصرية ومنها على سبيل المثال اندلاع مواجهات كبيرة مع الدولة في العام 2012 بعد مقتل الأسود تريفون مارتن على يد الشرطة في ولاية فلوريدا، وفي 2014 بعد مقتل الأسود مايكل براون في ولاية ميزوري، وصولاً إلى مقتل جورج فلويد في 15 أيار/ مايو الذي فجر ثورة ضد العنصرية في أمريكا وأوروبا على حد سواء.

تفكيك أمريكا.. لماذا يسعى قطاع واسع من الأمريكيين لتقسيم الولايات المتحدة؟

ما يحدث اليوم في أمريكا، يؤسس لما اقترحه الفين توفلر، وكان استاذاً زائراً في جامعة كورنيل، من أن الاضطهاد العرقي سيكون السبب الرئيسي في تفكك الولايات الأميركية، وبالتالي فإن توفلر كان قادراً على قراءة تأثير التمييز العرقي على مستقبل أميركا إن لم تغير سياساتها العنصرية. وفي قراءة لما كتبه الربيعي وما استشرفه توفلر فإن أطماع الشركات الأميركية الحاكمة في الولايات المتحدة، والتي تمثل بالاتحاد مع السلطة الأمنية في أمريكا السلطة العميقة فيها، من أجل فرض سلطتها الأحادية على العالم، هي السبب الثاني الذي سيقضي على أميركا كقوة موحدة.
ويتطابق الوضع الحالي مع ما قاله توفلر، الذي تنبأ في منتصف سبعينيات القرن الماضي بـ “اختفاء” الولايات المتحدة بعد 35- 40 عاماً من سقوط الاتحاد السوفيتي. حيث يتحدث توفلر عن أنه بعد اختفاء عصر المداخن “اي المصانع” والأيديولوجيات الشيوعية اليسارية وغيرها في أمريكا اللاتينية، وكما اختفت النازية سوف تختفي الصهيونية التي هي نتاج العصر الصناعي، وأن العالم سيتحول إلى عصر السلعة الناعمة أي إلى وادي السيليكون، وأن المجتمع الأميركي “سوف يتمزق بثورات السود/ الزنوج، وطموح الولايات الغنية”. وهذا ما ينطبق على الأوضاع في أمريكا اليوم.

يؤكد هذه التوقعات يوهان جالتونج أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية النرويجي مؤسس معهد بحوث السلام في أوسلو، والذي توقع سقوط أمريكا ما بين العامين 2020- 2025، وخاصة بعد صعود ترامب للحكم، معتمداً على المؤشرات العلمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وخاصة بعد تصاعد السياسات الفاشية الأميركية. وجالتونج من الأشخاص الذين تنبؤوا بسقوط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات بناء على المؤشرات التي اعتمدها في قراءته لسقوط أمريكا.

منذ العام 2006، ترافقت التحركات والثورات مع الدعوات الانفصالية لعدد من الولايات الأميركية، ومنها ولاية ألاسكا. لم يكن الانفصال ممكناً بسسب قرار المنع الذي أصدرته المحكمة العليا، ولكن المحاولات تكررت في العام 2009 و2015، وفي كل مرة كانت تجمع فيها التواقيع من أجل إعلان الانفصال. وتعتبر الولاية من أهم مصادر النفط في أمريكا. تقع في جنوب وسطها المنشآت النفطية وغيرها من القطاعات المنتجة، وقاعدتان عسكريتان كبيرتان، كما أنه في بحارها المتجلدة مخزون ضخم من الغاز الذي لم يمس بعد. ويطالب أهلها بالعودة إلى روسيا فهي تبعد عن الأراضي الروسية حوالي 82 كم بينما تبعد 800 كم عن واشنطن. ويعاني المواطنون الروس الأصليون فيها من التمييز ضدهم.

كاليفورنيا، طالبت بالانفصال في العام 2017 بسبب ضعف المصادر المالية التي تتلقاها، والتي تحتاجها من أجل رفع مستوى الخدمات في الولاية بعد انتخاب دونالد ترامب، وخاصة التعليمية والصحية. من المعروف أن كاليفورنيا هي عصب الاقتصاد الأميركي، اذ يقع فيها وادي السيليكون، وتشكل كاليفورنيا وحدها القوة السادسة في الاقتصاد العالمي، ويبلغ الدخل القادم من شركة آبل وحدها قيمة 266 مليار دولار.
تشكل الأقليات 51% من مجموع السكان في كاليفورنيا، وتدفع الممارسات العنصرية نحو محاولة انفصال ولايات أميركية أخرى مثل نيويورك، وفلوريدا، والمكسيك، وتكساس، وأريزونا، وغيرها من الولايات الجنوبية الغربية. وازداد الاستياء فيها من الممارسات العنصرية بعد تسلم ترامب للحكم في أمريكا، وبدء حملة لبناء الجدار العازل ما بين أمريكا والمكسيك، والذي تحول إلى قضية كبرى في أمريكا، وأثارت المواقف التي أعلنها لناحية إلغاء اللغة الإسبانية كلغة رسمية في البلاد الاستياء، بعد إلغاء الموقع الإلكتروني الإسباني على صفحة البيت الأبيض، خاصة وأن اللغة الإسبانية تعد اللغة الأم لأكثر من 41 مليون شخص ولغة ثانية في 43 ولاية أميركية من حيث التكلم والاستخدام.

وبحسب مركز “بيو ريسرتش سنتر”: فإن 17% من سكان أميركا هم من أصول أميركية إسبانية ويمثلون أكبر أقلية في البلاد، وقد نشر المركز أن 40% من هؤلاء كانوا قد تعرضوا لمضايقات عنصرية بسبب منع استخدام اللغة الإسبانية الذي أصدره ترامب. وهذا يقع ضمن السياسات الفاشستية التي حذر منها جالتونج. ويتسبب التمييز العرقي في رفع مشاعر الاضطهاد فيما بين الأقليات الأميركية وخاصة لجهة الحصول على فرص العمل، ومحاربة اللغة الأم التي يتحدثون بها.

التحريض العرقي، إن كان على مستوى السلطة في أمريكا أو على مستوى رد الفعل في الشارع، يوجب البحث عن الأيدي الخفية التي تعبث فيهما من أجل إعادة تشكيل السلطة وما يراد تحقيقه. ففي البداية مشروع ترامب: “يجب إعادة عظمة أميركا” هو مشروع يهدف في أساسه إلى رفع مستوى الخلاف العنصري إلى درجة تدفع نحو تفكيك الدولة. وهنا يتحدث الكثيرون حول دور الماسونية العالمية في تأجيج هذا الخلاف، والتي يقع ضمن أهدافها الإستراتيجية أنّ الوقت حان لعودة السلطة المركزية العالمية إلى القدس.

تلتقي مصالح البروتستانتي المشيخي مع مصلحة الماسونية العالمية في تفكيك أمريكا. اذ تتضمن العقيدة الإنجيلية والبروتستانتية وما يتفرع عنها من معمدانيين ومشيخيين أنّه يجب إقامة دولة “اسرائيل” الآمنة تحضيراً لنزول المسيح عليه السلام، الذي سيحكم معه أتباعه في العالم من البروتستانت والإنجيليين. ومعظم أتباع هذه المذاهب هم ذوو أصول بريطانية وألمانية وهولندية، وهم على خلاف شديد مع أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وينظرون إلى أتباعها من إيرلنديين وإيطاليين وفرنسيين على أنهم مسيحيون من الدرجة الثانية. ولذا يمكننا أن نفهم العلاقة الوطيدة ما بين الصهيونية العالمية، صنيعة الماسونية، ومن أهم رجالاتها عائلة روتشيلد الصهيونية والتي تملك البنك الدولي، وما بين رجالات الحكم في الولايات المتحدة ومن أهمهم مايك بنس نائب ترامب ودونالد رامسفيلد وديك تشيني نائب جورج بوش الابن وغيرهم، من الذين يؤمنون أن موعد العودة إلى أرض الميعاد وبناء الهيكل من جديد قد أذن.

وحسبما سبق، فقد خططت الماسونية للكثير من الثورات والانقلابات وهي الآن في مراحلها الأخيرة وهي تهيمن على الاقتصاد العالمي وتدير عجلة السياسات العالمية في أمريكا، وأماكن عديدة من العالم. ولذا فما أن ابتدأ الأميركيون يلتقطون أنفاسهم في عهد باراك اوباما بعد الأزمة المالية التي سادت في العام 2008، حتى عادت الأوضاع الاقتصادية السيئة التي ترافقت مع عهد دونالد ترامب تطفو على السطح. اذ اتضح أن النظام الإمبريالي الحاكم في أميركا اشتدت وطأته من خلال قرار ترامب بخفض الضرائب على الشركات الكبرى، وإلغاء منظومة الضمان الصحي والتعليمي المسماة بـ “منظومة أوباما”، والتي أخذت معها حق الأميركيين في الاستشفاء وتحسين ظروف التعليم المجاني. وما زاد خطورة الوضع تفشي فيروس كورونا، حيث تشير التقارير إلى أن عدد المصابين السود بفيروس كورونا تبلغ أضعاف المصابين البيض به بسبب مستوى الفقر العالي ما بين الأفريقيين الأميركيين مقارنة بالعرق الأبيض. فالفيروس قد تسبب حتى احصائيات ايار/ مايو 2020 بوجود 40 مليون عاطل عن العمل منهم 23 مليون من أصول أفريقية، وتسبب المرض بموت 100 ألف أميركي، ثلاثة أرباعهم من السود. وهذا ما سيفجر أزمات أكبر في أميركا اليوم.

وبناء عليه هناك ثلاث نقاط مترابطة تجب قراءتها خلال تاريخ صعود قوى وهبوط أخرى في العالم. ففي البداية لا يمكن لقوة واحدة أن تستمر في السلطة إلى الأبد. والثاني، أن من يقود التغيير هم الطبقة الصاعدة والتي تحاول أن تجد لها مكاناً في السلطة، وكانت هذه القوة الصاعدة هي البورجوازية في فرنسا على سبيل المثال، واليوم هي الأقليات العرقية، التي استطاع أبناؤها تحصيل العلم ودخول سوق العمل وتبوؤ مراكز فيه. والنقطة الثالثة هي تبدل موازين القوى في العالم والتي تسعى إلى تقويض بعضها البعض، كما جرى في التدخل الأميركي لتفكيك الاتحاد السوفياتي، وتبديد إمكانيات أمريكا في المواجهات العسكرية بدلاً من العمل على تحسين بناها التحتية. وأخيراً، الحديث عن سقوط الدولار كعملة للتداول العالمي والتوجه إلى العملة الإلكترونية، والتي لم تتضح معالمها بعد.

ومما سبق يمكننا أن نفهم ماذا يعني أن يقوم الأميركيون في الخامس من شهر/ تموز يوليو، في اليوم التالي لعيد الاستقلال، بحرق العلم الأميركي بالقرب من البيت الأبيض منادين بأن “أمريكا لم تكن عظيمة على الإطلاق” مع ترديد الشعارات المناهضة للعبودية والإبادة الجماعية. اذ تشهد الولايات المتحدة صراعًا سياسيًا غربيًا – غربيًا، ما بين التيار القومي الصاعد عالميًا، والتيار النيوليبرالي الذي يضم القوى والأيديولوجيات التقليدية التي تحكم الغرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. “العقلية التي يحكم بها هذا التيار ستذهب بأمريكا كدولة نحو الجحيم “، وهذا ما جاء في مقال كتبه برونو جيج، تحت عنوان “سقوط النسر بات وشيكاً”، بسبب سياساتها الاقتصادية، والتي تسبب برأي جيج: “التضخم الجنوني في النفقات العسكرية [وبالتالي ] التضحية ببلد يزداد فيه الأغنياء غنى ويزداد فيه الفقراء فقراً “.

عن Amal

شاهد أيضاً

إعلام إسرائيلي: كيف شارك كبار ضباط الجيش في إخفاق 7 أكتوبر؟

شباط 23 2024 صحيفة “معاريف” تتطرق إلى دور ضباط خدموا في مناصب عليا في الجهازين …