24 كانون ثاني 2026
محمد غروي*
على خلاف حرب الاثني عشر يومًا وليلة 23 خرداد، فإن إيران اليوم في ذروة الجاهزية؛ وعبارة «الأيادي على الزناد» و«الصواريخ مُبرمجة على الأهداف» ليست بروباغندا دعائيًا إطلاقًا. هذه المرة لن تُعقد اجتماعات لإصدار الأوامر؛ فالأوامر قد صدرت بالفعل، وفي مختلف مدن إيران الجميع بانتظار بدء المواجهة.
شهدت الرؤية الفكرية لدى القادة بشأن نموذج الحرب وطبيعتها تغيّرات جوهرية مقارنةً بما قبل حرب الاثني عشر يومًا.
في الحرب المقبلة لن نكون بانتظار أخبار إطلاق الصواريخ فقط. فبتدبير القائد الحكيم والواعي في إيران، لم يُكشف خلال حرب الاثني عشر يومًا عن الجزء الأكبر من المعدات والإمكانات الإيرانية. وكان السبب الأهم هو الحفاظ على الأصول والقوى للحرب الرئيسية المتوقعة مع الولايات المتحدة.
إذا كان قبل أشهر يسود نوع من الحذر في المواجهة والاشتباك المباشر وتوجيه ضربات قاصمة للأمريكيين، فقد تشكّل اليوم إجماع بين القادة وصنّاع القرار على أن الاستراتيجية السابقة لم تعد مجدية، وأن الاشتباك بات حتميًا. ولذلك، ففي أي مواجهة محتملة يجب أن تتلقى أمريكا، وشخص ترامب، ضربات قاسية، تكون آثارها وصداها من القوة بحيث تؤدي إلى تراجع أمريكا عن المنطقة، وتفضح ترامب داخل الولايات المتحدة، وتُسهم في هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس المقبلة.
اقتراب السفن الأمريكية من إيران هو، أكثر من كونه فعلًا هجوميًا ضدها، فعلٌ دفاعي. وعلى العكس، فإن ابتعاد السفن الأمريكية عن المياه الإيرانية وعن مدى الصواريخ التكتيكية والطائرات المسيّرة والذخائر الانتحارية، يُعد إشارة على استعداد أمريكي للهجوم على إيران.
إيران ليست فنزويلا، ولا سوريا، ولا ليبيا، ولا العراق، ولا أفغانستان. فالبنية العسكرية والقيادية، والدعم الشعبي، والقدرات الهجومية لإيران لا تُقارن بأي من هذه الدول. كما أن أمريكا اليوم ليست أمريكا تلك السنوات؛ فعلى الرغم من كل التهويل الإعلامي، لم يعد الجيش الأمريكي يمتلك الجاهزية ولا الرغبة في خوض حرب طويلة وواسعة وإقليمية ومكلفة. وليس فقط أمريكا، بل جميع حلفائها الإقليميين يفتقرون إلى الرغبة والاستعداد لمواجهة مثل هذا السيناريو.
إن خطة العدوان العسكري الأمريكي على إيران باتت في الواقع خطة محروقة ومنتهية الصلاحية. كان من المفترض تنفيذ هذا الهجوم فورًا وسط الاضطرابات في الشوارع وحرب المدن التي يديرها مرتزقة الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية، كعامل مكمّل لعمليات السيطرة على المدن. إلا أن فشل الاضطرابات، وعدم تحقيق الأهداف المحددة، وتوجيه ضربات قاسية للخلايا الإرهابية المنظمة، إضافة إلى خوف وتردد أمريكا من تبعات ونتائج الهجوم على إيران، حال دون تنفيذه. وأي محاولة لإعادة تفعيله ستكون أكثر كلفة وتعقيدًا وبعواقب أشد.
في الحقيقة، فإن أمريكا وترامب، على خلاف الصورة التي يُظهرونها، باتوا في موقف «الجلوس على المنشار» ويبحثون عن مخرج مشرّف. فهم في وضع إن لم يفعلوا شيئًا سيتعرضون للوم من أتباعهم، وسيشهدون إحباط جنودهم عديمي الوطن؛ وإن هاجموا، سيدخلون حربًا شاملة ومكلفة ذات نتائج غير مضمونة، وذلك في عام حاسم انتخابيًا.
وبناءً على ما سبق، فإن انتشار وتحركات أمريكا الحالية في المنطقة تُعد في المقام الأول إجراءات دفاعية تحسبًا لهجوم إيراني استباقي على قواعدهم وأصولهم في المنطقة. لقد أدرك الأمريكيون جيدًا أن الأيادي على الزناد وأن الأهداف قد حُدِّدت.
وبحول الله وقوته، فإن فشل أمريكا في تحقيق أهدافها في هذه الحرب (إخضاع إيران أو تغيير نظامها)، وما سيتبعه من وقف لإطلاق النار وتراجع عن جبهة القتال، سيُعيد توجيه مسار تطورات الشرق الأوسط مجددًا لصالح إيران ومحور الموحّدين في مواجهة محور المشركين والكافرين.
المصدر: مدير مركز الجيل الجديد للإعلام
ألف ياء – جريدة العرب منبر إعلامي تقدمي يلتزم بقضايا الطبقات الشعبية فلسطينياً وعربياً وأممياً ولترسيخ مبادىء الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلم العالمي